هذا مما يستثنى، أي: لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل.
لحديث أَبِي هُرَيْرة. قال: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- (إِذَا وَقَعَ اَلذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي اَلْآخَرِ شِفَاءً) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ.
وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ اَلَّذِي فِيهِ اَلدَّاءُ).
فهذا الحديث دليل على أن الماء إذا وقع فيه الذباب فإنه لا ينجس.
لأن الرسول -ﷺ- أمر بغمسه ولم يأمر بإراقة ما وقع فيه.
[ ١ / ٤٠ ]
قال ابن القيم: هو دليلٌ ظاهر الدلالةِ جدًا على أنَّ الذُّباب إذا مات في ماء أو مائع، فإنه لا يُنجِّسه، وهذا قول جمهور العلماء، ولا يُعرف في السَّلَف مخالفٌ في ذلك.
ووَجهُ الاستدلال به: أنَّ النبيّ -ﷺ- أمر بمَقْلِهِ، وهو غمسُه في الطعام، ومعلومٌ أنه يموت من ذلك، ولا سِيَّما إذا كان الطعامُ حارًا، فلو كان يُنجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو -ﷺ- إنما أمر بإصلاحه، ثم عُدِّىَ هذا الحكمُ إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة والزُّنْبُور، والعنكبوت، وأشباهِ ذلك، إذ الحكمُ يَعُمُّ بعُموم عِلَّتِه، وينتفي لانتفاء سببه. [زاد المعاد].
• وقاس العلماء على الذباب كل مالا نفس له سائلة من الحشرات فحكموا لطهارتها وأنها لا تنجس ما سقطت: كالنملة، والبعوضة، والعنكبوت، والخنفساء، والنحل، والبق ونحو ذلك، فإذا وقع في طعام أو شراب لم يُحرِّمْه ولم ينجسه، لهذا الحديث.
لأن الحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه، ولما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته.
فلو وقع الجعل في الماء ومات فالماء طاهر.
وكذا لو وقعت العقرب في ماء فهو طاهر، لأنها لا تنجس بالموت.