قال: والطهر من الحيض والنفاس.
ش: لا خلاف في وجوب الاغتسال بذلك في الجملة، لإشارة النص وهو قوله ﷾: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن، أوقف سبحانه حق الزوج من الوطء على الاغتسال، فدل على وجوبه.
١٨٨ - وقد صرح بذلك المبين لكتاب ربه - ﷺ - فقال لفاطمة بنت أبي حبيش وقد سألته عن استحاضتها، فقال: «ذلك عرق
[ ١ / ٢٨٨ ]
وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهبت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري.
١٨٩ - وقال لأم حبيبة - وسألته أيضا عن ذلك - فقال لها - ﷺ -: «هذا عرق، فاغتسلي وصلي» رواه مسلم، والبخاري ولفظه: «ثم اغتسلي وصلي» ودم النفاس هو دم حيض يجتمع ثم يخرج.
وظاهر كلام الخرقي أن الغسل إنما يجب بالانقطاع، وهو أحد الوجهين وظاهر الأحاديث، (والثاني) - وصححه أبو البركات وغيره - يجب بالخروج، إناطة للحكم بسببه، لكن الانقطاع شرط لصحته اتفاقا، وفائدة الوجهين إذا استشهدت الحائض، فعلى قول الخرقي لا تغسل، إذ الانقطاع الشرعي الموجب للغسل لم يوجد، وعلى قول غيره تغسل للوجوب بالخروج، وقد حصل الانقطاع حسا، فأشبه ما لو طهرت في أثناء عادتها، وقال أبو محمد: لا يجب على الوجهين، لأن الطهر شرط في صحة الغسل، أو في السبب الموجب له [ولم يوجد] .
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقد ينبني أيضا على قول الخرقي [أنه لا يجب]، بل ولا يصح غسل ميتة مع قيام حيض ونفاس، وإن لم تكن شهيدة، وهو قويل في المذهب، لكن لا بد أن يلحظ فيه أن غسلها للجنابة قبل انقطاع دمها لا يصح، لقيام الحدث، كما هو رأي ابن عقيل في التذكرة، وإذا لا يصح غسل الموت لقيام الحدث كالجنابة، وإذا لم يصح لم يجب، حذارا من تكليف ما لا يطاق، والمذهب صحة غسلها لها قبل ذلك، فينتفي هذا البناء.
واعلم أن ظاهر ترجمة الخرقي أولا يقتضي أنه لا يجب الغسل بغير تلك الخمسة المذكورة، لأنه قال: والموجب للغسل خروج المني. إلى آخره، وظاهره حصر الوجوب في هذه الخمسة دون غيرها.
فلا يجب بولادة عرية عن دم، وهو أحد الوجهين أو الروايتين، على ما في الكافي، واختيار الشيخين، لعدم المقتضي لذلك، وهو النفاس أو المني، (والثاني) - واختاره ابن أبي موسى، وابن عقيل في التذكرة، وابن البنا، وغيرهم، يجب قياما للمظنة مقام الحقيقة، ولأنه مني منعقد، ورد بخروج العلقة، فإنها لا توجب الغسل بلا
[ ١ / ٢٩٠ ]
نزاع، وينبني على التعليلين الفطر بذلك، وتحريم الوطء قبل الاغتسال، فمن علل بالأول يلزمه ذلك، لا من علل بالثاني اهـ.
ولا يجب أيضا بغسل ميت، بل يستحب، (وعنه): يجب من تغسيل الكافر.
١٩٠ - لما روي «عن علي - ﵁ -: أنه لما مات أبو طالب أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «اذهب فوار أباك، ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني» فواريته فجئته فأمرني فاغتسلت فدعا لي» . رواه أبو داود والنسائي، وقد يجب مطلقا.
[ ١ / ٢٩١ ]
١٩١ - لما روى أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من غسل ميتا فليغتسل» رواه أبو داود، والمذهب الأول بلا ريب، نظرا للأصل، وحملا لما تقدم على الاستحباب، لعموم «حديث صفوان: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة.
» ١٩٢ - وفي مالك في الموطأ أن أسماء غسلت أبا بكر - ﵁ - حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا. على أنه ليس في حديث علي أنه غسله، مع أن الأحاديث لم تثبت، قاله أحمد وغيره،
[ ١ / ٢٩٢ ]
ومن ثم قال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد عدم الاستحباب رأسا. اهـ.
ولا يجب أيضا على من أفاق من إغماء أو جنون لم يتيقن معه حلم، وإن وجد بلة على المعروف من الروايتين، لأنه معنى يزيل العقل فلا يوجب الغسل كالنوم، ولأنه مع عدم البلة يبعد احتمال الجنابة، ومع وجودها يحتمل أن ذلك لغير شهوة، ويحتمل أنه [حصل] عن المرض المزيل للعقل، فلا يجب الغسل مع الشك، (والثانية): يجب وإن لم يجد بلة.
١٩٣ - لأن النبي - ﷺ - اغتسل من الإغماء، وفعله على وجه القربة دليل على الوجوب، وتوسط أبو الخطاب فأوجبه مع البلة كالنائم.
ولا يجب أيضا على من أراد الجمعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ويرد على حصر الخرقي [الموت] فإنه موجب في الجملة بلا نزاع. والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٣ ]