أي: يحرم على قضاء الحاجة أن يستقبل القبلة أو أن يستدبرها حال قضاء الحاجة في الفضاء دون البنيان.
وهذا قول جماهير العلماء: أنه يحرم في الفضاء ويجوز في البنيان.
قال ابن حجر: وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا قال الجمهور، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق، وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة.
قال النووي: وهو مروي عن العباس بن عبد المطلب وعن عبد الله بن عمر والشعبي وإسحاق.
لحديث أبي أَبِي أَيُّوب. قال: قال -ﷺ- (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) متفق عليه.
وهذا نهي عام.
[ ١ / ٥٨ ]
لكن جاء ما يدل على الجواز في البنيان.
وهو حديث ابن عمر قال (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي -ﷺ- يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة). متفق عليه
وعند أبي داود عن مروان الأصفر قال (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس). رواه أبو داود
وجه الدلالة: أنه تفسير من الصحابي (ابن عمر) لنهي رسول الله -ﷺ- العام، وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يحرم مطلقًا في الفضاء والبنيان، الاستقبال والاستدبار.
وهذا قول أبي أيوب الأنصاري، ومجاهد، والنخعي، والثوري، وابن حزم ورجحه ابن تيمية وابن القيم والشوكاني.
أ-لحديث أبي أيوب السابق (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا).
ب-ولحديث سلمان السابق (لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اَللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ) رواه مسلم.
ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله -ﷺ- (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) رواه أبو داود.
فهذه الأحاديث صريحة في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، والأصل في النهي التحريم، وهو عام في الفضاء والبنيان.
• وأجاب هؤلاء عن حديث ابن عمر (ارتقيت يومًا بيت حفصة …) بعدة أجوبة:
أ-أنه فعل، وحديث النبي -ﷺ- قول، والقول أقوى من الفعل.
ب-أن الفعل يحتمل الخصوصية أو غيرها.
ج-أن هذا الفعل لو كان شرعًا لما تستر به.
فائدة: ذهب بعض العلماء إلى الجواز مطلقًا.
قال النووي: وهذا مذهب عروة بن الزبير، وربيعة شيخ مالك، وداود الظاهري. واستدلوا:
أ- بحديث ابن عمر السابق قال (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي -ﷺ- يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة).
ب- وبحديث جابر. قال (نهى رسول الله -ﷺ- أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) رواه الترمذي.
وجه الدلالة من الحديثين: أنهما ناسخان لأحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة.
• قوله (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ) أي: الكعبة.
• قوله (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) قال النووي: قال العلماء: هذا خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم، بحيث إذا شرق أو غرب لا يستقبل الكعبة ولا يستدبرها.
[ ١ / ٥٩ ]
وقال البغوي: هذا خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال.
• قال ابن حجر: هناك مذاهب أخرى:
منها: جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكًا بظاهر حديث ابن عمر وهو قول أبي يوسف.
قلت [سليمان] ورجح هذا القول الشيخ محمد بن عثيمين كما في الممتع.
ومنها: التحريم مطلقًا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس.
وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين عملًا بحديث معقل الأسدي (نهى رسول الله -ﷺ- أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط) رواه أبو داود وهو حديث ضعيف.
٢ - فإن قيل: كيف نظر ابن عمر إلى النبي -ﷺ- وهو في تلك الحالة، ولا يجوز له ذلك؟
قال ابن حجر: لم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي -ﷺ- في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الآتية (فحانت منه التفاتة) كما في رواية للبيهقي من طريق نافع عن ابن عمر، نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وقد دل ذلك على شدة حرص الصحابيّ على تتبع أحوال النبي -ﷺ- ليتبعها، وكذلك كان -﵁-.
وقال في العمدة: وقعت منه تلك الرؤية اتفاقًا من غير قصد لذلك، فنقَلَ ما رآه.
وقال الكرماني: يحتمل أن يكون ابن عمر قَصدَ ذلك، ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله، فنقل ما شاهد.