واختار هذا القول الشوكاني والصنعاني.
أ- قالوا: التحريم خاص بالأكل والشرب فقط، والأصل الحل، والأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الاستعمال، فتخصيص النبي -ﷺ- للأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز.
قال الشوكاني: والحاصل أن الأصل الحل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلّمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة.
ب- عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ (أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ: وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ، أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ فَاطَّلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا) رواه البخاري.
وجه الدلالة: أن أم سلمة وهي راوية حديث النهي عن الشرب بالفضة، كان عندها جلجل من فضة، فيه شعر النبي -ﷺ-، يستشفى به الناس، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب.
• اختلف العلماء في العلة من تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة على أقوال:
قيل: الخيلاء أو كسر قلوب الفقراء.
قال الشوكاني: ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ.
لكن قال ابن قدامة: فإن قيل: إن كانت علة التحريم كسر قلوب الفقراء، لحرمت آنية الياقوت ونحوه مما هو أرفع من الأثمان.
الجواب:
قلنا تلك لا يعرفها الفقراء، فلا تنكسر قلوبهم باتخاذ الأغنياء لها، لعدم معرفتهم بها.
[ ١ / ٣٣ ]
وقيل: التشبه بأهل الجنة.
حيث يطاف عليهم بآنية من فضة وصحاف من ذهب، وذاك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه -ﷺ- لما رأى رجلًا متختمًا بخاتم من ذهب، فقال (مالي أرى عليك حلية أهل الجنة) أخرجه الثلاثة من حديث بريدة. [قاله الشوكاني].
وقيل: التشبه بالمشركين.
لقوله -ﷺ- (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة).
وقيل: أن هذا ينافي العبودية.
قال ابن القيم: فَالصّوَابُ أَنّ الْعِلّةَ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - مَا يُكْسِبُ اسْتِعْمَالُهَا الْقَلْبَ مِنْ الْهَيْئَةِ وَالْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْعُبُودِيّةِ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً وَلِهَذَا عَلّلَ النّبِيّ ﷺ بِأَنّهَا لِلْكُفّارِ فِي الدّنْيَا إذْ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْعُبُودِيّةِ الّتِي يَنَالُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَهَا فَلَا يَصْلُحُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَبِيدِ اللّهِ فِي الدّنْيَا وَإِنّمَا يَسْتَعْمِلُهَا مَنْ خَرَجَ عَنْ عُبُودِيّتِهِ وَرَضِيَ بِالدّنْيَا وَعَاجِلِهَا مِنْ الْآخِرَة. (زاد المعاد).