قال: والتيمم ضربة واحدة.
ش: أي التيمم المشروع، أو الواجب، أو المجزئ ضربة واحدة، لا نزاع عندنا فيما نعلمه أن الواجب في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
٢٣٩ - لما «روى عمار - ﵁ - قال: أجنبت، فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد ثم صليت، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «إنما يكفيك هذا» وضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بها وجهه وكفيه. متفق عليه، وفي لفظ: لم يجاوز الكوع وفي لفظ للدارقطني «إنما [كان] يكفيك أن تضرب بكفيك [في] التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين» .
[ ١ / ٣٣٦ ]
٢٤٠ - وعن عمار أيضا، «أن النبي - ﷺ - قال في التيمم «ضربة للوجه والكفين» رواه أحمد، والترمذي بمعناه وصححه.
ولقد أنصف الشافعي (- ﵀ -) حيث قال في رواية الزعفراني [إن] ابن عمر تيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وبهذا رأيت أصحابنا يأخذون، وقد روي فيه شيء عن النبي - ﷺ - لو علمته ثابتا لم أعده، ولم أشك فيه، وقد قال عمار: تيممنا مع [النبي]- ﷺ - إلى المناكب، وروي عنه الوجه والكفين. فكأن قوله: تيممنا مع النبي - ﷺ - إلى المناكب. لم يكن عن أمر الرسول [- ﷺ -]، فإن ثبت عن عمار، عن النبي - ﷺ - الوجه واليدين، ولم يثبت عنه: [إلى] «المرفقين» فالثابت أولى. اهـ ولا ريب في ثبوت ذلك عند أهل العلم بهذا الشأن، وأنه أثبت من «إلى المرفقين» بل لم يثبت في ذلك شيء، قال الإمام أحمد [- ﵀ -]:
[ ١ / ٣٣٧ ]
من قال ضربتين. إنما هو شيء زاده. اهـ.
وهل تسن زيادة على ضربة؟ المنصوص - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد وغيره - لا تسن، لما تقدم، إذ قوله - ﷺ - «في التيمم: «ضربة للوجه والكفين» ظاهره أن التيمم ليس إلا هذا، وقال القاضي، والشيرازي، وابن الزاغوني، وأبو البركات: يسن ضربتان، ضربة للوجه، وأخرى لليدين إلى المرفقين احتياطا، للخروج من الخلاف، إذ بعض [العلماء] يوجبه، مع أنه قد ورد.
[ ١ / ٣٣٨ ]
٢٤١ - فعن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» رواه الدارقطني، وروى أيضا نحوه من حديث ابن عمر وغيره عن النبي - ﷺ - وهي وإن كان في أسانيدها مقال، لكن ورودها من طرق يفيد ظنا بصحتها، على أن الدارقطني - فيما أظن - صحح بعضها، ويحمل ما تقدم على الإجزاء، جمعا بين الكل، ولا نزاع فيما نعلمه أنه لا يسن زيادة على ضربتين إذا حصل الاستيعاب بهما. .
(تنبيه): الرصغ والرسغ مفصل اليد، والله أعلم.
قال: يضرب بيديه على الصعيد الطيب وهو التراب.
ش: صفة الضربة في التيمم المشروع [أو الواجب] أن
[ ١ / ٣٣٩ ]
يضرب بيديه على ما أمر الله سبحانه [وتعالى به] وهو الصعيد الطيب، ثم فسر الصعيد بأنه التراب، وهذا أشهر الروايات عن أحمد، واختيار عامة أصحابه لظاهر قول الله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فدل على أنه شيء يمسح منه، والصخر ونحوه ليس بشيء يمسح به.
٢٤٢ - ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر.
٢٤٣ - (وعن حذيفة) - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «جعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» رواه مسلم ٨.
٢٤٤ -[وعن علي]- ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، [وسميت أحمد]، وجعل لي التراب
[ ١ / ٣٤٠ ]
طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم» رواه أحمد، فعم الأرض بحكم المسجدية، وخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، (وقول الخليل): إن الصعيد وجه الأرض. وكذلك الزجاج، مستدلا بقوله سبحانه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] وقائلا: بأنه لا يعلم فيه خلافا بين أهل اللغة. يعارضه قول ابن عباس - ﵄ -، على أن قولهما يرجع إلى التفسير اللغوي، وقول ابن عباس يحمل على التفسير الشرعي، ويؤيده بيان صاحب الشرع حيث قال: «وترابها لنا طهورا» (وقول من قال): إن (منه) لابتداء الغاية، ليكن ابتداء الفعل بالأرض، وانتهاء المسح بالوجه. مردود بأن ابتداء المسح بإمرار اليد على الوجه [لا] بالأخذ من الأرض، وقد قال الزمخشري: إن هذا قول متعسف، وإن
[ ١ / ٣٤١ ]
الإذعان للحق أحق من المراء، (والثانية) - أومأ إليها في رواية أبي داود وغيره - يجوز التيمم بالرمل، والأرض السبخة، لعموم الحديث الصحيح «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» .
٢٤٥ - وقوله في الحديث الآخر: «أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره» وما تقدم بعض أفراد هذا، وذكر بعض الأفراد لا يخصص، وهذا وإن شمل كل الأرض لكن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] خصصه بما في معنى التراب من الرمل ونحوه (ويجاب): بأن التخصيص بالمفهوم، لا بذكر بعض الأفراد، وهو وإن كان مفهوم اللقب، فهو حجة عندنا على المذهب (والرواية الثالثة): يجوز التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من الجص، والنورة، والرمل، ونحو ذلك، عند عدم التراب، حملا للنص المقيد بالتراب على حال وجدانه، والنص المطلق على حالة العدم، جمعا بينهما.
[ ١ / ٣٤٢ ]
إذا تقرر هذا (فعلى الأولى) يجوز [التيمم] بكل تراب، على أي لون كان، بشرط كونه له غبار يعلق باليد، ومن ثم لو ضرب بيده على لبد أو [على] شجرة، ونحو ذلك، فحصل على يده غبار تراب أجزأه، وكذلك لو سحق الطين وتيمم به أجزأه، وإن كان مأكولا كالطين الأرمني، نعم: إن كان بعد طبخه لم يجزه على أشهر الوجهين، فإن خالط ما يتيمم به ما لا يتيمم به، كالزعفران ونحوه، فهل هو كالماء إذا خالطه الطاهرات، وهو قول القاضي، وأبي الخطاب وغيرهما: إن غيره منع هنا قولا واحدا، وهو اختيار ابن عقيل، وأبي البركات، على طريقتين، ومحلهما فيما يعلق باليد كما مثلنا، أما ما لا يعلق باليد فلا يمنع، لنص
[ ١ / ٣٤٣ ]
أحمد على جواز التيمم (وعلى الرواية الثانية) فظاهر كلام أحمد الجواز مطلقا، والقاضي يحمل قوله بالجواز على ما إذا كان له غبار، وقوله بالمنع على عدم الغبار، فلا خلاف عنده [وعلى] الثالثة) هل يعيد إذا وجد الماء أو التراب؟ فيه روايتان.
وقول الخرقي: يضرب بيديه. ليست حقيقة الضرب شرطا، بل لو وضع يده على تراب ناعم أجزأه، إذ القصد إغبار الراحتين، وقد وجد، لكنه قد يحترز بذلك عما إذا وصل التراب إلى وجهه ويديه بغير ضرب، نحو أن سفت عليه الريح ترابا يعمه، وله حالتان (إحداهما) إذا نوى بعد حصول التراب عليه، فإنه لا يجزئه، لانتفاء قصد التراب رأسا، نعم لو مسح وجهه بما حصل على يديه أجزأه، (الثانية): نوى وعمد للريح فحصل عليه تراب، فهنا ثلاثة أوجه (الإجزاء) وهو مختار أبي جعفر، وأبي البركات وصاحب التلخيص، والسامري (وعدمه)، وهو ظاهر كلام الخرقي، (والثالث) إن مسح أجزأه، وإلا فلا، والله أعلم.
قال: وينوي به المكتوبة.
ش: لا نزاع عندنا في اشتراط النية في التيمم في الجملة، لقوله
[ ١ / ٣٤٤ ]
تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» «لا عمل إلا بنية» ونحو ذلك، ثم كيفية النية قد بناه جماعة على أصل، فلنتعرض له وهو: أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ وفيه قولان للعلماء، أشهرهما أنه لا يرفع الحدث، وهو المختار لأصحابنا، وأحمد - ﵀ - نقل عنه الفضل، وبكر بن محمد أنه يصلي [به] ما لم يحدث، فأخذ من ذلك أبو الخطاب وغيره أنه يرفع الحدث، ونقل عنه أنه لا يصح التيمم لفريضة قبل وقتها، وأنه يتيمم لوقت كل صلاة، بل وأنه لا يجمع به بين فرضين، فأخذ من ذلك أنه لا يرفع الحدث.
وبالجملة قد جاء في الباب حديثان مشهوران.
٢٤٦ -[أحدهما] «حديث عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب»؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]
[ ١ / ٣٤٥ ]
فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئا» . رواه أبو داود، وظاهره أنه - ﷺ - أقره على أن صلى وهو جنب، وإلا لم يبين لهم أنه ليس بجنب.
٢٤٧ - (والثاني): حديث أبي ذر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وفي رواية «طهور» فدل على أنه عند عدم الماء طهور بمنزلة [الماء]، وإذا يعطى حكم الماء، فيرفع الحدث، والحق أنه لا تعارض بين الحديثين، إذ (في الأول) غايته أنه لم يمنع من إطلاق الحدث عليه، لأن بزوال البرد، أو بوجود الماء ونحو ذلك يظهر حكم الحدث، ويبطل التيمم، فدل على أن المانع لم يزل رأسا، (وفي الثاني) جعل التراب طهورا عند عدم الماء، لأنه يستبيح به ما يستبيح بالماء والحال ما تقدم.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقد قال أبو العباس: إن ذلك ينبني على قاعدة أصولية، وهي أن المانع المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا؟ فإن المقتضي للحدث موجود، وقد عارضه عدم الماء، مع الحاجة إلى الصلاة، وقيام الشارع التراب مقام الماء، فهل يقال: استبيحت الصلاة والحال هذه، مع قيام السبب المانع منها وهو الحدث، أو أن السبب والحال هذه لم يبق حاضرا، فكأن لا حدث؟ ونظير ذلك الاختلاف في الميتة عند الضرورة، هل أبيحت مع قيام سبب الحظر، وهو ما فيها من [خبث] التغذية، أو [أن] عند الضرورة زال المقتضي للحظر، مع بقاء] قيام السبب وهو التحريم.
وكشف الغطاء من ذلك أنه إن أريد بالسبب الحاضر السبب التام، وهو مجموع ما يستلزم الحكم من العلة، والشرط، وعدم المانع، فلا ريب في ارتفاع هذا عند المخمصة، وعند الصلاة بالتيمم، لوجود الحل وإباحة الصلاة، وإن أريد بالسبب ما يقتضي الحكم وإن توقف على وجود شرط، أو انتفاء مانع، فلا ريب في وجود هذا هنا، لولا المعارض الراجح، وهو المخمصة، وعدم الماء، فالقائل الأول التفاته إلى هذا السبب، والقائل الثاني التفاته إلى السبب التام، وإذا فالفريقان مجمعان على إباحة الصلاة والحال ما
[ ١ / ٣٤٧ ]
تقدم، وعلى منع الصلاة عند وجود الماء حتى يتطهر، ومن ثم قال القاضي في تعليقه: الخلاف في عبارته، قال: إذ فائدة قولنا: إنه لا يرفع الحدث. أنه إذا وجد الماء لزمه استعماله في رفع الحدث، وهذا اتفاق.
ومن هنا يعرف خطأ ابن حمدان في قوله: وعنه يصلي به ما لم يحدث. وقيل: أو يجد ماء. فإنه يقتضي أنه على النص يصلي وإن وجد الماء، وهو خلاف الإجماع، والنصوص الصريحة، والذي أوقعه في ذلك - والله أعلم - أن النص عن أحمد مطلق، لكن نصوصه المتوافرة بالبطلان بوجود الماء حتى وهو في الصلاة، تقيد ذلك، لا سيما مع النصوص الصريحة فكيف يظن بأحمد مخالفتها.
وقول أبي البركات: وعنه: يصلي به ما لم يحدث كالماء. وكأن أبا البركات أراد [أن] على هذه الرواية أشبه الماء، فيعطى حكمه، من جواز التيمم قبل الوقت، ونحو ذلك، كما صرح به. اهـ وظاهر ما قاله القاضي من أن الخلاف في عبارته، أنه لم يبن على ذلك فائدة شرعية، وكذا صرح به أبو العباس في قواعده فقال: ليس بين القولين نزاع شرعي عملي، بل عليهما لم يبق الحدث مانعا مع
[ ١ / ٣٤٨ ]
وجود طهارة التيمم، فيكون طاهرا قبل الوقت وبعده وفيه، وبنى البطلان بخروج الوقت، [وكونه لا يجمع به بين فرضين، على القول بأنه لا يتيمم قبل الوقت] وبين كونه يصلي به ما يشاء، ولا يبطل بخروج الوقت على القول بجواز التيمم قبل الوقت، والقاضي خرج رواية جواز التيمم قبل الوقت من قوله: إنه يصلي به ما لم يحدث. فعلى هذا يكون أبو العباس قد جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، أما أبو الخطاب، وجماعة فقالوا: إنا إذا قلنا: لا يرفع الحدث. اشترط أن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الذي عليه ثم إذا نوى شيئا استباحه وما دونه، ولا يستبيح ما هو أعلى منه، كما يأتي بيانه، ولا يجوز إلا بعد الوقت، ويبطل بخروجه، وإن قلنا: يرفع. جاز أن ينوي رفع الحدث، وإذا نوى فعل الصلاة استباح فرضها، وجاز قبل الوقت، ولم يبطل بخروجه، كالماء سواء.
إذا تقرر هذا فقول الخرقي: ينوي به المكتوبة. ظاهره - والله أعلم -[أنه] لحظ ما تقدم، من أن التيمم مبيح لا رافع، فيحصل له إباحة ما نواه، ويدخل فيه بطريق الضمن ما دونه، ولا شيء أعلى من المكتوبة، فلذلك نص الخرقي عليها، وقد نص أحمد في رواية البرزاطي في من تيمم
[ ١ / ٣٤٩ ]
لسجود القرآن، أو للقراءة في المصحف، وصلى به فريضة أنه يعيد، وعلى هذه القاعدة: لو نوى صلاة الجنازة استباح النافلة، لا المكتوبة، ولا يستبيح الجنازة بنية النافلة، ويستبيح مس المصحف بنيتهما، ولا تباح هي بنيتهما، ويستبيح قراءة القرآن واللبث في المسجد، بنية الطواف، لأنه أعلى منهما، لشبهه بالصلاة، ولا يباح هو بنية أحدهما، ولو [نوى] قراءة القرآن، لكونه جنبا، أو اللبث في المسجد، أو مس المصحف، فقال أبو محمد: لا يستبيح غير ما نواه، وقال أبو البركات: إن نوى القراءة، أو اللبث استباح الآخر، دون ما يقتضي الطهارتين، [من صلاة، ومس مصحف، إذ تيممه هذا كالغسل وحده، ويستبيح بنية النافلة، ومس المصحف اللبث والقراءة، لأن تيممه والحال هذه بمنزلة الطهارتين] .
هذا كله على ما هو عندهم المذهب كما تقدم، أما على القول الآخر فالتيمم كالماء، فتباح الفريضة بنية النافلة، كما نص عليه الخرقي ثم، وتوسط ابن حامد فقال: يباح الفرض بنية مطلقة، [دون نية النفل] . والله أعلم.
قال: فيمسح بهما وجهه وكفيه.
ش: يمسح بالضربة التي ضربها بيديه وجهه وكفيه، لما تقدم من حديث
[ ١ / ٣٥٠ ]
عمار، والواجب في مسح الوجه ظاهره مما لا يشق، فلا يمسح باطن الفم والأنف، ولا باطن الشعور الخفيفة، وظاهر ما في المستوعب استثناء باطن الفم والأنف فقط، وفي مسح اليدين إلى الرسغين، كما في الحديث، وكما يقطع السارق، فلو قطع منهما، فهل يجب مسح موضع القطع؟ وهو المنصوص، ومختار ابن عقيل، وصاحب التلخيص، كما لو بقي من الكف بقية، أو لا يجب، وهو قول القاضي، بل يستحب، كما لو قطع من فوق الكوع على منصوصه، فيه قولان.
وقوله: يمسح بهما وجهه. يخرج به ما إذا معك وجهه في التراب، أو أوصله إليه بخرقة، أو خشبة، وهو أحد الوجهين.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط التسمية، ولا الموالاة، ولا الترتيب، وهو لم يشترط التسمية في الوضوء الذي فيه النص، فالتيمم الذي هو بدل عن الوضوء أولى.
وكذلك ظاهر كلامه عدم اشتراط الموالاة ثم، كما سبق، فكذلك هنا، والأصحاب حكوا في المسألتين روايتين من الروايتين ثم، أما الترتيب فقال: ثم باشتراطه، وظاهر كلامه هنا عدم الاشتراط، وهو أحد الأقوال، وإن اشترطناه في الوضوء، نظرا لظواهر الأحاديث، والثاني: يجب حتى في الطهارة الكبرى، لأنه صفة واحدة، بخلاف الغسل والوضوء، فإن صفتيهما مختلفة، وهو قول أبي الحسين، والمذهب إعطاء حكم التيمم في ذا المحل حكم الماء، فيجب
[ ١ / ٣٥١ ]
الترتيب في الوضوء على المذهب، ولا يجب في الغسل، [والله أعلم] .
قال: وإن كان ما ضرب بيديه غير طاهر لم يجزئه
ش: قد تقدم أنه يضرب بيديه على الصعيد الطيب، وأشار هنا إلى أن الطيب [هو] الطاهر، ويروى عن ابن عباس.
٢٤٨ - وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - ﷺ - قال: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا» فعلى هذا لا يجوز بأرض نجسة، ولا مقبرة تكرر نبشها، لاختلاط ترابها بصديد الموتى، وإن لم يتكرر النبش فوجهان، (الأجزاء)، وبه قطع أبو محمد، واختاره أبو البركات، نظرا للأصل، (وعدمه)، لأنه رخصة في الأصل، فلا يستباح مع الشك.
وقول الخرقي: طاهر. يحتمل أن يحترز به عن النجس كما تقدم، فيدخل في عمومه ما يتيمم به، ويحتمل أن يريد به الطاهر المطلق، كما قال في الماء ثم، فيخرج المستعمل،
[ ١ / ٣٥٢ ]
وبالجملة في المستعمل هنا - إن قيل بخروج الماء عن طهوريته ثم، وأن التيمم لا يرفع الحدث، قولان (أحدهما): بقاؤه على ما كان عليه، لأنه لم يرفع حدثا، (والثاني): خروجه عن الطهورية، وبه قطع صاحب التلخيص، والسامري، لاستعماله في طهارة أباحته الصلاة ومحل الخلاف [في] المتناثر عن أعضاء المتيمم، أما ما ضرب بيديه عليه فهو كفضل الوضوء.
بقي: هل خلوة المرأة في التيمم كخلوتها في الوضوء؟ لم أر المسألة منقولة، والقياس ذلك، لكن المسألة المنع فيها تعبد، فليقتصر على مورد النص ثم، وبعض العلماء قال: المراد بالطيب هو الحلال. وهذا لا ريب في اشتراطه عنده على المذهب، كالوضوء بماء مغصوب بل أولى، إلا أن في أخذه من هنا نظرا، نعم الطيب يطلق ويراد به الحلال، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ونحو ذلك، وبعضهم قال: المراد بالطيب المنبت. مستندا لقوله ﷾: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] وهذا قول من لا يجوز التيمم بغير التراب، كما هو المشهور من مذهبنا، والله أعلم.
قال: وإن كان به قرح أو مرض مخوف، وأجنب فخشي
[ ١ / ٣٥٣ ]
على نفسه [إن أصابه] الماء، غسل الصحيح من جسده، وتيمم لما لم يصبه الماء.
ش: لما انتهى الخرقي [- ﵀ -] من الكلام على التيمم لعدم الماء، طفق يتكلم على التيمم للمرض ونحوه، ولا إشكال في جواز ذلك في الجملة، وقد دل على ذلك قوله سبحانه [وتعالى]: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وبها استدل أحد فقهاء الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص، لما تيمم في ليلة باردة، لجنابة أصابته، وأقره النبي - ﷺ - على ذلك.
إذا عرف هذا فالمريض ونحوه إذا [كان] حاله ما تقدم، فإنه يغسل الصحيح ويتيمم للجريح ونحوه، سواء كان المتيمم له [هو] القليل أو بالعكس، لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقول النبي - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» .
٢٤٩ - «وعن جابر (- ﵁ -) قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة؟ قالوا: ما نجد لك
[ ١ / ٣٥٤ ]
رخصة، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك، فقال: [قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال]، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب - شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود، والدارقطني، وهو نص، لكنه من رواية الزبير بن خريق قال البيهقي: وليس ممن يحتج به.
٢٥٠ - وقد روي أيضا نحوه عن عطاء، أنه سمع ابن عباس يخبر «أن رجلا أصابه جرح في عهد النبي - ﷺ - ثم أصابه احتلام، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فكز فمات، فبلغ رسول الله - ﷺ - فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال؟» قال عطاء: فبلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو غسل جسده، وترك رأسه حيث أصابه الجرح» .
[ ١ / ٣٥٥ ]
إذا تقرر هذا فشرط جواز التيمم للمرض أو الجرح أن يخشى على نفسه من إصابة الماء، إذ لا ريب في أن الماء هو الأصل، والأصل لا يعدل عنه إلا لضرورة، كما في الإطعام مع الصيام، والصيام مع العتق في الكفارة، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] الآية أي - والله أعلم - مرضنا يتضرر معه باستعمال الماء، وإلا يكون ذكر المرض لغوا.
٢٥١ - وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - قال: «الحمى من فيح جهنم، فأطفئوها بالماء» والحمى نوع من المرض، ثم هل الخشية المشترطة هي تلف النفس، أو العضو، أو يكتفي بخشية الضرر، من زيادة مرض، أو تباطؤ برء، ونحو ذلك؟ فيه روايتان، المذهب منهما الثاني. وصورة هذه المسألة إذا
[ ١ / ٣٥٦ ]
خشي على نفسه من إصابة الماء مسحا وغسلا، أما إن خشي غسلا لا مسحا فثلاث روايات (إحداهن) - واختارها القاضي - فرضه التيمم [كما تقدم، إذ الواجب الغسل، وقد تعذر عليه، فوجب الانتقال إلى التيمم]، لعجزه عن الواجب، (والثانية): فرضه المسح، لأنه أقرب إلى المعنى المأمور به وهو الغسل (والثالثة): يجمع بين التيمم والمسح، فالتيمم للعجز عن الغسل، والمسح لقدرته على إيصال الماء إلى العضو في الجملة.
وكلام الخرقي محتمل للقولين الأولين، ومحل الروايات [إذا لم يكن] الجرح نجسا [أما إن كان نجسا] فإنه قال في التلخيص: لا يمسح ويتيمم. ثم إن كانت النجاسة معفوا عنها ألغيت، واكتفى بنية الحدث، وإلا نوى الحدث والنجاسة إن شرطنا فيها النية، وهل يكتفي بتيمم واحد؟ على وجهين، وفي البلغة احتمال أنه لا يجزئه إلا تيمم واحد، قال: لتحصل الإباحة المنوية.
وقد فهم من كلام الخرقي جواز التيمم للجنب، وهو قول العامة، لما تقدم من حديث عمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وصاحب الشجة، وأبي ذر.
[ ١ / ٣٥٧ ]
٢٥٢ - وعن عمران بن حصين - ﵁ -، قال: «رأى رسول الله - ﷺ - رجلا معتزلا، لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم»؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء. قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» متفق عليه.
واعلم أن الحكم المتقدم لا يختص بالجنابة، بل الوضوء كذلك وإنما نص الخرقي على الجنابة لينبه على مذهب الخصم.
(تنبيهان): (أحدهما): يخير الجنب الجريح ونحوه بين البداءة بالغسل أو بالتيمم، لوجود سببهما، وعدم اعتبار الترتيب لطهارته، وهذا بخلاف الجنب الواجد لماء يكفي بعض بدنه، فإنه لا يصح تيممه حتى يستعمل ما وجده، ليتحقق شرط التيمم وهو العدم، أما الجريح المتوضئ، فعند عامة الأصحاب يلزمه أن لا ينتقل إلى ما بعده حتى يتيمم للجرح، نظرا للترتيب، وأن يغسل الصحيح، مع التيمم لكل صلاة إن اعتبرت الموالاة، واختار أبو البركات - وإليه ميل أبي محمد - سقوط الترتيب والموالاة في ذلك، دفعا
[ ١ / ٣٥٨ ]
للحرج والمشقة، مع عدم النص في ذلك، وإذا كان الجرح في أعضاء التيمم أمر التراب عليه. (الثاني): القرح بفتح القاف وضمها لغتان بمعنى الجراح وألمها، كالضعف والضعف، وقد قرئ بهما في قوله سبحانه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقيل: بالفتح الجراح، وبالضم ألمها، «والعي» قصور الفهم، وشفاء هذا المرض بالسؤال عما جهله ليعرف، والله أعلم.