قال: إذا دخل وقت الصلاة، وطلب الماء فأعوزه.
ش: ذكر الخرقي [- ﵀ -] لجواز التيمم [في السفر] ثلاثة شروط، (أحدها) دخول وقت الصلاة، فلا يجوز التيمم لصلاة قبل وقتها، وهذا هو المشهور، والمختار للأصحاب، لأن الله تعالى أمر بالوضوء أو التيمم عند إرادة القيام إلى الصلاة، وإنما يكون ذلك بعد دخول الوقت، وظاهر الخطاب: كلما أراد القيام إلى الصلاة.
[ ١ / ٣٢٧ ]
٢٣١ - خرج الوضوء، لصلاته - ﷺ - الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، وبقي التيمم على مقتضى ظاهرها.
٢٣٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت» مختصر، رواه أحمد، وللبيهقي في سننه عن أبي أمامة نحوه، وظاهره تقييد طهورية التراب بحال إدراك الصلاة، وإنما يتحقق ذلك بدخول الوقت، وأيضا فالتيمم قبل الوقت لا حاجة إليه، فهو كالتيمم مع وجود الماء، وقد أشار الله سبحانه [وتعالى] إلى اشتراط الحاجة بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] . (وعن أحمد) [- ﵀ -] ما يدل على جواز ذلك، وهو اختيار أبي العباس.
٢٣٣ - لعموم قوله - ﷺ -: «وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء» وشمله قوله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد
[ ١ / ٣٢٨ ]
الماء عشر سنين» ونظرا إلى أنه بدل فيساوي مبدله، إلا ما خرج بالدليل كالإطعام مع العتق في الكفارة، ونحو ذلك ولقد تخرج عبد العزيز في حكايته الإجماع على منع التيمم قبل الوقت.
(تنبيه): وقت المكتوبة المؤداة زوال الشمس، أو غروبها ونحو ذلك، والفائتة كل وقت، وكذلك المنذورة على المذهب، وصلاة الاستسقاء باجتماع الناس في الصحراء، والصلاة على الميت بنجاز غسله، وصلاة الكسوف بالكسوف إن أجزنا ذين في وقت النهي، وإن لم نجزهما فيه
[ ١ / ٣٢٩ ]
فبذلك مع خروج وقت النهي، وكذلك جميع التطوعات وقتها وقت جواز فعلها اهـ.
(الشرط الثاني): طلب الماء، على المشهور المختار من الروايتين لظاهر الآية، فإنه سبحانه [وتعالى] شرط لجواز التيمم عدم الوجدان، ولا يقال: ما وجد. إلا بعد الطلب، ولا يرد قوله سبحانه: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] مع انتفاء الطلب منهم.
٢٣٤ - وكذلك قوله - ﷺ -: «من وجد لقطة» لأن كلامنا في جانب النفي، أما جانب الوجود فسلم أنه [لا] يقتضي الطلب، (فإن قيل): فيرد قوله سبحانه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] لاستحالة الطلب على الله سبحانه، (قيل): الله سبحانه [وتعالى] طلب منهم الثبات على العهد، أي أمرهم بذلك، فهو سبحانه يطلب منهم ما قدمه إليهم من العهد، فلذلك قيل: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٢] .
ولأنه بدل، شرط له عدم مبدله، فلم يجز إلا بعد طلب المبدل، كالصيام مع الرقبة في الكفارة، وكالقياس مع النص في الحادثة، يحقق ذلك أن البدل من شرطه الضرورة، وهي بعد الطلب متحققة حسب الإمكان، أما قبله فمشكوك فيها، فلا تثبت الرخصة.
[ ١ / ٣٣٠ ]
(وعن أحمد) - ﵀ - رواية أخرى - واختارها أبو بكر -: يستحب الطلب ولا يجب. اعتمادا على ظاهر الحال، كالفقير لا يلزمه طلب الرقبة، ومحل الخلاف - وفاقا لأبي البركات، وصاحب التلخيص - إذا احتمل وجود الماء، ولم يكن ظاهرا، أما مع الجزم بعدم الماء فلا يجب بلا ريب، ومع ظن وجوده - إما في رحله، أو بأن رأى خضرة، ونحو ذلك -: يجب بالإجماع.
وصفة الطلب أن يفتش من رحله ما يحتمل أن الماء فيه، ويسعى يمنة ويسرة، وأماما ووراء، ما العادة أن المسافر يسعى إليه لطلب الماء، والمرعى والاحتطاب، ونحو ذلك، لا فرسخا ولا ميلا ولا ما يلحقه فيه الغوث على الأشهر، ويشترط للسعي الأمن على نفسه، وأهله، وماله، لسبب يقتضيه، لا جبنا، وأمن فوت الوقت، وفوت الرفقة، ولقد أبعد
[ ١ / ٣٣١ ]
ابن عبدوس في اشتراط ذلك للقرب دون البعد، وابن أبي موسى في حكايته وجها بوجوب الإعادة [على المرأة] إذا خافت الفجور في القصد، فإن رأى خضرة أو موضعا يتساقط عليه الطير قصده، لأن ذلك مظنة الماء، بالشرط السابق، وكذلك إن كان بقربه مانع من انبساط [النظر]- كجبل ونحوه - قصده بالشرط السابق، فصعد عليه، وهل يلزمه المشي خلفه؟ على وجهين، ويسأل رفقته عن مظانه، فإن دله عليه ثقة قصده بالشرط السابق أيضا، (ومحل الطلب) عند دخول وقت كل صلاة، كما أشار إليه الخرقي بقوله: إذا دخل وقت الصلاة. فإن طلب قبل الوقت لم يعتد به.
(الشرط الثالث): إعواز الماء، بأن يطلب الماء فلا يجد، كما نص الله تعالى عليه بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] وحصل الاتفاق عليه، وفي معنى العادم إذا وجد الماء وتعذر عليه استعماله، لعدم قدرته على النزول إليه، أو الاستقاء منه، أو غلبة الواردين عليه، أو إحالة سبع ونحو دونه.
ثم الإعواز له حالتان (إحداهما): ما تقدم، وهو أن يكون عادما للماء، إما حسا، وإما حكما، (الثانية): وجد ماء ولكن لا يكفيه لطهره، والمعروف والحال هذه - حتى قال القاضي في روايتيه: إنه لا خلاف فيه في المذهب - أنه
[ ١ / ٣٣٢ ]
يلزمه استعماله إن كان جنبا، ثم يتيمم لما بقي، وكذلك إن كان محدثا، على أشهر الوجهين، أو الروايتين على ما في الرعاية، (والثاني): - واختاره ابن أبي موسى، وأبو بكر، مع حكايته له عن بعض الأصحاب - لا يلزمه استعماله ويتيمم، وعلى هذا في إراقته قبله - قلت: إن لم يحتج إليه لعطش - روايتان، حكاهما ابن حمدان، ونظيرهما الروايتان في الطهور المشتبه بنجس، والله أعلم.
قال: والاختيار تأخير التيمم إلى [آخر الوقت] .
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار ابن عبدوس.
٢٣٥ -[اعتمادا على] ما روي عن علي - ﵁ -، أنه قال: إذا أجنب الرجل في السفر: تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم وصلى. رواه الدارقطني والبيهقي، لكنه من رواية الحارث عنه، وهو ضعيف، واحتياطا للخروج من الخلاف، إذ بعض العلماء - وهو رواية عن إمامنا،
[ ١ / ٣٣٣ ]
حكاها أبو الحسين - لا يجوز التيمم إلا عند ضيق الوقت، (والثانية) - وهي المختارة للجمهور - إن رجا وجود الماء فالأفضل التأخير، إذ طهارة [الماء] في نفسها فريضة، وأول الوقت فضيلة، ولا ريب أن انتظار الفريضة أولى، وإن علم أن ظن عدمه فالأفضل التقديم، وكذلك إن تردد، على أحد الوجهين، إذ فضيلة الوقت متيقنة، فلا تترك لأمر مأيوس أو مشكوك [فيه] والله أعلم.
قال: فإن تيمم في أول الوقت وصلى أجزأه، وإن أصاب الماء في الوقت.
ش: هذا هو المذهب المشهور، وإن تيقن وجود الماء في الوقت، ولا عبرة بالرواية التي حكاها أبو الحسين.
٢٣٦ - لما روى عطاء بن يسار، عن أبي سعيد - ﵁ - قال: «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد «أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك» وقال للآخر: «لك
[ ١ / ٣٣٤ ]
الأجر مرتين» رواه أبو داود وقال: ذكر أبي سعيد فيه وهم، وليس بمحفوظ، وهو مرسل، وللنسائي بمعناه.
٢٣٧ - وعن نافع قال: تيمم ابن عمر على رأس ميل أو ميلين من المدينة، فصلى العصر، فقدم والشمس مرتفعة، ولم يعد [الصلاة] رواه البيهقي، وللموطأ معناه، واحتج به أحمد.
٢٣٨ - وعن ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: كل من أدركت من فقهائنا - فذكر الفقهاء السبعة - كانوا يقولون: من تيمم فصلى، ثم وجد الماء [وهو] في الوقت، أو [في] غير الوقت، فلا إعادة عليه، ويتوضأ لما يستقبل من الصلوات ويغتسل،
[ ١ / ٣٣٥ ]
والتيمم من الجنابة والوضوء سواء. رواه البيهقي والله أعلم.