قال: وإذا أجنب الرجل] غسل ما به من أذى، وتوضأ - وضوءه للصلاة، ثم أفرغ [الماء] على رأسه ثلاثا، يروي بهن أصول الشعر، ثم يفيض الماء على سائر جسده [ثلاثا] .
ش: هذا على نحو ما في الصحيحين وغيرهما.
٢١١ - فعن عائشة - ﵂ - «أن النبي - ﷺ - كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب الماء على رأسه بثلاث غرف، ثم يفيض الماء على جلده كله. وفي رواية: قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض [الماء] على سائر جسده، ثم غسل رجليه. وفي رواية للنسائي، بعد غسل الفرج: ثم يمضمض ويستنشق.
» ٢١٢ - «وعن ميمونة - ﵂ - قالت: وضع للنبي - ﷺ - ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه، فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم
[ ١ / ٣٠٧ ]
أفرغ بيمينه على شماله، فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه، فناولته خرقة فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده» .
واعلم أن مراد الخرقي بهذه الصفة صفة الكمال، كما يدل عليه كلامه بعد، وقد قال كثير من متأخري الأصحاب: إن الكمال بعشرة أشياء، النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثا، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاث حثيات، يروي بهن أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثا، ويبدأ بشقه الأيمن ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه.
والخرقي - ﵀ - نص من ذلك على أربعة، وتقدم له غسل يديه إذا قام من نوم الليل، إدخالهما الإناء ثلاثا، وتقدم التنبيه على أنه لا فرق في أصل المسنونية بين نوم الليل ونوم النهار، وغير ذلك، وهذه الخمسة هي التي في الحديثين، ويأتي له النية والكلام عليها، وإنما لم تذكر في الحديثين لأن متعلقها القصد، وعائشة وميمونة - ﵄ - إنما حكيا ما شاهداه من أفعاله - ﷺ -.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وقد يؤخذ من كلام الخرقي البداءة بشقه الأيمن قبل الأيسر من قوله ثم: وغسل الميامن قبل المياسر، وفي بعض روايات حديث عائشة المتقدم أنه - ﷺ - بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه، وأما التسمية، والدلك فلم يتعرض الخرقي لهما نظرا للحديثين، وكذلك غسل قدميه أخيرا اعتمادا على حديث عائشة، وإنما استحب الأصحاب التسمية.
٢١٣ - لعموم «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أجذم» الحديث، وقياسا لإحدى الطهارتين على الأخرى، أو نقول: الكبرى صغرى وزيادة. اهـ.
والدلك لأنه أحوط، وأعون على إيصال الماء إلى جميع البشرة، وخروجا من الخلاف، إذ [قد] أوجبه بعض العلماء، مع أن كلام أحمد قد يحتمله، قال أبو داود: سأل رجل أحمد - ﵀ - عن إمرار اليد، فقال: إذا اغتسل بماء بارد في الشتاء أمر يده، لأن الماء ينزلق عن البدن في الشتاء، لكن تعليله يقتضي المسنونية.
[ ١ / ٣٠٩ ]
٢١٤ - ويدل على المسنونية المبالغة في إيصال الماء إلى جميع البشرة في الجملة ما روي عن علي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من ترك موضع [شعرة] من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار» قال علي: فمن ثم عاديت شعري. وكان يجزه، رواه أحمد، وأبو داود، ومن ثم قال الأصحاب: يتعاهد معاطف بدنه، وسرته، وتحت إبطه ونحو ذلك، وما ينبو عنه الماء. اهـ.
والانتقال لغسل قدميه لحديث ميمونة، وقد اختلف عن إمامنا في ذلك، فقال في رواية: أحب إلي أن يغسلهما بعد الوضوء، لحديث ميمونة، وفي أخرى قال: العمل على حديث عائشة. وفي ثالثة قال: يخير لورود الأمرين. وظاهر
[ ١ / ٣١٠ ]
إحدى روايات حديث عائشة - وقد تقدمت - أنه - ﷺ - جمع بينهما، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب.
تنبيهات: (أحدها) مراد الخرقي هنا بالأذى والله أعلم.
ما يستقذر وإن لم يكن نجسا، كالمني ونحوه، بخلاف مراد أبي محمد بالأذى في المجزئ كما سيأتي، فإنه النجاسة. اهـ.
(الثاني): ينوي بالوضوء المتقدم رفع الحدث، ذكره السامري، وقول الخرقي وغيره: يروي بهن أصول الشعر. ظاهره: بالغرفات الثلاث، وفي المستوعب: يروي بكل مرة. ثم ظاهر كلامه وكلام قليل من الأصحاب أن الإفاضة على سائر الجسد لا تثليث فيها، وهو ظاهر الأحاديث، واختيار أبي العباس، ولعل عامة الأصحاب استحبوا التثليث قياسا لإحدى الطهارتين على الأخرى، أو اطلاع على نص بذلك وقد استحب أبو محمد زيادة على ما تقدم،
[ ١ / ٣١١ ]
وهو أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء، كما في حديث عائشة، ولا ريب أنه أعون على إصابة الماء البشرة، وقد تقدم أنه - ﷺ - بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم جمع بينهما، فينبغي أن يعتمد [على] ذلك.
(الثالث): قول عائشة - ﵂ -: رأى أن قد استبرأ. أي: استقصى وخلص من عهدة الغسل، وبرئ منها كما يبرأ من الدين وغيره، و«حفن» أخذ وصب، والحفنات جمع حفنة، وهو ملء الكفين من طعام أو نحوه، أصلها من الشيء اليابس كالدقيق، والرمل ونحوه، «وغرف» جمع غرفة وهو ملء الكف، وغرفة بالفتح أي مرة، والله أعلم.
قال: وإن غسل مرة، وعم بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضأ أجزأه، بعد أن يتمضمض ويستنشق، وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركا للاختيار.
ش: هذه صفة الغسل المجزئ، والأصل فيها في الجملة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] ظاهره الاجتزاء بالتطهير، وبالاغتسال من غير اشتراط وضوء ولا غيره.
[ ١ / ٣١٢ ]
٢١٥ - وعن جابر - ﵁ -، «أن ناسا قدموا على رسول الله - ﷺ - فسألوه عن غسل الجنابة، وقالوا: إنا بأرض باردة. فقال: «إنما يكفي أحدكم أن يحفن على رأسه ثلاث حفنات» وفي لفظ أنه قال: «أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا» رواهما مسلم، وظاهرهما الاجتزاء بذلك من غير وضوء. وإنما اشترطت النية المذكورة لعموم قوله - ﷺ - «إنما الأعمال بالنيات» «لا عمل إلا بالنية» .
واشترط الخرقي - ﵀ - المضمضة والاستنشاق، لما تقدم له من أن الفم والأنف من الوجه، وقد تقدم بيان ذلك والخلاف فيه، فلا حاجة إلى إعادته وهذا هو المذهب المعروف، أعني الاجتزاء بالغسل عن الوضوء، بالشرط المذكور، لظاهر ما تقدم، (وعنه) لا بد أن يأتي بالوضوء. قال أبو الخطاب في هدايته، والسامري، وصاحب التلخيص وغيرهم: وإن لم
[ ١ / ٣١٣ ]
يوجد ما يقتضيه، كما إذا أوجبنا الغسل بالانتقال، وهو يلتفت لما تقدم في النواقض. تأسيا بفعله - ﷺ - ويجاب بأنه - ﷺ - فعل الكامل، بدليل الاتفاق على أنه لا يجب الوضوء قبل، وتوسط أبو بكر، والشيرازي فقالا: يتداخلان فيما يتفقان فيه، ولا يسقط ما ينفرد به الوضوء عن الغسل من الترتيب والموالاة والمسح وإن لم يقل بإجزاء الغسل عن المسح كما لا يسقط ما ينفرد به الغسل من تعميم البدن ونحوه.
(تنبيه): في معنى نية الوضوء والغسل، إذا نوى استباحة الصلاة، أو أمرا لا يباح إلا بهما، كلمس المصحف، لا قراءة القرآن. اهـ.
وقد تضمن كلام الخرقي - ﵀ - أنه لا يشترط للغسل (ترتيب)، وهو كذلك، لظاهر ما تقدم، ولقوله - ﷺ - لأبي ذر «إذا وجدت الماء فأمسه جلدك» ولم يأمره بترتيب، ولا موالاة، وهو المعروف في المذهب، لظاهر ما تقدم أيضا.
٢١٦ - وعن ابن مسعود - ﵁ -، «أن رجلا سأل النبي - ﷺ - عن الرجل يغتسل من الجنابة، فيخطئ الماء بعض جسده؟
[ ١ / ٣١٤ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: «يغسل ذلك المكان، ثم يصلي» رواه البيهقي في سننه، (ولا دلك)، وهو كذلك، لظاهر ما تقدم أيضا، (ولا تسمية)، وهو بناء على قاعدته من أن التسمية لا تجب في الوضوء، أما إن قلنا: تجب ثم. وجبت هنا، وجزم صاحب التلخيص، والسامري وغيرهما بالوجوب هنا، نظرا منهم إلى أن ذلك المذهب ثم.
ومقتضى كلام الخرقي أيضا أن المجزئ لا يتوقف على إزالة ما به من أذى، وإن كان نجاسة، وهو ظاهر كلام طائفة من الأصحاب، فعلى هذا يرتفع الحدث مع بقاء النجاسة، وصرح بذلك ابن عقيل، ومنصوص أحمد - ﵀ - أن الحدث لا يرتفع إلا مع آخر غسلة طهرت المحل، وعلى هذا يتوقف صحة الغسل على الحكم بزوال النجاسة، وهو ظاهر كلام أبي محمد في المقنع، فقال في المجزئ: يغسل ما به من أذى. والله أعلم. أي من نجاسة وينوي، لكنه يوهم زوال ما به من أذى أولا، وهذا الإيهام ظاهر ما في المستوعب، فإنه قال في المجزئ: يزيل ما به من أذى، ثم ينوي. وتبعا في ذلك - والله أعلم - أبا الخطاب في الهداية لكن لفظه في ذلك أبين من لفظيهما، وأجرى على المذهب، فإنه قال: يغسل
[ ١ / ٣١٥ ]
فرجه ثم ينوي. وكذلك قال ابن عبدوس في المجزئ: ينوي بعد كمال الاستنجاء، وزوال نجاسته إن كانت ثم، وقد يحمل كلام أبي محمد والسامري على ما قاله أبو الخطاب، ويكون المراد بذلك الاستنجاء بشرط تقدمه على الغسل، كالمذهب في الوضوء، لكن هذا [قد] يشكل على أبي محمد، فإن مختاره ثم أنه لا يجب تقديم الاستنجاء، وعلى الخرقي، فإن مذهبه تقديم الاستنجاء، فكان من حقه أن ينبه على ذلك.
ويتلخص لي أنه يشترط لصحة الغسل تقديم الاستنجاء على الغسل إن قلنا: يشترط تقديمه ثم. وإن لم نقل ذلك، أو كانت [النجاسة] على غير السبيلين، أو عليهما غير خارجة منهما، لم يشترط التقديم، ثم هل يرتفع الحدث مع بقاء النجاسة، أو لا يرتفع إلا مع الحكم بزوال النجاسة؟ فيه قولان، ثم محل الخلاف إذا لم تكن النجاسة كثيفة، تمنع وصول الماء، أما إن منعته فلا إشكال في توقف صحة الغسل على زوالها، وهذا واضح والله أعلم.