والدته ست النظر بنت أبي المكارم.
وجدَّته من جهة أبيه شقيقة الشيخ محمد والد الشيخين أبي عمر والموفق ابنَي قدامة.
ومن أعمامه الشيخ عبد الواحد والد الحافظ ضياء الدين المقدسي، وعمته فاطمة أم عمر، وهي زوجة الشيخ أبي عمر شقيق الموفق ابن قدامة عليهم رحمة الله.
أشقاؤه، جمال الدين أبو بكر محمد بن إبراهيم، توفي قبله (٥٦٣ - ٦٠٠ هـ)، قال الضياء عنه: «كان فقيهًا، زاهدًا، ورعًا، كثير الخوف من الله، كان يعرف بالزاهد، رحل مع أخيه البهاء عبد الرحمن إلى بغداد، وسمع الكثير بها وبدمشق، وكان يتنظف ويبالغ في الوضوء» (^١).
زوجته، تزوج البهاء من ابنة عمه زينب بنت عبد الواحد.
أبناؤه، وُلد للبهاء ﵀ ولدان، محمد وإبراهيم، أما إبراهيم فتوفي في حياته (٥٩١ - ٦١٤ هـ)، وحصّل طرفًا صالحًا من الفقه، والفرائض، والنحو، وقال الشعر، قال الحافظ الضياء عنه: «كان يحب الاشتغال في العلم، وكان حسن الأخلاق، كريم النفس، سمعت والده يقول عنه: ما أظنه قط غضب، وسمعت والده يقول أيضًا وكنّا سمعنا بموته يقول: رأيت قائلًا يقول: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ [التوبة: ٢١]، وتوفي في حياة والده في حمص عن ثلاث وعشرين سنة، وفجع به والده البهاء وكان ذلك يوم الاثنين التاسع عشر من شهر شعبان (^٢).
وأما محمد الملقب بتقي الدين أبي الرضا المقدسي (٥٧٩ - ٦٤٣ هـ)،
_________________
(١) تاريخ الإسلام ١٢/ ١٢٢، وبيوتات العلم ص ١٤٥.
(٢) تاريخ الإسلام ١٣/ ٣٩٥، والمقصد الأرشد ١/ ٣٣١، وبيوتات العلم ١٠٤٤.
[ ١ / ٧٢ ]
فقد كان فقيهًا، فاضلًا، سليم الباطن، كثير السكوت، رافق الحافظ الضياء المقدسي في عدد من رِحلاته في العلم إلى مصر وبغداد، وتوفي محمد بن البهاء عن ابنتيه فاطمة وآمنة وكانتا من الصالحات العابدات (^١).
عمل والد البهاء إمامًا في أهل ساويا، وكان ذا خلق كريم، قال الضياء المقدسي عنه: «ولد في حدود سنة خمس وعشرين وخمسمئة، وسألت عنه خالي الموفق فقال: كان رجلًا كاملًا حسن الخلق، كان يمازحني وأنا صغير، وكنت أحبه لحسن خلقه» (^٢).
نشأ البهاء ﵀ نشأة أشبه باليتم، فبعد أن هاجر به والده من فلسطين ورحل عنه إلى مصر تاجرًا طالبًا للرزق توفيت والدته - رحمها الله - وهو دون سن البلوغ، ويظهر لي من خلال النصوص الآتية أن والده لم يترك له ما يكفي لمعيشته، ولعل سبب ذلك قرب هجرته من فلسطين وترك داره في الساويا.
واتفق في هذه الأثناء قدوم الحافظ عبد الغني المقدسي من الإسكندرية، ويسر الله للبهاء عناية الحافظ به من ذلك الحين عناية علمية، فدربه على الكتابة، وأعطاه رزقًا (^٣)، وختم البهاء على الحافظ عبد الغني القرآن في نحو سنة (٥٧٠ هـ)، وكان عمره آنذاك خمس عشرة سنة.
وكان مما جرى بين البهاء وبين الحافظ مباحثات، منها: سؤال البهاء له بقوله: «هؤلاء المشايخ يُحكى عنهم من الكرامات ما لا يُحكى عن
_________________
(١) تاريخ الإسلام ١٥/ ٦٥٢، ١٥/ ٧٣٤.
(٢) التنويه والتبيين في سيرة محدث الشام الحافظ ضياء الدين المقدسي ص ٣٦.
(٣) الرزق: بالكسر أو الفتح هو العطاء، قال ابن فارس: «الراء والزاء والقاف أصل واحد يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت». ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٣٨٨، ولسان العرب ١٠/ ١١٥، وتاج العروس ٢٥/ ٣٣٦.
[ ١ / ٧٣ ]
العلماء، أيش السبب في هذا؟ فقال: اشتغال العلماء بالعلم كرامات كثيرة - أو قال: تُريد للعلماء كرامة أفضل من اشتغالهم بالعلم - وقد كان للحافظ كرامات كثيرة» (^١).
ثم رحل البهاء في سنة اثنتين وسبعين إلى حرّان في حلْقة الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦١٤ هـ)، ولقي في حرّان الشيخ أحمد بن أبي الوفاء (ت ٥٧٥ هـ) المعروف بغلام أبي الخطاب وسمع منه، ولقي سليمان بن أبي العطاف (ت ٦٢٧ هـ).
وفي هذه الحقبة من تاريخه يحدثنا البهاء عن نفسه فيما نقله عنه تلميذه أبو العباس سيف الدين أحمد بن عيسى بن الشيخ الموفق عبد الله ابن قدامة فيقول (^٢): «فأَلِفْتُهم، وأُشير علي بالمقام بها لأجود حفظ الختمة، فقعدت بها في دار ابن عبدوس فأحسن إلي، وقرأت القرآن على جماعة في ستة أشهر، وصليت التراويح بهم، وكنت أستحي كثيرًا، فأفرغ وقد ابتل ثوبي من العرق في البرد، فجمعوا لي شيئًا من الفطرة من حيث لا أعلم، واشترى لي ابن عبدوس دابةً وجهزني.
وسافرت مع حجاج حران إلى بغداد، وقد سبقني العماد ومعه ابن أخته عبد الله بن عمر بن أبي بكر، والشهاب محمد بن خلف، فسمعت بالموصل على خطيبها جزءًا، ثم دخلت بغداد وقد مات الشيخ علي البطائحي فحزنت كثيرًا، لأنني كنت أريد أن أقرأ عليه الختمة.
ثم سمعنا الحديث، فأول جزء كتبته: جزء من حديث مالك، على شُهدة، ولم ندرك أعلى سندًا منها، وسمعنا عليها: معاني القرآن للزجاج، ومصارع العشاق للسراج، وموطأ القعنبي.
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٠.
(٢) نقلت ما قاله البهاء عن نفسه في هذا الموضوع بأكمله، للإحاطة بسيرته إجمالًا، ثم نقلت منها أجزاء بعد ذلك فيما يناسب الحديث عن حياته العلمية.
[ ١ / ٧٤ ]
وسمعت على عبد الحق بن يوسف كثيرًا؛ وكان من بيت الحديث، فإنه روى عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، وكان صالحًا فقيرًا، وكان عسرًا في السماع جدًّا، وسمعنا عليه: الإبانة للسجزي بقراءة الحافظ عبد الغني، ومرضت ففاتني مجلس، وكان يمشي معي من بيته إلى مكي الغرّاد فيعيد فوتي، ورزقت منه حظًّا؛ لأنه كان يراني منكسرًا مواظبًا، وكان يعيرني الأجزاء فأكتبها، وألهم في آخر عمره القرآن فكان يقرأ كل يوم عشرين جزءًا أو أكثر.
وسمعت على أبي هاشم الدوشابي، وكان هراسًا يربي الحمام، فقلت لرفيقي عبد الله بن عمر: أريد أفاتحه في الطيور عسى يلتفت علينا، فنقرأ عليه هذين الجزأين فقال: لا تفعل، فقلت: لا بد من ذلك، فقلت: يا سيدي، إن كان عندك من الطيور الجياد تعطينا وتفيدنا، فالتفت إلي وقال: يا بني، عندي الطيرة الفلانية بنت الطيرة الفلانية، ولي قنص من فلان، وانبسط، فسمعنا عليه الجزأين ولم نَعُدْ إليه.
وسمعنا على ابن صَيْلا، وأبي شاكر السِّقلاطوني، وتَجَنِّي، وابن يلدرك، ومَنوجِهْر، وابن شاتيل، ثم أخذنا في سماع الدرس على ناصح الإسلام أبي الفتح، وكنت قليل الفهم لضيق صدري.
وكنت أحب كتابة الحديث؛ فلو كتبت النهار كله لم أضجر، وربما سهرت من أول الليل، فما أشعر إلا بالصباح.
وأشار علي الحافظ عبد الغني بالسفر معه إلى أصبهان، فاتفق سفره وأنا مريض، ثم توفي أبي سنة خمس وسبعين.
ثم اشتغلت في مسائل الخلاف على الشيخ أبي الفتح اشتغالًا جيدًا، وكنت إذ ذاك فقيرًا ليس لي بلغة إلا من الشيخ أبي الفتح - يعني ابن المنِّي - واتفق غلاء كثير فأحسن إلي، ثم وقع المرض، فخاف عليَّ فجهزني وأعطاني.
[ ١ / ٧٥ ]
واتفقت أنا وعلي ابن الطالباني، ويحيى ابن الطباخ، فترافقنا إلى الموصل، ثم ذهبنا إلى مَراغة (^١) في طلب علم الخلاف، فاكتريت إلى حران، وصبر علي الجمال بالأجرة إلى حران، وكنت أقترض من التجار ما أتبلغ به، ثم أقمت بحران نحو سنة أقرأ على شمس الدين بن عبدوس كتاب الهداية لأبي الخطاب.
ثم مضيت إلى دمشق، وتزوجت ببنت عمي زينب بنت عبد الواحد، وأنفق علي عمي، وساعدني الشيخ أبو عمر، فكنت في أرغد عيش.
إلى أن سافرت إلى بغداد سنة تسع وسبعين ومعي أخي أبو بكر، وابن عمي أحمد - يعني: الشمس البخاري - وهما دون البلوغ، وتركت زوجتي حاملًا بابني محمد، فأقمنا بحران، وصمنا رمضان، وسافرنا مع الحجاج، وجهزَنا ابن عبدوس بالكراء والنفقة، ولم تكن لي همة إلا علم الخلاف، فشرعت في الاشتغال على الشيخ أبي الفتح، وكان معيده الفخر إسماعيل الرَّفَّاء، ثم سافرت سنة ثلاث وثمانين، وخلفت ببغداد أخي، وابن عمي، فسافر ابن عمي إلى بخارى، ولحقني أخي» (^٢).
وفي هذا النقل العزيز عن البهاء ﵀ يتبين لنا الآتي:
أولًا: أن البهاء نشأ نشأةً يغلب عليها قلة العيش والفقر وعدم الاستقرار، ومع ذلك نجده صابرًا في رِحلاته في العلم، ناهلًا من أعالي المسندين في زمنه، طامعًا في المزيد من السماع رغم قله ذات يده، حتى بلغ به أنه كان يقترض ليتبلّغ إلى السماع، ولم يسلك سبيل والده في التجارة.
ثانيًا: كما نخلص إلى شخصيته التي اتسمت بالحياء مع الرغبة الشديدة في العلم، ولا أدلّ على ذلك من حزنه بوفاة الشيخ علي البطائحي - مسند زمانه في القراءات - وغيرها حزنًا كثيرًا لرغبته في ختم القرآن عليه.
_________________
(١) مراغة: بلدة مشهورة عظيمة أعظم وأشهر بلاد أذربيجان. ينظر: معجم البلدان ٥/ ٩٣.
(٢) تاريخ الإسلام ٤٥/ ١٩٥.
[ ١ / ٧٦ ]
ثالثًا: كما يظهر لنا بإزاء حرصه على العلم ذكاؤه وفطنته في سماع الحديث، يدل على ذلك موقفه في سماع الحديث على أبي هاشم الدوشابي.
رابعًا: وتظهر لنا شخصية البهاء أيضًا في تركيزه على أخذ العلم وتلقيه وسماعه من خلال رِحلاته في طلب العلم، وكثرة مشايخه، وتركه زوجته وهي حامل بابنه محمد، وعدم حرصه على رغد العيش وتحصيله بالتجارة ونحوها، رغم إتاحة الفرصة له باللحاق بوالده بعد وفاة والدته.
خامسًا: تزوج البهاء من ابنة عمه زينب بنت عبد الواحد، أخت الحافظ ضياء الدين المقدسي، وأنفق عليه في زواجه عمه، وساعده الشيخ أبو عمر زوج عمته ﵏.
ولا شك أن هذه الصفات أثّرت في تربية البهاء وصقل شخصيته إلى أن وُصِفَ بالإمامة في الدين، فإنه ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].
ومما جاء في صفاته الخَلقية والخُلقية ما نقله الحافظ أبو الفتح عمر بن محمد بن منصور الحاجب (ت ٦٣٠ هـ): «كان أكثر مقامه بنابلس، وكان مليح المنظر، مُطرح التكلّف، كثير الفائدة، ذا دين وخير، قوّالًا للحق، لا يخاف في الله لومة لائم، راغبًا في التحديث» (^١).