هذا القسم الثالث: وهو الماء النجس، الذي لا يجوز استعماله إلا لضرورة.
وهو ما تغير أحد أوصافه الثلاثة - لونه أو ريحه أو طعمه - بنجاسة.
فإذا بلغ الماء قلتين - وهو الكثير - فإنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه بنجاسة تحدث فيه.
وهذا بالإجماع.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس.
(وما سوَى ذلك ينجُسُ بمُخالطَةِ النجاسة).
أي: متى كان الماء أقل من قلتين، فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير.
وهذا المذهب.
[ ١ / ١٩ ]
إذًا ضابط الماء النجس على المذهب يشمل أمرين:
الأول: أن يكون كثيرًا فلا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه. (وهذا بالإجماع كما تقدم).
الثاني: أن تقع فيه نجاسة وهو قليل - دون القلتين - فيتنجس ولو لم يتغير.
هذا المذهب: أن القليل ينجس بمجرد النجاسة ولو لم يتغير.
وهو مروي عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي عبيد، وأبي ثور.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي.
أ-لحديث ابْن عُمَر. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (إِذَا كَانَ اَلْمَاءَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ اَلْخَبَثَ) وَفِي لَفْظٍ: (لَمْ يَنْجُسْ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ. وَابْنُ حِبَّان. (ضعفه بعضهم والأكثر على تصحيحه).
وجه الدلالة:
أولًا: أن مفهوم الحديث أنه إذا كان الماء دون القلتين فإنه يحمل الخبث.
قال ابن قدامة: وَتَحْدِيدُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَنْجُسُ، إذْ لَوْ اسْتَوَى حُكْمُ الْقُلَّتَيْنِ وَمَا دُونَهُمَا لَمْ يَكُنْ التَّحْدِيدُ مُفِيدًا.
ثانيًا: لو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن للتحديد بالقلتين فائدة، لأن الماء إذا تغير بالنجاسة نجس ولو كان مائة قلة.
ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال -ﷺ- (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) وفي رواية (فليرقه).
قال ابن قدامة: أَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، وَإِرَاقَةِ سُؤْرِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا تَغَيَّرَ وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ.
قال النووي: فالأمر بالإراقة والغسل دليل النجاسة.
[ ١ / ٢٠ ]
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا ينجس إلا إذا تغير بنجاسة.
وهو مذهب مالك، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وداود.
واختار هذا القول ابن المنذر، والغزالي من الشافعية، وهو اختيار ابن تيمية.
لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: قوله -ﷺ- (لا ينجسه شيء) دليل على أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه لا يتأثر بالنجاسة، وخص من ذلك المتغير بالنجاسة بالإجماع.
قال ابن القيم: فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة مع كونه واقفًا، فإن بئر بضاعة كانت واقفة ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلًا. (تهذيب السنن).
وأجاب هؤلاء عن حديث القلتين:
أولًا: أن هناك من العلماء من ضعفه.
فممن ضعفه عبد الله بن المبارك كما في الاوسط لابن المنذر ١/ ٢٧١ وابن عبد البر كما في التمهيد ١/ ٣٣٥ وابن القيم في تهذيب السنن ١/ ٦٢
وصحح الحديث النووي كما في المجموع ١/ ١٦٢ وابن حزم في المحلى ١/ ١٥١ وابن تيمية في مجموع ابن قاسم ٢١/ ٤١ وابن منده وابن حجر كما في الفتح ١/ ٤٠٨ والشوكاني، وأحمد شاكر.
ثانيًا: أن المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس، وإنما القليل قد يحمل الخبث لمظنة القلة، ثم إن هذا المفهوم يعارض منطوق حديث (الماء طهور لا ينجسه شيء) والمنطوق مقدم على المفهوم.
[ ١ / ٢١ ]
• … (إذا بلغ الماء قلتين …) بضم القلة، تثنية قلة، وهي الجرة الكبيرة من الفخار، سميت بذلك لأنها تُقَل، أي: تحمل، وهي قلال هجر، معروفة عند الصحابة، مقدار القلتين ٥٠٠ رطل بالبغدادي، وهي خمس قرب، قال الشافعي: "الاحتياط أن تكون القلتان قربتين ونصفًا" وتقدران بحوالي (٣٠٧) لترات، أو (١٠٢) كيلو.
قدرها بعض المعاصرين (٢٧٠) لترًا.