كان والد الموفق ﵀ عميد عائلته وكبيرهم في حياته، وكان يُدرس الحديث وغيره من العلوم، ولما غزا الصليبيون بلاد نابلس ضيقوا على أهل العلم عمومًا وعليه وأسرته خصوصًا، فقرر الهجرة سرًّا مع ابن أخيه محمد بن أبي بكر، وزوج أخته عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي
_________________
(١) ونسبته المقدسي لأن نابلس وأعمالها جميعًا من مضافات بيت المقدس وبينهما مسيرة يوم واحد. ينظر: معجم البلدان ٢/ ١٦٠.
[ ١ / ٣٠ ]
وابن أخته عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي، إلى دمشق في جبل قاسيون (^١).
ولما استقر في الجبل لحق بالشيخ أحمد - والد الموفق - أولاده وزوجتاه سعيدة بنت أحمد ابن أبي الفتح أم أولاده السابقين، وسعيدة بنت أحمد بن عبد الله بن عمر بن شبيب، وبنوا في الجبل مسجدًا وبيوتات لهم، وكان الجبل آنذاك موحشًا من اللصوص والسباع.
وفي دمشق تزوج الموفق بابنة عمته مريم بنت أبي بكر بن عبد لله بن سعد، فولد له محمد المكنى بأبي الفضل، وعيسى المكنى بأبي المجد، ويحيى المكنى بأبي العز، وبنتاه صفية وفاطمة، وكانوا جميعًا أهل صلاح وخير، مشهودًا لهم بذلك، وتوفيت زوجته وأولاده جميعًا في حياته، ولم يعقب منهم سوى ابنه عيسى.
وبعد استقرارهم في الجبل توافد الناس عليهم ناهلين مما حباهم الله من العلم، وكان والد الموفق الشيخ أحمد وأبناؤه قد غلب عليهم الصلاح والتقوى فسُمُّوا بالصالحين، وسميت المنطقة بعد ذلك بالصالحية نسبة إلى صلاحهم الذي اشتَهَروا به، حتى قيل:
الصالحية جنةٌ … والصالحون بها أقاموا
فعلى الدِّيار وأهلِها … مني التَّحيةُ والسلامُ
واعتزل والد الموفق في آخر حياته الناس، وآثر التخلي عن أمور الدنيا، تاركًا تصريف شؤون أولاده لابنه أبي عمر.
وبعد وفاة الشيخ أحمد أسس أبو عمر المدرسة العمرية وجامع الحنابلة، حتى صارا قبلة للعلم والعلماء في تدريس المذهب الحنبلي.
_________________
(١) قاسيون: هو الجبل المشرف على مدينة دمشق، وفيه عدة مغاور وكهوف. ينظر: معجم البلدان ٤/ ٢٩٥، والقلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون ص ٨٧، وفي ذكر أخبار الصالحية الآتية في الكتاب استفدت من قرائتي للمصدر الأخير.
[ ١ / ٣١ ]
وفي جَمَّاعيل حفظ الموفق القرآن منذ صغره، وسمع الحديث من والده قبل الهجرة وبعدها، وحفظ مختصر الخرقي في الفقه، ورحل إلى بغداد سنة (٥٦١ هـ)، وله عشرون سنة.
وظهر بالشيخ أبي عمر والشيخ الموفق منذ ذلك الوقت وقبله من الصلاح والديانة والجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين والأحوال الزَّكية ما جعل لهم القبول في الأرض، حتى قال فيهم سبط ابن الجوزي مقولته المشهورة: «شاهدت من الشيخ أبي عمر وأخيه الموفق ونسيبهم العماد ابن إبراهيم بن علي المقدسي ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساني أهلي وأوطاني، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون منهم في دار المقامة» (^١).
وكذلك الحال في أختيهما رابعة زوجة الحافظ عبد الغني المقدسي، ورقية والدة الحافظ الضياء المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) اللتين اشتَهَرتا بالصلاح والديانة، وهذا مما يدل على أن الموفق ﵀ نشأ في بيت علم وفضل وصلاح، فرحمهم الله ورضي عنهم.
ثم إن هذا العلم والصلاح انتشر في ذريتهم، وأضاء في عاقبتهم، حتى صار لقب المقادسة وصفًا ملازمًا لهذه الأسرة المباركة العريقة.
وكان من نتائج هذه الهجرة المباركة والصبر الجميل على البلاء المبين أن مكن الله لهم في الأرض، وتوافد الناس عليهم رجالًا وركبانًا وعلى كل ضامرٍ طالبًا للعلم والتعليم يأتيهم من كل فج عميق.