بتقصي كلام أهل العلم حول المقنع لم أجد فيمن ترجم له أو من شرح كتابه ما يدل على أصل الكتاب ومصادر استمداده، ويمكن أن نخلص بعد ذلك إلى القول بأن كتاب المقنع للموفق ابن قدامة كان جمعًا وتحريرًا من عدة كتب ممن سبقه، مضافًا إليها خلاصة اطلاعه على كتب المذهب المتقدمة عليه.
يؤكد ذلك أنه بعد تأليفه صحح فيه ونَقَّح، وقرئ عليه الكتاب، وأذن بالإصلاح فيه لابن أخيه الشارح ولعله لغيره أيضًا، ولم يكن لهذا التصحيح ضابط مذكور بين الناقلين عنه، فعليه يكون كتاب المقنع نسيج خلاصة فقهية من عدة كتب وتأصيلات علمية أصله من الموفق وتتمات بعض مسائله من تلاميذه، والله أعلم.
وتبقى مسألة جديرة بالبحث والعناية وهي أن كتب الموفق المشهورة في الفقه أربعة:
١ - المغني الذي ضمنه خلاف السلف والمذاهب الفقهية مع بسط في المسائل والخلاف والتدليل عليها.
٢ - والكافي الذي اقتصر فيه على خلاف المذهب في أشهر الروايات والتدليل عليها.
٣ - والمقنع الذي جعله متنًا مختصرًا على أشهر الروايتين في المذهب مجردًا عن الدليل والتعليل.
٤ - والعمدة وهو متن أخصر من الذي قبله، جعله على رواية واحدة تسهيلًا وتيسيرًا.
وقد أوضح ابن بدران أن الموفق قد ألف أربعة كتب في المذهب
[ ١ / ٤٧ ]
يمكن للطالب التدرج فيها لبلوغ الرتب العلية في الاجتهاد عن طريق دراسة كتاب العمدة ثم المقنع ثم الكافي ثم المغني (^١).
إلا أن هذه الكتب لا يعرف على جهة اليقين المتقدم منها من المتأخر، إلا عن طريق بعض الإشارات:
منها أن لكتاب المغني تأليفًا قديمًا وجديدًا، كما قرر ذلك الزركشي وابن المنجا وابن مفلح والمرداوي بالنقل عن القديم في عدد من المواضع فضلًا عن الجديد. (^٢)
وأن كتاب الكافي مقدم في الجملة باختيار الشيخ على غيره، قال المرداوي: «اعلم أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح في المذهب إلى أصحابه، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون، فالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب على ما قالوه، ومن أعظمهم الشيخ الموفق لا سيما في الكافي» (^٣).
- وأن كتاب المقنع متأخر عنهم جميعًا؛ فلذلك اعتمد المتأخرون ترتيبه والله أعلم.
ولم أجد أكثر من هذه الإشارات في تقديم وتأخير كتب الموفق من حيث القوة، إذ البحث في أسبقيتها في التأليف يفيد فائدة بدهية في معرفة ما استقر عليه اختياره وتوجيهه للمسائل.
_________________
(١) المدخل ص ٤٣٣.
(٢) ينظر: على سبيل المثال: الفروع ٩/ ٧٨، والمبدع ١/ ٤٤، وشرح الزركشي ١/ ١٢٥، والإنصاف ١/ ١٢٢، وللاستزادة حول هذا الموضوع بحث بعنوان: المغني القديم والمغني الجديد في كتب الحنابلة، من إعداد: د. عبد الله بن عبد العزيز التميمي، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض قسم الفقه.
(٣) مقدمة تصحيح الفروع ١/ ٣١.
[ ١ / ٤٨ ]