قال: فمن طبق بها الدم، وكانت ممن تميز، فتعلم إقباله، بأنه أسود ثخين منتن، وإدباره بأنه رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة وصلت، وإن لم يكن دمها منفصلا، وكانت لها أيام من الشهر تعرفها، أمسكت عن الصلاة فيها، واغتسلت إذا جاوزتها، وإن كانت لها أيام أنسيتها، فإنها تقعد ستا أو سبعا في كل شهر
ش: لما ذكر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أكثر الحيض، أراد أن يبين حكم المرأة إذا زاد دمها على ذلك، فقال: من طبق بها الدم. أي استمر بها، وجاوز الخمسة عشر يوما، وهذه هي المستحاضة، التي قال فيها رسول الله - ﷺ -: «إن ذلك عرق، وليس بالحيضة» أي أن دمها يسيل من عرق، وليس هو دم الحيض، وهذا العرق يسمى «العاذل» بالمعجمة، ويقال بالمهملة، حكاهما ابن سيده، «والعاذر» لغة فيه.
[ ١ / ٤١٣ ]
والمستحاضة على ضربين، مبتدأة [ومعتادة] وغيرهما لها أربعة أحوال، وهذه التي كلام الشيخ فيها (الحال الأولى) المميزة، وهي التي [لها] دمان، أحدهما أقوى من الآخر، كأن [يكون] أحدهما ثخين منتن، والآخر رقيق أحمر، أو أحدهما أحمر مشرق، والآخر دونه، ونحو ذلك.
(الثانية) أن تكون معتادة، وهي التي لها أيام من الشهر تعرفها، وشهر المرأة ما اجتمع لها فيه حيض وطهر، وأقل ذلك على المذهب أربعة عشر يوما.
(الحالة الثالثة) أن تكون معتادة ومميزة، بأن يكون لها أيام من الشهر تعرفها، ثم استحيضت، فصار لها دمان، أحدهما أقوى من الآخر.
(الحال الرابعة) عكسها، وهي من لا عادة لها ولا تمييز.
إذا عرف هذا فلا نزاع عندنا أنه متى انفرد التمييز عمل به، فتجلس زمن الدم الأقوى.
٢٩٢ - لما في الصحيحين عن عائشة - ﵂ - قالت: «جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ - فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة
[ ١ / ٤١٤ ]
، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» وظاهره إناطة الحكم بإقبال الحيضة وإدبارها، من غير نظر إلى عادة.
٢٩٣ - وأصرح من ذلك ما روي عن عروة بن الزبير، «عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي - ﷺ -: «إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق» رواه أبو داود، والنسائي.
٢٩٤ - وروى البيهقي في سننه عن مكحول، عن أبي أمامة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «دم الحيض أسود خاثر، تعلوه حمرة، ودم المستحاضة أصفر رقيق» لكنه مرسل، إذ مكحول لم يسمع من أبي أمامة، قال الدارقطني: مع أن في سنده مجهولا وضعيفا، نعم ذكر ذلك أبو داود عن مكحول من قوله، وأيضا فإن مع الاشتباه يرجع إلى الصفات، كما لو اشتبه المني بالمذي، ونحو ذلك، (ويشترط) للعمل بالتمييز أن لا ينقص الأقوى عن أقل الحيض، ولا يزيد على
[ ١ / ٤١٥ ]
أكثره، وأن يكون بين الدمين القويين أقل الطهر.
قلت: إن قلنا: لأقله حد. وهل يشترط كون مجموع الدمين الأقوى والأضعف لا يزيدان على أكثر من شهر؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يشترط، إذ أكثر الطهر لا حد له، والثاني: يشترط، نظرا لغالب عادات النساء، ومتى اختل شرط من ذلك فكأن لا تمييز. اهـ.
ولا نزاع أيضا أنه متى انفردت العادة عمل بها.
٢٩٥ - لما روت عائشة - ﵂ -، «أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله - ﷺ - الدم، فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي» فكانت تغتسل عند كل صلاة»، رواه مسلم.
٢٩٦ - «وعن أم سلمة أنها استفتت رسول الله - ﷺ - في امرأة تهراق الدم، فقال: «لتنظر قدر الأيام والليالي التي كانت تحيضهن، وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة، ثم لتغتسل، ولتستثفر ولتصل» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وقال
[ ١ / ٤١٦ ]
أحمد في رواية المروذي، وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهما: الحيض يدور عندي على ثلاثة أحاديث، حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث حمنة بنت جحش، وحديث سليمان ابن يسار، وهو حديث أم سلمة. اهـ.
ولا تثبت العادة إلا بتكرار مرتين على رواية، لوجود المعاودة، وعلى أخرى - وهي المذهب، واختيار الخرقي [- ﵀ -]، وقال ابن الزاغوني: إنها اختيار عامة المشايخ - لا بد من تكرار ثلاثا، لظاهر ما تقدم، إذ «كان» في مل هذا التركيب إنما تستعمل في ما دام وتكرر، وهل يعتبر التكرار في التمييز، حيث يعمل به؟ فيه وجهان (أحدهما) - وهو اختيار القاضي، والآمدي - نعم، كالعادة بل أولى، إن قلنا: تقدم عليه. لأنه إذا اعتبر في الأقوى، ففي الأضعف أولى (والثاني): وهو ظاهر كلام الإمام والخرقي واختيار ابن عقيل - لا، لأن النص دل على الرجوع إلى صفة الدم مطلقا. اهـ.
وإن اجتمعت العادة والتمييز فروايتان (إحداهما) يقدم التمييز على العادة، فتعمل عليه وتتركها، وهي ظاهر كلام الخرقي، لقوله: وكانت ممن تميز. وهو شامل لما إذا كان لها عادة، ثم قال: وإن لم يكن دمها منفصلا. أي بعضه من بعض، بل كان كله شيئا واحدا، فلم ينقلها للعادة إلا عند عدم
[ ١ / ٤١٧ ]
التمييز، وذلك لأن التمييز أمارة قائمة في نفس الدم، موجودة حال الاشتباه، فقدم على العادة لانقضائها، وتحمل أحاديث العادة على من لا تمييز لها (والثانية) تقدم العادة، وهو اختيار الجمهور، لورودها في غالب الأحاديث من غير تفصيل، وجعلهن كلهن غير مميزات فيه بعد، ولم يرد العمل بالتمييز إلا في حديث فاطمة المتقدم، وحديثها الذي في الصحيح ليس فيه تصريح بذلك.
٢٩٧ - بل في الصحيح من حديث عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قال لها: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» فردها - ﷺ - إلى العادة، وقد نقل حرب عن أحمد أنها نسيت أيامها فالظاهر أنه - ﷺ - ردها للتمييز حين ذكرت أنها ناسية. اهـ.
وإن عدمت العادة والتمييز، وهي التي كانت لها أيام فأنسيتها ودمها غير متميز، وتلقب «بالمتحيرة»، وهي التي قد تحيرت في حيضها، ولها ثلاثة أحوال (أحدها)
[ ١ / ٤١٨ ]
أن تنسى وقتها وعددها، وهذه [التي] قال الخرقي: إنها تجلس ستا أو سبعا، نظرا لغالب عادات النساء.
٢٩٨ - كما قد صرح بذلك في حديث حمنة بنت جحش، وسألت النبي - ﷺ - عن استحاضتها، فقال - ﷺ -: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أن قد طهرت، واستنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة، أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن، لميقات حيضهن [وطهرهن]» مختصر، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح (وهذا) إحدى الروايتين، وهو المختار للأصحاب (والثانية): تجلس الأقل، لأنه المتيقن، وخرج القاضي فيها (رواية ثالثة) من المبتدأة أنها تجلس الأكثر (ورابعة) من المبتدأة - أيضا - تجلس عادة نسائها، وهي
[ ١ / ٤١٩ ]
الرواية الثانية التي في الكافي، وجعل الأقل مخرجا، وهو سهو، وإنما الأقل منصوصا، وكذلك الأول.
وعلى كل حال ففي وقت إجلاسها وجهان (أحدهما) - وهو المشهور - أنها تجلس من أول [كل] شهر، لظاهر حديث حمنة [والثاني) - واختاره أبو بكر، وابن أبي موسى - تجلس بالتحري، لأنه أمارة مغلبة على الظن، ورؤوس الأهلة لا تأثير لها عقلا ولا عرفا، بل ولا شرعا في ابتداء الحيض، وفصل أبو البركات فقال: إن طال عهدها بزمن افتتاح الدم، ونسيته، جلست بالتحري، في أصح الوجهين، وإن ذكرت زمن افتتاح الدم، كمعتادة انقطع عنها الحيض، ثم جاءها الدم في خامس يوم من الشهر، واستمر، فهذه تحيض من خامس الشهر لا بالتحري على أصح الوجهين.
(الحال الثاني): من أحوال الناسية أن تذكر العدد وتنسى الوقت، كأن قالت: حيضي خمسة أيام [من] النصف الأول، ولا أعلم هل هي الأولى أو الثانية، أو الثالثة، فهذه تجلس خمسة [أيام] بلا ريب، لكن هل تجلسها بالتحري، أو بالأولوية؟ وصححه أبو البركات، فيه وجهان، ومتى تعذر أحدهما عمل بالآخر. اهـ.
وكل موضع أجلسناها بالتحري، أو بالأولوية فإنها تحيض من كل
[ ١ / ٤٢٠ ]
شهر حيضة، لخبر حمنة، إلا أن تذكر لها وقتا من الطهر بين الحيضتين يخالفه، فإنها تبنى عليه.
(الحال الثالث) تذكر الوقت وتنسى العدد كأن تقول: كنت أحيض من خامس الشهر، لكن لا أعرف قدر ذلك. فإنها تحيض من الخامس الغالب أو الأقل، على الروايتين المنصوصتين، والأكثر أو عادة نسائها على المخرجتين، وحيث قلنا: تجلس الناسية ستا أو سبعا. فإن ذلك تخيير اجتهاد أو تحر، على أصح الوجهين، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وعلى الثاني تخيير مطلق، نظرا لظاهر (أو) كما في كفارة اليمين ونحوها.
إذا عرف هذا فالمستحاضة [في] الأيام المحكوم بحيضها فيها حكمها [فيها] حكم الحيض في جميع أحكامها، قال - ﷺ - لفاطمة: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» فإذا انقضى ما حكم بحيضها فيه فهي إذا في حكم الطاهرات فيلزمها الغسل، والعبادات وغير ذلك، كما قال - ﷺ - لفاطمة أيضا: «فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» وفي رواية «فاغتسلي وصلي» إلا أن في وطئها خلافا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٤٢١ ]
ويلزمها أن تتوضأ لوقت كل صلاة، على المشهور من الروايتين والمختار لجمهور الأصحاب.
٢٩٩ - لأن في «حديث حمنة: أنها كانت تهراق الدم، وأنها سألت رسول الله - ﷺ - فأمرها أن تتوضأ لوقت كل صلاة» . رواه ابن بطة بإسناده، وتصلي بوضوئها ما شاءت من فرائض ونوافل، ما لم يخرج الوقت، كما تجمع بين فرض ونفل اتفاقا، (والثانية) وهي ظاهر كلام الخرقي تتوضأ لكل فريضة.
٣٠٠ - لأن في حديث فاطمة: «وتوضئي لكل صلاة» رواه البيهقي مرسلا ومتصلا، وقال: الصحيح أنه من قول عروة.
[ ١ / ٤٢٢ ]
٣٠١ - وعن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - في المستحاضة «تدع الصلاة أيام أقرائها. ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة» رواه الترمذي، وأبو داود وضعفه، ورواه البيهقي، وقال: «وتتوضأ لكل صلاة» .
٣٠٢ - وعن جابر أن النبي - ﷺ - «أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة»، وقد جاء عن عائشة - أيضا - أنها قالت: «تتوضأ لكل صلاة» . وفي رواية عنها: «عند كل صلاة» . رواهما البيهقي (فعلى الأولى) يبطل وضوءها بخروج الوقت ودخوله، على ظاهر كلام أحمد، واختيار القاضي، وعلى اختيار أبي البركات لا يبطل إلا بالدخول وتنوي استباحة الصلاة، لا رفع الحدث، فإن نوته فقال في التلخيص: لا أعلم لأصحابنا فيه قولا، وقياس المذهب أنه لا يكفي، لتعذر رفعه للحدث الطارئ ولا يشترط تعيين النية للفرض، على ظاهر قول
[ ١ / ٤٢٣ ]
الأصحاب، قاله أبو البركات، إذ هذه الطهارة ترفع الحدث الذي أوجبها.
ويلزمها قبل الوضوء أن تغسل فرجها وتعصبه، وتسد محل الدم ما أمكن.
٣٠٣ - لما تقدم من «قوله - ﷺ - لأم سلمة في حق المستحاضة «لتستثفر بثوب» .
٣٠٤ - «وقال لحمنة: «أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم» قالت: إنه أكثر من ذلك. قال: «فاتخذي ثوبا» قالت: هو أشد من ذلك. قال: «فتلجمي» فإن غلب الدم، وخرج بعد إحكام [الشد] والتلجم لم يضرها ذلك.
٣٠٥ - لأن في حديث فاطمة أن النبي - ﷺ - قال لها: «اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وصلي وإن قطر الدم على الحصير» رواه أحمد، وابن ماجه، وهل يلزمها إعادة الشد، وغسل الفرج لوقت كل صلاة كما في الوضوء؟ فيه وجهان، أصحهما لا يجب، والأولى أن تصلي عقب الطهارة، نعم لها التأخير لبعض مصالح الصلاة، من انتظار جماعة، وأخذ سترة ونحو ذلك، فإن أخرت لغير مصلحة فوجهان.
[ ١ / ٤٢٤ ]
(تنبيه): قوله - ﷺ -: «إنما ذلك عرق» قد تقدم أن هذا العرق يسمى: «العاذل» «والعاذر»، قال القرطبي: أي عرق انقطع.
وقوله: «خاثر» . أي ثخين. «وتهراق الدم» أي يجري دمها كما يجري الماء وقوله: «ركضة» من ركضات الشيطان، أي أن الشيطان قد حرك هذا الدم الذي ليس بدم حيض، و«الكرسف» القطن، «وتلجمي»، التلجم كالاستثفار، وهو أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة، توثق طرفيها في شيء آخر قد شدته على وسطها، بعد أن تحتشي قطنا، فتمنع بذلك الدم أن يجري أن يقطر، «والاستثفار] مأخوذ من ثفر الدابة، لأنه يكون تحت ذنب الدابة، قيل: وأصله للسباع، وإنما استعير، «وتحيضي» أي اقعدي أيام حيضتك، والله أعلم.