أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يستقبل الشمس أو القمر حال قضاء حاجته.
أ-لما فيها من نور الله.
ب-ولحديث ورد (أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يبول الرجل وفرجه بادٍ إلى الشمس أو القمر).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يكره.
أ-لأن التعليل الذي ذكروه منقوض بسائر الكواكب.
ب-وأما الحديث فباطل.
قال ابن حجر: هذا حديث باطل لا أصل له.
وقال النووي: هذا حديث باطل.
[ ١ / ٤٩ ]
قال ابن القيم ﵀: وأما استدلاله بأن النبي -ﷺ- نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما، واحتج بالحديث، فهذا من أبطل الباطل، فإن النبي -ﷺ- لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه
المسألة أصل في الشرع.
وقال السعدي: والصحيح أنه لا يكره استقبال النيرين وقت قضاء الحاجة، والتعليل الذي ذكروه، وهو لما فيهما من نور الله
تعالى، منقوض بسائر الكواكب، وعلة غير معتبرة.
وقال الشيخ ابن عثيمين: … ثم إِن هذا التَّعليلَ منقوضٌ بقوله -ﷺ- (لا تستقبلوا القِبلةَ ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا، أو غرِّبُوا).
ومعلوم أن من شرَّق أو غرَّب، والشَّمس طالعة فإنه يستقبلها، وكذا لو غرَّب والشمسُ عند الغروب، والرسول -ﷺ- لم يقل: إلا أن تكون الشمس أو القمر بين أيديكم، فلا تفعلوا.
(وبوله في شَق).
الشَق: بفتح الشين واحد الشقوق.
أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يبول في شَق.
قال ابن قدامة: فيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي شَقٍّ أَوْ ثَقْب. (المغني).
وقال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه.
وقال النووي: متفق عليه. (المجموع).
لحديث عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله -ﷺ- أن يبال في الجحر). رواه أبو داود.
وهذا الحديث صححه ابن خزيمة، وابن السكن، والنووي في " الخلاصة " (١/ ١٥٦)، وابن كثير في " إرشاد الفقيه " (١/ ٥٦)، وابن الملقن في " البدر المنير " (٢/ ٣٢١ (وضعفه بعضهم.
[ ١ / ٥٠ ]
• الحكمة من النهي: في سبب هذا النهي علتان:
أولًا: أَنَّهُ مَأْوَى الْهَوَامّ الْمُؤْذِيَة، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبهُ مَضَرَّة مِنْهَا. (عون المعبود).
قال الشيخ ابن عثيمين: فيُخشَى أن يكونَ في هذا الجُحر شيء ساكن فتُفْسِد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك فيؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رَشاش البول. … (الشرح الممتع).
وربما رأى حيةً أو ثعبانًا ففزع، فكان سببًا في حصول الضرر في بوله وجسده.
ثانيًا: أنها مساكن الجن.
وقد جاء في رواية أبي داود (٢٩): قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: "إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ "
قال الحاكم: ولست أبتُّ القول إنها مسكن الجن؛ لأن هذا من قول قتادة.
وقد ذكر كثير من المؤرخين أنَّ سيِّدَ الخزرج سعدَ بنَ عبادة -﵁- سافر من المدينة بعد موت رسول الله -ﷺ- إلى "حوران"، وأقام بها، فجلس يومًا يبول في ثقب في الأرض، فما إن فرغ من بوله حتى استلقى ميِّتًا.
ولم يعلم أهل المدينة بموته حتى سمعوا قائلًا من الجن في بئر يقول:
نحنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْ … رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادهْ.
وَرَمَيْنَاهُ بسَهْمَيْـ … ـنِ فلم نُخْطِئ فُؤادَهْ.
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه.
وهذه القصة - وإن كان في سندها كلام عند المحدثين -، إلا أنها مشهورة عند المؤرخين، حتى قال ابن عبد البر: " ولم يختلفوا أنه وجد ميتًا في مغتسله، وقد اخضرَّ جسده " انتهى من (الاستيعاب في معرفة الأصحاب).
• وكراهة البول في الجُحر متفق عليها بين الفقهاء، كما ذكر الإمام النووي في (المجموع).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) يُكْرَهُ التَّبَوُّل فِي ثَقْبٍ أَوْ سَرَبٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأْرْبَعَةِ … وَلأِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْجُحْرِ مَا
يَلْسَعُهُ، أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْبَوْل، قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَقَال الْبُجَيْرِمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَظْهَرُ تَحْرِيمُهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِهِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا يَتَأَذَّى أَوْ يَهْلِكُ بِهِ" انتهى.
[ ١ / ٥١ ]