قال: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة.
ش: أراد بالكراهة (كراهة) التحريم، كما هو دأب السلف كثيرا، وقد صرح بذلك في غير هذا الموضع، فقال: والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص، وفيها الزكاة وإذا حرم الاتخاذ
[ ١ / ١٥٧ ]
فالاستعمال أولى، وقال: والشرب في آنية الذهب والفضة حرام.
٤٥ - وذلك لما روى حذيفة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا» وفي رواية: «ولكم في الآخرة» متفق عليه.
٤٦ - وعن أم سلمة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليه وفي رواية لمسلم: «الذي يأكل ويشرب»» وغير الأكل والشرب في معناهما.
وعموم كلام الخرقي يشمل الرجل والمرأة، وهو كذلك، لعموم الدليل، وتخصيصه المنع بالذهب والفضة يقتضي إباحة ما عداهما، وهو كذلك في الجملة.
٤٧ - لأن في «حديث عبد الله بن زيد: أتانا رسول الله - ﷺ - فأخرجنا له ماء في تور (من صفر) فتوضأ» . رواه البخاري.
٤٨ - وجاء «أنه - ﷺ - توضأ هو وأصحابه من مخضب من حجارة، ومن قدح من زجاج، وأنه - ﷺ - كان له قدح من خشب يشرب فيه ويتوضأ» . ويدخل في المفهوم الثمين، وهو ما
[ ١ / ١٥٨ ]
كثر ثمنه، قال أبو البركات: هو ما كان جنسه أكثر قيمة من جنس النقدين، كالجوهر والبلور، ونحوهما وهو كذلك، لتخصيص النبي - ﷺ - النهي بالذهب والفضة، ومفهومه إباحة ما عداهما، فمفهوم اللقب حجة عندنا على الأشهر، ثم العلة فيهما الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس، ولا عبرة بكراهة الشيرازي الوضوء من الصفر والنحاس لما تقدم.
ويستثنى من العموم النجس، كآنية عظام الميتة ونحو ذلك، وقد
[ ١ / ١٥٩ ]
يؤخذ من كلامه ثم، والمحرم، كالمغصوبة ونحوها، والمضبب والمطعم بالذهب أو الفضة.
٤٩ - لما روي عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «من شرب من إناء ذهب، أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» رواه البيهقي في سننه وقال: والمشهور عن ابن عمر في المضبب من قوله، وعن عمرة قالت: ما زلنا بعائشة حتى رخصت لنا في الحلي، ولم ترخص لنا في الإناء المفضض. رواه البيهقي أيضا.
ويستثنى من المضبب [المضبب] بضبة من الفضة، ويأتي الكلام على هذا - إن شاء الله - في كتاب الأشربة، أبسط من هذا.
[تنبيهان: (أحدهما): «يجرجر في بطنه» أي يحدر، جعل الشرب جرجرة، وهو صوت وقوع الماء في الجوف] (الثاني): «التور» شبه الطست، وقال ابن الأثير: إناء صغير
[ ١ / ١٦٠ ]
«والمخضب» مثل الإجانة التي تغسل فيها الثياب. والله أعلم.
قال: فإن فعل أجزأه
ش: إذا خالف وتوضأ فيها أجزأه عند الخرقي، وأبي محمد، إذ استعمال الماء في الوضوء حصل بعد فعل المعصية، وبهذا فارق الصلاة في البقعة الغصب، ولم يجزه عند أبي بكر، وأبي الحسين، وأبي العباس لإتيانه بالعبادة على وجه المحرم، أشبه الصلاة في المحل الغصب، ودليل الوصف وصف الشارع الأكل والشرب بالتحريم، مع حصولهما بعد فعل الأكل والشرب، حيث توسل إليهما بالمحرم.
وقول الخرقي: يتوضأ في آنية الذهب والفضة. يحتمل أنه غطس فيها وكانت تسع قلتين، ووجد الترتيب، بأن أخرج وجهه أولا، ثم يديه، ثم مسح رأسه، أو غسله وقلنا: يجزئ عن المسح، ثم أخرج رجليه، وعلى هذا يصح فيما إذا توضأ منها، أو بها، أو جعلها مصبا للماء بطريق الأولى، ويحتمل أن يريد أنه جعلها مصبا للماء، وعلى هذا لا يلزم الصحة فيما إذا توضأ فيها، أو بها، أو منها، لأنا إذا قلنا بعدم الصحة في
[ ١ / ١٦١ ]
هذه الصور، ففي جعلها مصبا احتمالان، أصحهما الصحة، والله أعلم.