قال: والحائض، والجنب، والمشرك إذا غمسوا أيديهم في الماء فهو طاهر
ش: لا إشكال أن مجرد غمس الحائض أو الجنب يده أو غيرها من أعضائه في الماء لا يزيل طهارته، لطهارة بدنيهما.
١٩٤ - لما في الصحيحين «عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه. الحديث إلى قوله: «سبحان الله إن المؤمن لا ينجس» .
» ١٩٥ - ولمسلم من حديث حذيفة نحوه.
١٩٦ - «وعن عائشة - ﵂ - قالت: كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي - ﷺ - فيضع فاه على موضع فيها» . رواه مسلم وغيره، أما لو غمس الجنب أو الحائض الذي انقطع حيضها يده في الإناء قاصدا رفع الحدث عنها والماء قليل، فإن طهوريته تزول على المذهب المنصوص، ولم يرتفع حدثه على المعروف، وهل زوالها بأول جزء لاقاه، أو بأول جزء انفصل عنه؟ فيه وجهان، أشهرهما الثاني، وإن نويا الاغتراف
[ ١ / ٢٩٤ ]
فهو باق على طهوريته، وإن غمسا بعد نية الاغتسال ذاهلين عن نية الاغتراف، وعن رفع الحدث عن اليد بالوضع فروايتان. أنصهما عن الإمام، وأصحهما عند عامة الأصحاب: زوال طهوريته، لحصول الغمس بعد نية رفع الحدث.
١٩٧ - وفي سنن سعيد عن ابن عمر: من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي فهو نجس. (والثانية) - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي البركات - بقاء طهوريته.
١٩٨ - لأن أبا هريرة - ﵁ - قال: إنه يتناوله تناولا ولأنه لما قصد بأخذه استعماله خارج الإناء فقد صرف عنه النية، هذا هو التحقيق في التقسيم، وظاهر ما في المغني عن بعض الأصحاب أنه قال بالمنع أيضا فيما إذا نويا الاغتراف، وفيه نظر، ولو وضع الجنب رجله بعد نية الغسل أثر على الأصح، قاله ابن تميم، وعاكسه ابن حمدان فقال: إنه طاهر في الأصح، ولأبي محمد في المغني في إلحاق الرجل باليد منعا وتسليما.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقد دخل في كلام الخرقي - بطريق التنبيه - المحدث إذا غمس يده في الإناء أنه لا يؤثر، وهو كذلك، [إلا إذا اغترف بعد نية الطهارة، وبعد غسل وجهه، قاصدا لرفع الحدث عنها بالغمس، فإن طهوريته تزول، كما في الجنب، وكذا إن] ذهل عن رفع الحدث عنها والحال ما تقدم، على قويل، والمذهب عدم تأثير ذلك، بخلاف الجنب على الأشهر كما تقدم، نظرا إلى أن الوضوء يتكرر، فلو أثر لشق، بخلاف الجنب.
١٩٩ - ثم إن النبي - ﷺ - اغترف في الوضوء بعد غسل وجهه، كما ثبت في الصحيح، ولم يثبت أنه في الجنابة اغترف إلا بعد غسل يديه، إذا عرف حكم الحائض والجنب، فحكم المشرك أنه إن كان ممن تحل ذبيحته، ولم يتظاهر بشرب الخمر، وأكل الخنزير، ونحو ذلك، فإن غمسه لا يؤثر شيئا.
٢٠٠ - لأن النبي - ﷺ - توضأ من مزادة مشركة، وأضافه يهودي بخبز شعير، وإهالة سنخة، ولأن الكفر في قلبه لا يؤثر في
[ ١ / ٢٩٦ ]
بدنه، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ليس المراد به - والله أعلم - النجاسة الحقيقية على الأشهر الأعرف، بل الاستقذار، وفاقا لأبي عبيدة والزجاج.
٢٠١ - وعن قتادة: قيل لهم ذلك لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضئون. ومن هذه حاله جدير بأن يوصف بالتنجيس، ويمنع من قربان مسجد له على غيره شرف وتعظيم.
وإن كان ممن لا تحل ذبيحته، أو ممن يتظاهر بأكل الخنزير، ونحو ذلك فيخرج في نجاسة الماء بغمسه روايتان، بناء على الروايتين فيما استعملوه هؤلاء من آنيتهم، هل تباح
[ ١ / ٢٩٧ ]
مطلقا، أو لا تباح إلا بعد غسل، وأصلهما يعارض الأصل والغالب.
(تنبيهات): [أحدها] مراد الخرقي بالطاهر الطاهر غير المقيد، المذكور في صدر كتاب الطهارة. (الثاني): «انخنست» [من] . انفعلت، مطاوع خنس، من (الخنوس) وهو التأخر والاختفاء، ومنه سميت الكواكب الخمسة - زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد - الخنس. في قوله سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] على قول بعضهم، لأنها تتأخر في رجوعها، بينا تراها في مكان من السماء، حتى تراها راجعة إلى وراء جهتها التي كانت تسير إليها، وقيل: الخنس النجوم كلها، لاختفائها نهارا.
(الثالث): المزادة بفتح الميم، التي يسميها الناس الراوية، والسطيحة أصغر منها، «وإهالة سنخة» شحم متغير. والله أعلم.