قال: والتقاء الختانين.
ش: الختانان واحدهما ختان، والختان في الأصل قطع جلدة حشفة الذكر، وفي المرأة: قطع بعض جلدة عالية مشرفة على محل الإيلاج، ثم عبر بذلك عن موضع الختن، والتقاؤهما تقابلهما وتحاذيهما، ولما كان الموجب هو التقاء الختانين لا المس، وكان ذلك لا ينفك عن تغييب الحشفة أو قدرها، جعل ذلك هو الضابط، فقال الفقهاء، تغييب الحشفة.
١٧٧ - إذا عرف هذا فالأصل في وجوب الغسل بذلك في الجملة ما روى أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها - وفي لفظ - ثم اجتهد - فقد وجب الغسل» متفق عليه.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وفي لفظ لأحمد ومسلم: «وإن لم ينزل» .
١٧٨ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدافق، أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: فقلت أنا أشفيكم. فقمت فاستأذنت على عائشة فأذنت لي، فقلت لها: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحييك. فقالت: لا تستحي أن تسألني عن ما كنت سائلا عنه أمك. فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل» رواه أحمد ومسلم.
[ ١ / ٢٨١ ]
١٧٩ - «وعن رافع بن خديج قال: ناداني النبي - ﷺ - وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت، فأخبرته فقال: «لا عليك، الماء من الماء» قال رافع: ثم أمرنا رسول الله - ﷺ - بالغسل»، رواه أحمد، وبهذا يعلم نسخ ما تقدم من قوله: - ﷺ - «إنما الماء من الماء» ونحوه، وقد صرح بذلك رافع بن خديج [كما تقدم] .
١٨٠ - وكذلك سهل بن سعد فقال: حدثني أبي أن الفتيا التي كانوا يفتون: «إن الماء من الماء» رخصة رخصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد ذلك، رواه أبو داود، وفي لفظ: ثم أمرنا. وصرح بذلك جماعة من العلماء، ويعلم وهم من ظن أنها تخصيص عموم مفهوم «إنما الماء من الماء» حذارا من النسخ، إذ ذاك إنما يتمشى له قبل العمل، أما بعد العمل فيتعين النسخ، ورد قول من قال: إنه من باب تعليق
[ ١ / ٢٨٢ ]
الحكم على المظنة، بعد تعليقه على الجملة لخفائها، إذ لا ريب أن الإنزال ليس بخاف.
١٨١ - ثم في سنن أبي داود من حديث أبي أن رسول الله - ﷺ - جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمرنا بالغسل، ونهى عن ذلك. فذكر أن السبب قلة الثياب.
١٨٢ - وابن عباس - ﵄ - يؤول: «إنما الماء من الماء» على الحلم في المنام، من غير رؤية ماء، لكن عامة الصحابة على خلاف ذلك.
إذا تقرر هذا فاعلم أنا قد أنطنا الحكم بتغييب الحشفة في الفرج أو قدرها، ولا بد من كونهما أصليين، فلو أولج الخنثى المشكل حشفته، ولم ينزل في فرج أصلي، أو أولج غير الخنثى ذكره في قبل الخنثى، فلا غسل على واحد منهما، لاحتمال كون الحشفة أو القبل خلقة زائدة.
ثم بعد ذلك هو شامل لكل واطئ وموطوءة، ولو مع إكراه ونوم، أو كانت المرأة ميتة، نص عليه، أو كانا غير بالغين، نص عليه أيضا، واستدل على أنه لا يشترط البلوغ باغتسال عائشة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
١٨٣ - وفي مسلم عنها «أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل - وعائشة جالسة - فقال رسول الله - ﷺ -: «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» وعن القاضي منع الوجوب مع الصغر، نظرا إلى عدم تكليف الصغير، وكأن الخلاف لفظي، إذ مراد القاضي - والله أعلم - بعدم الوجوب انتفاء تحتم الغسل على الصغير، وإلزامه بذلك، ومراد أحمد - والله أعلم - بالوجوب اشتراطه للصلاة ونحوها، لا التأثيم بالتأخير، وهذا متعين، إذ التكاليف الخطابية لا تتعلق بغير بالغ، والصلاة ونحوها لا تصح بلا طهارة، وقد أشار القاضي إلى ذلك في تعليقه فقال: إن الصبي والمجنون إذا أولجا في الفرج وجب الغسل عليهما بعد البلوغ والإفاقة، إذا أراد الصلاة، فإن ماتا قبل وجوب الصلاة عليهما وجب غسلهما، وكان عن الجنابة والموت.
إذا عرف هذا فشرط تعلق الغسل بغير البالغ أن تكون ممن يوطأ مثلها على ظاهر كلام أحمد في رواية ابن إبراهيم، قال - وقد سئل عن الجارية متى يجب عليها الغسل؟ . قال -: إذا كان مثلها يوطأ. وأصرح منه ما حكي عنه أنه قال: إذا
[ ١ / ٢٨٤ ]
وطئ جارية لا يوطأ مثلها فلا غسل عليه، حذارا من أن تكون جنابة، وصرح بذلك ابن عقيل، وصاحب التلخيص فيه، أبو البركات في الشرح، والسامري مقيدا الجارية ببنت تسع سنين، والغلام بابن عشر، وظاهر إطلاق كثيرين عدم الاشتراط، ومن ثم أورده ابن حمدان مذهبا.
وشامل أيضا للوطء في كل فرج أصلي كما تقدم وإن كان دبرا، أو لميتة، وحيوان بهيم، حتى السمكة، ذكرها القاضي في التعليق.
(تنبيه): «شعبها الأربع» بين رجليها وشفريها، الخطابي: أسكتيها وفخذيها. عياض: نواحي الفرج. وقيل: رجليها ويديها. «وجهدها» قيل: أتعبها. وقيل: بلغ جهده منها. وهو يوافق رواية: «ثم اجتهد» والجهد الطاقة والإشارة بذلك - والله أعلم - إلى الحركة، ويمكن صورة العمل، وهو قريب من قول الخطابي: حفرها. قال: والجهد اسم من أسماء النكاح، وعلى هذا معناه: ثم نكحها. و«على الخبير سقطت» . أي صادفت مخبرا يخبرك بحقيقة ما سألت عنه، حاذقا فيه و«يكسل» مضارع أكسل. إذا جامع ولم ينزل. والله أعلم.