(طَهارةُ رَجُلٍ) هذا قيد، (امْرأةٍ) قيد آخر، (قليلٍ) وهذا قيد آخر، (خَلَتْ بهِ) وهذا قيد.
فإذا تمت هذه القيود ثبت الحكم، فإذا تطهر به الرجل عن حدثٍ لم يرتفع حدثه.
مثاله: امرأة عندها قِدْرٌ من الماء يسع قُلَّةً ونصفًا، وهو يسير في الاصطلاح؛ خَلَت به في الحمَّام، فتوضَّأت منه وُضُوءًا كاملًا، ثم خرجت فجاء الرَّجُلُ بعدها ليتوضَّأَ به، نقول له: لا يرفعُ حَدَثَك. (الشرح الممتع).
ودليل ذلك:
أ- عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- "أَنْ تَغْتَسِلَ اَلْمَرْأَةُ بِفَضْلِ اَلرَّجُلِ، أَوْ اَلرَّجُلُ بِفَضْلِ اَلْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَالنَّسَائِيُّ،
قال النووي: رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
وقال ابن حجر: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
ب-ولحديث الحكم عن عمرو الغفاري: (أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) رواه أبو داود.
[ ١ / ٢٢ ]
وهذا الحديث ضعفه الإمام البخاري، وابن عبد البر في "الاستذكار" (١/ ٢٠٩) فقال: مضطرب لا تقوم به حجة. وقال النووي في "الخلاصة" (١/ ٢٠٠): ضعيف. وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ١٤٩): ليس بصحيح.
وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك، وأنه يرفع حدث الرجل.
وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية.
قال النووي: وَأَمَّا تَطْهِير الرَّجُل لِفَضْلِهَا فَهُوَ جَائِز عِنْدنَا وَعِنْد مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء، سَوَاء خَلَتْ بِهِ أَوْ لَمْ تَخْلُ. قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: وَلَا كَرَاهَة فِي ذَلِكَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْوَارِدَة بِهِ.
قال ابن قدامة: اختارها ابن عقيل، وهو قول أكثر أهل العلم.
أ- لحديث ابن عباس (أَنَّ اَلنَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ) رواه مسلم.
وجه الدلالة: أنه صريح في جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة.
ب-ولحديث ابن عباس - الآخر - قال (اِغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ اَلنَّبِيِّ -ﷺ- فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: إِنَّ اَلْمَاءَ لَا يُجْنِب) رواه أبو داود.
وجه الدلالة: أن ظاهره يدل على أنها خلت به لطهارة كاملة عن حدث، وأجابها النبي -ﷺ- جوابًا عامًا، بأن الماء لا يصير بهذا الفعل إلى حالة يجتنب فيها فلا يستعمل.
ج- أنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل من فضل المرأة.
وهذا القول هو الصحيح.
[ ١ / ٢٣ ]
وأما الجواب عن أحاديث النهي، فمن وجهين:
الأول: أن أحاديث النهي محمولة على الكراهة جمعًا بين الأدلة، ورجحه الحافظ ابن حجر، والشوكاني.
الثاني: تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي.
قال الحافظ: وهو ممكن [الجمع بين الأحاديث] بأن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء والجواز على ما بقي من الماء وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة.
وقال النووي عن أحاديث المنع: وأما حديث الحكم بن عمرو: فأجاب أصحابنا عنه بأجوبة:
أحدها: جواب البيهقي وغيره أنه ضعيف، قال البيهقي، قال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال ليس هو بصحيح، قال البخاري: وحديث ابن سرجس الصحيح أنه موقوف عليه ومن رفعه فقد أخطأ، وكذا قال الدارقطني: وقفه أولى بالصواب من رفعه، وروي حديث الحكم أيضًا موقوفًا عليه، قال البيهقي في كتاب المعرفة: الأحاديث السابقة في الرخصة أصح فالمصير إليها أولى.
الجواب الثاني: جواب الخطابي وأصحابنا: أن النهي عن فضل أعضائها، وهو ما سال عنها، ويؤيد هذا أن رواية داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن بعض أصحاب النبي -ﷺ- عن النبي -ﷺ- (أنه نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) يُحمَل على أن المراد ما سقط من أعضائها، ويؤيده أنا لا نعلم أحدًا من العلماء منعها فضل الرجل، فينبغي تأويله على ما ذكرته … يحملنا على ذلك أن الحديث لم يقل أحد بظاهره، ومحال أن يصح وتعمل الأمة كلها بخلاف المراد منه.
[ ١ / ٢٤ ]
الجواب الثالث: ذكره الخطابي وأصحابنا: أن النهي للتنزيه جمعًا بين الأحاديث. (المجموع).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والصحيح أن النهي في الحديث ليس على سبيل التحريم، بل على سبيل الأولوية وكراهة التنزيه …، فالصواب: أن الرجل لو تطهر بما خلت به المرأة، فإن طهارته صحيحة ويرتفع حدثه، هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. … (الشرح الممتع).