أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يبول في مهب الريح.
لئلا تردّ عليه بوله فيتنجس.
قال النووي: قال أصحابنا يكره استقبال الريح بالبول، لئلا يرده عليه فيتنجس بل يستدبرها هذا هو المعتمد في كراهته.
وأما الحديث المروى عن أبي هريرة (أن رسول الله -ﷺ- كان يكره البول في الهواء) فضعيف، بل قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: إنه موضوع. … (المجموع).
وقال ابن قدامة: وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ؛ لِئَلَّا تَرُدَّ عَلَيْهِ رَشَاشَ الْبَوْلِ، فَيُنَجِّسَهُ. … (المغني).
(وكلام).
أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يتكلم أثناء قضاء الحاجة.
قال النووي: كراهة الكلام على قضاء الحاجة متفق عليه، ويستوي في الكراهة جميع أنواع الكلام ويستثنى مواضع الضرورة.
وقال في شرح مسلم: … وَكَذَلِكَ يُكْرَه الْكَلَام عَلَى قَضَاء الْحَاجَة بِأَيِّ نَوْع كَانَ مِنْ أَنْوَاع الْكَلَام، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا كُلّه مَوْضِع الضَّرُورَة، كَمَا إِذَا رَأَى ضَرِيرًا يَكَاد أَنْ يَقَع فِي بِئْر، أَوْ رَأَى حَيَّة أَوْ عَقْرَبًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ يَقْصِد إِنْسَانًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَلَام فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بَلْ هُوَ وَاجِب، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْكَرَاهَة فِي حَال الِاخْتِيَار هُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْأَكْثَرِينَ، وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عَبَّاس، وَعَطَاء، وَسَعِيد الْجُهَنِيّ، وَعِكْرِمَة -﵃-، وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَابْن سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا بَأْس بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم).
لحديث جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (إِذَا تَغَوَّطَ اَلرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَحَدَّثَا. فَإِنَّ اَللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ) رَوَاهُ. وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلسَّكَنِ، وَابْنُ اَلْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُول.
قال الشوكاني: الحديث يدل على وجوب ستر العورة، وترك الكلام، فإن التعليل يمقت الله تعالى يدل على حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه، لأن المقت هو البغض.
والحديث لو صح لكان دالًا على التحريم وليس على الكراهة، لكن قالوا: إن التحريم خاص بمن جمع كل أوصاف الحديث، رجلان يمشيان إلى الغائط كاشفين عن عورتيهما، يتكلمان.
القول الثاني: لا يكره.
لعدم الدليل الذي يدل على الكراهة.
والأولى عدم الكلام إلا لحاجة.
[ ١ / ٥٢ ]
• سئل الشيخ السعدي: هل يكره الكلام وقت الاستنجاء، فأجاب: لا يكره ذلك، وإنما يكره وقت قضاء الحاجة، والأولى للإنسان ترك الكلام الذي لا يحتاج إليه وقت انكشاف عورته في كل موضع. (الفتاوى السعدية).
(ودخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة).
أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله.
وهذا مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة.
أ- لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -ﷺ- قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُول.
وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ- إنما نزعه لأجل نقشه (محمد رسول الله) مما يدل على أن الخاتم لا يُدخل به الخلاء إذا كان عليه ذكر منعًا
لامتهانه.
وقد تقدم أن الحديث ضعيف.
ب- عن عكرمة مولى ابن عباس قال (كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه) رواه ابن أبي شيبة، وسنده ضعيف.
وذهب بعض العلماء: إلى عدم الكراهة.
وهو قول كثير من السلف، وهو مذهب الحنفية.
أ- لأنه لم يرد دليل صحيح يدل على الكراهة.
ب- أن في نزع الخاتم عند دخول الخلاء من المفاسد ما لا يخفى.
وذهب بعضهم: أن إزالة ذلك أفضل.
قال به بعض الحنابلة.
وهذا هو الصحيح.
• يجوز دخول الحمام بأوراق فيها اسم الله ما دامت في الجيب ليست ظاهرة، بل هي مخفية ومستورة. (الشيخ ابن عثيمين).
• لو خاف على ما معه أن يسرق أو يضيع؟ في هذه الحالة يجوز أن يدخل به الخلاء (هذا على القول بالكراهة).
• وأما الدخول بالمصحف للخلاء:
فقيل: يحرم، وهو مذهب الحنابلة.
وقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية.
والصحيح الأول.
[ ١ / ٥٣ ]
قال الشيخ ابن عثيمين: الدخول بالمصحف إلى المرحاض والأماكن القذرة صرح العلماء بأنه حرام، لأن ذلك ينافي احترام كلام الله ﷾، إلا إذا خاف أن يسرق لو وضعه خارج المرحاض، أو خاف أن ينساه فلا حرج أن يدخل به لضرورة حفظه.
أما الأشرطة فليست كالمصاحف، لأن الأشرطة ليس فيها كتابة، غاية ما هنالك أن ذبذبات معينة موجودة في الشريط إذا مرت بالجهاز المعين ظهر الصوت، فلذلك يدخل بها ولا إشكال في ذلك. (لقاءات الباب المفتوح).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: أما دخول الحمام بالمصحف فلا يجوز إلا عند الضرورة، إذا كنت تخشى عليه أن يسرق فلا بأس. … (مجموع فتاوى ابن باز).
(وذكر الله).
أي: ويكره ذكر الله بلسانه حال قضاء الحاجة، تعظيمًا لله تعالى.
لحديث عبد الله بن عمر قال (مر بالنبي -ﷺ- رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه) رواه مسلم.
جاء في الشرح الكبير: ولا يذكر الله تعالى على حاجته بلسانه.
روي كراهة ذلك عن ابن عباس وعطاء.
وقال ابن سيرين والنخعي لا بأس به.
ولنا أن النبي -ﷺ- لم يرد السلام الذي يجب رده، فذكر الله أولى.
فان عطس حمد الله بقلبه ولم يتكلم، وقال ابن عقيل فيه رواية أخرى أن يحمد الله بلسانه والاول أولى لما ذكرناه. (الشرح الكبير)
قال ابن المنذر في الأوسط: وقال عكرمة لا يذكر الله وهو على الخلاء بلسانه ولكن بقلبه.
قال النووي في الأذكار: يكره الذكر والكلام حال قضاء الحاجة، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، وسواء في ذلك جميع الأذكار والكلام إلا كلام الضرورة.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: الذِّكر بالقلب مشروع في كل زمان ومكان، في الحمَّام وغيره، وإنما المكروه في الحمَّام ونحوه: ذكر الله
باللسان تعظيمًا لله سبحانه إلا التسمية عند الوضوء فإنه يأتي بها إذا لم يتيسر الوضوء خارج الحمَّام؛ لأنها واجبة عند بعض أهل العلم، وسنة مؤكدة عند الجمهور.
[ ١ / ٥٤ ]