ش: أي هذا باب. و«كان» هنا تامة، لأنها بمعنى الحصول والحدث، أي ما تحصل به الطهارة، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] على القراءة المشهورة، أي إن وجد ذو عسرة، أو حصل ذو عسرة، والباب ما يدخل منه إلى المقصود، ويتوصل به إلى الاطلاع عليه.
قال: والطهارة بالماء الطاهر المطلق، الذي لا يضاف إلى اسم شيء غيره، مثل ماء الباقلاء، وماء الحمص، وماء الورد، وماء الزعفران، وما أشبهها مما لا يزايل اسمه اسم الماء في وقت
ش: الألف واللام للاستغراق، والجار والمجرور خبر الطهارة، وهو متعلق بمحذوف، وذلك المحذوف في الحقيقة هو الخبر، والتقدير: كل طهارة حاصلة أو كائنة بالماء. والطاهر «ما ليس بنجس»، «والمطلق» غير المقيد، وقد بينه وأوضحه بقوله: الذي لا يضاف إلى اسم شيء غيره ثم مثل للذي يضاف إلى اسم شيء
[ ١ / ١١٤ ]
غيره بماء الباقلاء، وهو الفول، وماء الورد، وماء الحمص، وماء الزعفران، وما أشبه هذه الأشياء، كماء القرنفل، وماء العصفر، ونحو ذلك مما لا يفارق اسمه اسم الماء في وقت. واحترز بذلك عن إضافة مفارقة في وقت كماء النهر و[ماء] البحر ونحو ذلك، لأن إضافته تزول بمفارقته، فوجود هذه الإضافة كعدمها، هذا حل لفظه.
وأما الأحكام المستنبطة منه فقد (دل منطوقه) على أن كل طهارة - سواء كانت طهارة حدث أو خبث - تحصل بكل ماء هذه صفته سواء نزل من السماء، أو نبع من الأرض على أي صفة خلق عليها، من بياض وصفرة، وسواد، وحرارة وبرودة، إلى غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وهذا وإن كان نكرة في سياق الإثبات لكنه في سياق الامتنان، فيعم كل ماء.
٢ - وروى أبو هريرة - ﵁ - قال: «سأل رجل النبي - ﷺ - فقال: إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» رواه الخمسة وصححه غير واحد من الأئمة.
[ ١ / ١١٥ ]
٣ - «وقال - ﵊ - في بئر بضاعة: «الماء طهور لا ينجسه شيء» قال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح.
٤ - «وأمر - ﷺ - أسماء بنت عميس أن تغسل دم الحيض بالماء» .
٥ - وقال: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء» .
ودل مفهومه على مسائل:
(الأولى) أن جميع الطهارات لا تجوز بغير الماء، من دهن، وخل، ونبيذ، ونحو ذلك، أما في طهارة الأحداث فلقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فنقلنا عند عدم الماء إلى التيمم.
[ ١ / ١١٦ ]
٦ - وقول النبي - ﷺ - لأبي ذر: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» رواه أحمد والترمذي وصححه.
٧ - وأما في طهارة الأنجاس فلما «روى أبو ثعلبة - ﵁ - أنه قال: يا رسول الله إنا بأرض أهل كتاب، فنطبخ في قدورهم ونشرب بآنيتهم. فقال رسول الله - ﷺ -: «إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء» . رواه الترمذي وصححه والرحض الغسل وأمر أسماء أن تغسل دم الحيض بالماء.
(وعن أحمد) - ﵀ - ما يدل على زوال النجاسة بكل مائع طاهر مزيل، كالخل ونحوه، إذ المقصود زوال العين، (وعنه) زوالها بالطاهر غير المطهر، نظرا لإطلاق حديثي أبي ثعلبة وأسماء.
وعلى الأولى - وهي المذهب بلا ريب - يجوز استعماله في النجاسة تخفيفا لها، ويستثنى من هذا المفهوم ما يتيمم به، فإنه مطهر وليس بماء، وكذلك ما يستنجى به، وأسفل الخف إذا دلك، وذيل المرأة على قول في الثلاثة وقد يقال: لا يرد عليه التيمم، لأن كلامه في طهارة رافعة للحدث، وطهارة التيمم مبيحة، لا رافعة،
[ ١ / ١١٧ ]
والحجر في الاستنجاء ونحوه ليس بمطهر على المشهور، ويكون ذلك مأخوذا من كلام الخرقي وظاهر كلامه.
(المسألة الثانية) أن الطهارة لا تصح بماء نجس لتقييده الماء بالطاهر، وهو واضح.
(المسألة الثالثة) أن الطهارة لا تصح بغير الماء المطلق، فلا تصح بماء مضاف إضافة لازمة، ويأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك في المسألة الآتية بعد، والله أعلم.