قال: [فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقتها]، فإذا زاد شيئا وجبت [صلاة] العصر.
ش: إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، فهو آخر وقت الظهر، وبصيرورة ظل كل شيء مثله يزيد أدنى زيادة، وذلك أول وقت العصر، فلا فاضل بين الوقتين، هذا هو المعروف، وأن بخروج وقت [الظهر] يدخل وقت العصر.
ويحتمل ظاهر كلام الخرقي، وصاحب التلخيص أن بينهما فاصلا، إذ ظاهر كلامهما أن العصر لا تجب إلا بعد الزيادة، وكذا فهم ابن حمدان، فحكى ذلك قولا، وبالجملة الأصل في أول وقت العصر حديث جبريل المشهور: «أنه - ﷺ - صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم قال: «ما بين هذين وقت» والله أعلم.
قال: فإذا صار ظل [كل] شيء مثليه خرج وقت الاختيار.
[ ١ / ٤٦٧ ]
ش: الصلوات على ضربين، [منها] ما ليس له إلا وقت واحد، وهي الظهر، والمغرب والصبح على المختار، ومنها ما له وقتان، وهي العصر والعشاء، والفجر على قول. اهـ.
فالعصر آخر وقتها المختار - وهو الذي يجوز تأخير الصلاة إليه من غير عذر - صيرورة ظل كل شيء مثليه، على إحدى الروايتين، واختيار الخرقي، وأبي بكر، والقاضي، وكثير من أصحابه، نظرا لحديث جبريل - ﵇ - فإنه ورد بيانا لتعلم أوقات الصلوات، ثم قوله: «ما بين هذين وقت»، ظاهره أن جميع هذا الوقت الصلاة فيه جائزة دون غيره.
(والرواية الثانية) - واختارها الشيخان -: آخر الوقت المختار اصفرار الشمس.
٣٥٢ - لما في مسلم وسنن أبي داود، والنسائي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس»» .
٣٥٣ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «آخر وقت العصر حين تصفر الشمس» . رواه أبو داود والترمذي، وهذا يتضمن زيادة، مع أنه قول، فيقدم على الفعل.
٣٥٤ - وعن أبي موسى - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - أتاه سائل فسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئا، قال: وأمر
[ ١ / ٤٦٨ ]
بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف [النهار]، وهو [كان] أعلم منهم، [ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة]، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق [الأحمر]، ثم أخر الفجر من الغد، حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت. ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس؛ ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: «الوقت بين هذين» . رواه أبو داود، والنسائي، ومسلم، وهذا لفظه. وهو أيضا متضمن لزيادة ومتأخر، إذ حديث جبريل كان بمكة، وهذا بالمدينة، والعمل بالمتأخر متعين، وقطع صاحب التلخيص بأن الوقت المختار إلى صيرورة ظل كل شيء مثليه، وجعل من ذلك [إلى] الاصفرار وقت جواز، فكأنه جمع بين الأحاديث، فحمل حديث جبريل على الوقت المطلوب المرغوب فيه، وغيره على الوقت الجائز، الذي يجوز التأخير إليه من غير عذر بلا إثم، والله أعلم.
[ ١ / ٤٦٩ ]
قال: ومن أدرك منها ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدركها.
٣٥٥ - ش: لما في الصحيحين عن أبي هريرة [- ﵁ -] أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد [أدرك] الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر»» .
وظاهر كلام الخرقي، وكذلك ابن أبي موسى، وابن عبدوس: أن الإدراك لا يحصل بأقل من ركعة، وهو إحدى الروايتين، وظاهر الحديث المتقدم (والثانية) - وعليها العمل عند القاضي، وكثير من أصحابه - أنه يحصل بتكبيرة.
٣٥٦ - لأن في الصحيح من حديث أبي هريرة أيضا: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتم صلاته» . وفي النسائي: «فقد أدركها»، لا يقال: عبر عن الركعة بالسجدة، لأنا نتمسك بالحقيقة.
ومعنى الإدراك بركعة أو بتكبيرة أنه متى أدرك ذلك؛ كان مؤديا للصلاة، لا قاضيا على المشهور من الوجهين، والثاني:
[ ١ / ٤٧٠ ]
ما وقع في الوقت يكون أداء، وما وقع بعده يكون قضاء، والله أعلم.
قال: [وهذا] مع الضرورة.
ش: ظاهر هذا، وكذلك ظاهر كلام ابن أبي موسى: أن إدراك العصر بما تقدم مختص بمن له ضرورة؛ كحائض طهرت، وصبي بلغ، ومجنون أفاق، ونائم استيقظ، ومريض برأ، وذمي أسلم، وكذلك خباز، أو طباخ، أو طبيب فصد، وخشوا تلف ذلك، قاله ابن عبدوس، وعلى هذا من لا عذر له لا يدركها بذلك، بل تفوت بفوات وقتها المختار، وتقع منه بعد ذلك قضاء، وهذا قول بعض العلماء، وأحد احتمالي ابن عبدوس، وهو متوجه، إذ قول جبريل - ﵇ - وكذلك قول النبي - ﷺ -: «الوقت ما بين هذين» . وقوله - ﷺ -: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» يقتضي أن ما بعد ذلك ليس بوقت لها، وقوله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر» يحمل على من له عذر، ولذلك جعل الصلاة في ذلك الوقت - ممن لا عذر له - صلاة المنافق.
٣٥٧ - فقال أنس - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» . رواه مسلم
[ ١ / ٤٧١ ]
وغيره، لأن فعله فعل المنافق، لتهاونه بها، وتضييعها.
والمعروف عند الأصحاب وعند عامة العلماء: أن وقت العصر مبقى إلى الغروب، في حق المعذور وغيره، حملا لحديث جبريل ونحوه، على أن المراد بذلك وقت الاختيار، أو وقت الجواز، وحديث أبي هريرة على وقت الإدراك، ويسمون هذا الوقت - أعني من وقت الاختيار، أو وقت الجواز، إلى غروب الشمس - وقت إدراك، ووقت ضرورة، ولا يفترق المعذور عندهم وغيره إلا في الإثم وعدمه؛ فالمعذور له التأخير، وغيره ليس له ذلك، ويأثم إذا أخر، وقد يحمل كلام الخرقي على هذا، على أن في الكلام حذفا، والإشارة إليه تقديره: و[هذا]- أي جواز التأخير - مع الضرورة، أما من لا ضرورة له فلا يجوز له التأخير وإن أدرك الوقت بركعة. [والله أعلم] .