أولًا: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح بخلاف إزالة النجاسة. (رجل جاء على ثوبه بول، ثم جاءت الأمطار ونظفته، وهو لم ينوي فانه يطهر).
ثانيًا: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان، لأنه من باب الأوامر، بخلاف طهارة الخبث لأنه من باب التروك.
فلو أن رجلًا أكل لحم جزور - وهو لا يعلم - ثم صلى، وبعد الصلاة علم، فإنه يجب أن يعيد الصلاة.
ثالثًا: طهارة الحدث طهارة تعبدية غير معقولة المعنى، بخلاف طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
رابعًا: طهارة الحدث لابد من الماء بخلاف طهارة الخبث على القول الراجح كما سيأتي إن شاء الله.
• فتجوز طهارة الحدث والنجس بالماء المطلق على أيّ صفة كان من أصل الخلقة.
قال ابن قدامة: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْبَحْرِ: التَّيَمُّمُ أَعْجَبُ إلَيْنَا مِنْهُ.
هُوَ نَارٌ.
وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى:
أ-لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَمَاءُ الْبَحْرِ مَاءٌ، لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ.
ب- وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ج-وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ (مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ).
د-وَلِأَنَّهُ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى أَصِلْ خِلْقَتِهِ، فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْعَذْبِ.
وَقَوْلُهُمْ (هُوَ نَارٌ) إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَاءً. … (المغني).
[ ١ / ٥ ]
قال النووي: وأما ماء البحر فجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم على أنه لا يكره كمذهبنا: وحكى الترمذي في جامعه وابن المنذر في الإشراف وغيرهما عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنهما كرها الوضوء به، وحكاه أصحابنا أيضًا عن سعيد بن المسيب.
واحتج لهم بحديث روى عن ابن عمرو عن النبي -ﷺ- (تحت البحر نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة وسبعة). رواه أبو داود في سننه
واحتج أصحابنا بحديث (هو الطهور ماؤه) وبحديث (الماء طهور).
ولأنه لم يتغير عن أصل خلقته فأشبه غيره.
وأما حديث (تحت البحر نار) فضعيف باتفاق المحدثين، وممن بين ضعفه أبو عمر بن عبد البر، ولو ثبت لم يكن فيه دليل ولا معارضة بينه وبين حديث هو الطهور ماؤه. (المجموع).
• قوله (والنجاسات) المراد بالنجاسة هنا الطارئة، لأن النجاسة تنقسم إلى قسمين:
أ- نجاسة عينية: وهي التي تكون عين الشيء وذاته نجسة، مثل: العذرة، مثل البول، العذرة ذاتها نجسة، عينها نجسة، البول: ذاته نجس، روث الحمار ذاته نجسة، الكلب: عينه نجس، ذاته نجسة.
ب- نجاسة طارئة: هي التي وردت على محل طارئ، مثلًا: عندك ثوب طاهر ثم وقعت عليه نجاسة، فهذه النجاسة تسمى الطارئة، ويسميها العلماء أيضًا حكمية.
فالماء لا يرفع إلا النجاسة الطارئة، أما النجاسة العينية: هذه ما يطهرها الماء، ولو جئت بالكلب وغسلته بماء البحر ما طهر، لكن
النجاسة العينية تطهر في الاستحالة: إذا انقلبت من عين إلى عين أخرى طهرت.
[ ١ / ٦ ]