أي: أن البول قائمًا جائز من غير كراهة.
أ- لحديث حُذَيْفَة قَالَ (أَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا …) متفق عليه.
ب- ثبت عن كثير من الصحابة أنهم بالوا قيامًا.
قال ابن حجر: وقد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قيامًا، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، ولم يثبت عن النبي -ﷺ- في النهي عنه شيء (الفتح).
ج- ولم يثبت نهي عن ذلك.
قال النووي: وقد روى في النهى عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت.
• لكن هذا الجواز مقيد بشرطين:
الأول: أن يأمن الرشاش [لأن التنزه من البول واجب].
الثاني: أن يأمن الناظر.
[ ١ / ٥٦ ]
وذهب بعض العلماء: إلى كراهة البول قائمًا.
أ- لحديث عائشة ﵂ قالت (من حدثكم أن رسول الله -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا) رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
ب- وعن بريدة. قال: قال -ﷺ- (ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده) رواه البراز.
والصحيح الجواز من غير كراهة.
وأما الجواب عن حديث عائشة: فيقال أن هذا مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة.
وأما حديث بريدة فضعيف.
قال الترمذي: حديث بريدة في هذا غير محفوط، وتابعه المباركفوري.
• أن الأكثر والأغلب من فعل الرسول هو البول قاعدًا لحديث عائشة السابق (من حدثكم أن رسول الله -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا).
• اختلف في سبب بول النبي -ﷺ- قائمًا:
فقيل: لأنه لم يجد مكانًا للقعود.
وقيل: ما روي في رواية ضعيفة أنه بال قائمًا لعلّة بمأبضه - والمَأبَض هو باطن الركبة -.
وقيل: لأن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك.
وقيل: لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود.
وقيل: فعل ذلك لبيان الجواز، وهذا القول هو الصحيح، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، لحديث عائشة السابق (من حدثكم أن النبي -ﷺ- كان يبول قائمًا …) (شرح نووي).
قال ابن حجر: والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز. (الفتح).
[ ١ / ٥٧ ]
• إن قيل كيف بال الرسول -ﷺ- في هذه السباطة القريبة من الدور مع أن المعروف من عادته التباعد عند قضاء الحاجة؟
الجواب:
قال النووي: وَأَمَّا بَوْله -ﷺ- فِي السُّبَاطَة الَّتِي بِقُرْبِ الدُّور مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ عَادَته -ﷺ- التَّبَاعُد فِي الْمَذْهَب، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض -﵁- أَنَّ سَبَبه: أَنَّهُ -ﷺ- كَانَ مِنْ الشُّغْل بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَر فِي مَصَالِحهمْ بِالْمَحَلِّ الْمَعْرُوف، فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ مَجْلِس حَتَّى حَفَزَهُ الْبَوْل فَلَمْ يُمْكِنهُ التَّبَاعُد، وَلَوْ أَبْعَد لَتَضَرَّرَ، وَارْتَادَ السُّبَاطَة لِدَمَثِهَا، وَأَقَامَ حُذَيْفَة بِقُرْبِهِ لِيَسْتُرهُ عَنْ النَّاس. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حَسَن ظَاهِر. (شرح مسلم).
• إن قيل: كيف بال النبي -ﷺ- في سباطة قوم من غير إذنهم؟
قال النووي: وَأَمَّا بَوْله -ﷺ- فِي سُبَاطَة قَوْم فَيَحْتَمِل أَوْجُهًا:
أَظْهَرهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُونَهُ بَلْ يَفْرَحُونَ بِهِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَاله جَازَ الْبَوْل فِي أَرْضه، وَالْأَكْل مِنْ طَعَامه، وَنَظَائِر هَذَا فِي السُّنَّة أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّة بِهِمْ بَلْ كَانَتْ بِفِنَاءِ دُورهمْ لِلنَّاسِ كُلّهمْ فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ لَقُرْبهَا مِنْهُمْ.
وَالثَّالِث: أَنْ يَكُونُوا أَدْنَوْا لِمَنْ أَرَادَ قَضَاء الْحَاجَة إِمَّا بِصَرِيحِ الْإِذْن وَإِمَّا بِمَا فِي مَعْنَاهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم).