يمكن استنباط منهج الموفق ابن قدامة في تأليف كتاب المقنع من خلال النظر في كتابه بالأمور التالية:
١ - جعل كتابه موجزًا جامعًا لأكثر الأحكام على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ لمن أراد ضبط أحكام فروع المذهب.
٢ - رتب تلك الأحكام مبتدئًا بالعبادات، ثم المعاملات، ثم الأنكحة والطلاق، ثم الجنايات والحدود، ثم الأقضية والشهادات، جامعًا أبواب وفروع تلك الكتب تحت كل كتاب منها ليكون الكتاب على ما أراد مصنفه مقنعًا للناظر فيه.
٣ - جرد الموفق الكتاب عن التعليل والتدليل، وعلل ذلك بقوله:
_________________
(١) مقدمة الإنصاف ١/ ٦.
[ ١ / ٥٢ ]
«ليكثر علمه»، أي تكثر أحكامه باستظهار العلل في الأحكام وكد الذهن في تحريرها وتنقيحها؛ لتكون أداة للتخريج والتفريع على قواعد المذهب، ومع ذلك فإنه يشير أحيانًا قليلة إلى الدليل والنص عليه أيضًا، ولكن هذا على سبيل الندرة.
٤ - أطلق الموفق الرواية والخلاف في مسائل كثيرة منه، قال في الإنصاف ١/ ٦: «ولم يبين الصحيح من المذهب والمشهور، والمعمول عليه والمنصور، وما اعتمده أكثر الأصحاب وذهبوا إليه، ولم يعرجوا على غيره ولم يعولوا عليه».
٥ - يورد الفروع الفقهية والمسائل المجمع عليها، والمسائل المشهورة على حالها، كقوله في فروض الوضوء: «وفروضه ستة: غسل الوجه، والفمُ والأنفُ منه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وترتيبه على ما ذكر الله تعالى» (^١).
٦ - ما كان الترجيح فيه مختلفًا في المذهب يطلق فيه الخلاف أو الروايات أحيانًا، كما ورد أيضًا في ذات مسألة فروض الوضوء بقوله: «والموالاة على إحدى الروايتين»، وأحيانًا يطلقها على هيئة سؤال، كقوله في إزالة النجاسات عدا نجاسة الكلب والخنزير: «وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: إحداهن: يجب غسلها سبعًا، وهل يشترط التراب؟ على وجهين» (^٢).
٧ - ربما يذكر بعض المصطلحات ويعقبها بالتعريف، كقوله عند ذكر الموالاة في الوضوء: «وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله»، وفي الاعتكاف: «الاعتكاف: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى»، وفي الفيء: «الفيء: وهو ما أخذ من مال مشرك بغير قتال»،
_________________
(١) المقنع ص ٢٨.
(٢) المقنع ص ٣٦.
[ ١ / ٥٣ ]
وتعريف الضمان: «وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق» (^١).
٨ - يهتم الموفق بذكر قيود المسألة الواحدة مع الخلاف فيها إن وجد في موضع قريب منها، ولا يشتت الفروع المرتبة فيها، ومثال ذلك في مسألة المسح على العمامة ص ٣٠ قال: «ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه، ولا يجوز على غير المحنكة، إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز في أحد الوجهين، ويجزئه مسح أكثرها، وقيل: لا يجزئ إلا مسح جميعها».
٩ - يهتم الموفق بحكاية الخلاف بين القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب، كما يهتم كثيرًا بالنقل عن أبي القاسم الخرقي، ويصدر النقل عنه باسمه أحيانًا، وأحيانًا ب (قال الشيخ)، وبالنقل عن أبي بكر غلام الخلال، وكل ذلك على سبيل التنبيه والاختصار وأحيانًا مع ذكر عباراتهم، مع إيراد اختيارات وخلاف غيرهم من فقهاء المذهب، كأبي بكر الخلال، والحسين بن حامد، وأبي علي النجاد، وأبي إسحاق ابن شاقْلا.
١٠ - يذكر المصنف فروع الأحكام في المذهب على مذهب الإمام أحمد، أو مما اختاره كبار الأصحاب في المذهب من الروايات عن الإمام، أو مما اختاره كبار الأصحاب تخريجًا على أقوال الإمام وقواعده، وربما يخرج ويفرع هو نفسه على تلك الأقوال أقوالًا ومسائل.
١١ - يذكر الموفق العبادات التي وردت على هيئات مختلفة ولا تضاد بينها، كما في صفة الغسل حيث ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ، وأحوال صلاة الخوف فذكر خمسة أوجه لها، وصفة الحج
_________________
(١) المقنع ص ٢٨، ١٠٧، ١٤٤، ١٨٠.
[ ١ / ٥٤ ]
بين القارن والمتمتع والمفرد.
١٢ - يبدأ الموفق في حكاية المسائل المتفق عليها في الباب، وأحيانًا يبدأ بذكر التعريف بالمسألة، ثم يشرع بذكر الفروع المتعلقة بها والشروط والأنواع والتقاسيم الواردة فيها إن وجدت، وربما يذكر بعض الأدعية الواردة في العبادة بنصها، كالصلاة والسلام على النبي ﷺ في التشهد، وأذكار الركوع والسجود، والدعاء عند أداء الزكاة، والدعاء الوارد في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر ونحو ذلك.
١٣ - يهتم الموفق بذكر أجناس المسائل وأشباهها، ومن ذلك قوله في باب الآنية: «ولبن الميتة وإنفحتها نجسة في ظاهر المذهب، وعظمها وقرنها وظفرها نجس، وصوفها وشعرها وريشها طاهر» (^١)، وكقوله في ضبط صفات السلم: «فأما المعدود والمختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرؤوس ونحوها ففيه روايتان» (^٢)، وكقوله في باب الربا والصرف: «والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعًا كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وفروع الأجناس أجناس: كالأدِقَّة والأخباز والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وعنه: جنس واحد، وكذلك اللبن، وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء. واللحم والشحم والأَلْية والكبد أجناس» (^٣).