تتجلى قيمة الكتاب العلمية في الأمور التالية:
أولًا: فيما سبق ذكره في المقدمة من أهمية الكتاب المشروح وأسباب اختياره بما يغني عن تكراره هنا.
ثانيًا: أن شرح البهاء المقدسي لكتاب المقنع يعد أول شرح لكتاب المقنع للموفق ابن قدامة كما ذكر ذلك الشيخ بكر أبو زيد (^٢).
ويرد على ذلك إشكال فيما ذكره ابن عبد الهادي وابن بدران: من أن أول شرح لكتاب المقنع هو شرح ابن أبي عمر المسمى بالشرح الكبير (^٣)، فالجواب عنه من عدة أوجه:
١ أن ذلك مستبعد من ملاحظة قرب ولادة ووفاة البهاء المقدسي من شيخه الموفق ابن قدامة؛ إذ ليس بين وفاة البهاء والموفق سوى أربع سنوات، في حين أن بين وفاة الموفق وابن أخيه الشارح أكثر من ستين سنة.
٢ أن عمر الشارح ابن أبي عمر حين وفاة عمه الموفق نحوًا من ثلاث وعشرين سنة، وحين وفاة البهاء المقدسي نحوًا من ثمانية وعشرين سنة، ومن خلال قراءة سيرة الشارح في مصادر الترجمة لم تكن هناك إشارة إلى أنه ألف شرحه في أثناء حياة عمه، وغايته أنه استأذنه في
_________________
(١) وفي هذه المسألة يطرأ سؤال مهم، وهو ما المقدم في تقرير الموفق في الفقه أهو المغني أم الكافي؟! وقد تكلمت عن هذه الجزئية باختصار في المبحث السابق بما يغني عن إعادة وجهة نظري فيها والله أعلم.
(٢) المدخل المفصل ٢/ ٧٢٢، ٩٨١، وعزاه للذهبي في السير ولم أجده فيه.
(٣) ينظر: معجم الكتب ص ١٠٢، المدخل ص ٤٠٤.
[ ١ / ١١٣ ]
وضعه شرحه من كتاب المغني.
٣ - أن الإصلاحات التي وقعت على كتاب المقنع من قبل الشارح لم تَرِدْ في نص المقنع عند البهاء في شرحه، ووردت بعد ذلك في نسخ المقنع المشروحة، مما يدل على أن شرح البهاء على المقنع قد تقدم على ما تم إصلاحه في كتاب المقنع والله أعلم.
أما ميزات الكتاب:
أولًا: ما سبق ذكره في بيان أصول الكتاب ومصادره، إذ اعتمد المصنف البهاء ﵀ في شرحه أصالة على أنفس كتب شيخه الموفق: المقنع والكافي والمغني وغيرها من كتب المذهب، وتميز شرحه بالتحقيق وجودة العبارة وسبكها بما يغني عن ذكر الشواهد عليه.
ثانيًا: ثناء القاضي أحمد بن نصر الله البغدادي ووصف الشرح بأنه شرح محقق يفوق شرح العمدة كمَّا وكيفًا، ونقل عنه في حاشيته على الفروع.
ثالثًا: الإكثار من الاستدلال بالكتاب والسنة وآثار السلف، فلا تكاد تخلو مسألة يمكن الاستدلال لها بذلك إلا قدم أصح الدلالات من الشواهد عليها، عاضدًا استدلاله بذكر وجه الاستدلال، وذكر روايات الإمام أحمد على المسائل، وتوجيه كبار أصحاب على الأدلة ما أمكن، بل أحيانًا يعضد المسألة بذكر من وافق فيها من المذاهب الفقهية المعتبرة، أو بذكر من خالفها منهم، مع الاستدلال أحيانًا، كل ذلك تقوية لمأخذ المسألة في المذهب وإضعاف ما يخالفها، وينتهي أحيانًا إلى الترجيح في الخلاف، وإلى تصحيح المذهب أحيانًا.
رابعًا: أضاف المصنف البهاء على ما في كتب الموفق، ومن ذلك إضافته فصلًا ضمن باب صلاة التطوع في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء، يظهر أنه مأخوذ من كتاب شيخه الحافظ عبد الغني المقدسي من كتاب أخبار الصلاة.
[ ١ / ١١٤ ]
خامسًا: امتاز شرح المصنف بعنايته بالألفاظ الغريبة في الجملة وبيان معانيها.
سادسًا: تصوير المسائل وتقسيمها ولو أدى ذلك إلى عدم التزامه بتمييز نص متن المقنع ودمجه مع الشرح للمسألة أو تقسيمها.
سابعًا: يهتم المصنف بروايات الإمام أحمد، وربما يسعى لتتميم عبارته التي توجد في المغني أو الكافي، وقد يدل ذلك على أنه اطلع على أكثر مما وقف عليه شيخه، مثاله ما جاء في المسألة [٣٢٠/ ١٦] قال الإمام أحمد: «كنت أذهب إلى جواز الاستخلاف، وجبنت عنه، ليس هو في صلاةٍ كيف يستخلف!».
قلت: لم أجد نص الرواية التي أشار لها المصنف في مظانها من كتب المسائل عن الإمام، وهي في المغني ٢/ ٤٢١ دون قوله: «ليس هو في صلاة كيف يستخلف».
ثامنًا: لم يجارِ البهاءُ الموفقَ ابن قدامة في جميع تقريراته، بل خرج عنها في كثير من الأحيان في نسبة الأحاديث وعزوها، وفي تتمة أوجه الاستدلال في المسائل وشرحها، والترجيحات - وقد عقدت فهرسًا لترجيحاته التي زادت على المئة -.
تاسعًا: اقتصار البهاء المقدسي في شرحه على شرح لفظ المقنع الموافق للدليل النصي من الكتاب أو السنة، فقد يهمل أحيانًا ذكر بعض الألفاظ الواردة في متن المقنع إذا لم ترد بالسنة، مثاله: المسألة [٦٧٢/ ٦٧] لم يورد نص المقنع في الدعاء للجنازة: «إنك تعلم منقلنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير»؛ ويظهر لي أن ذلك لكونه ليس في شيء من كتب السنة.
عاشرًا: امتاز شرح البهاء بشرح متن المقنع الذي لم يجرِ عليه قلم التصحيح فيمن أذن لهم الموفق ابن قدامة في تصحيح ما يرونه كما مرَّ سابقًا، وعليه فيمكن من خلال قراءة الكتاب تتبع نصوص المقنع للموفق
[ ١ / ١١٥ ]
ابن قدامة السالمة من التعديل والله أعلم.
الحادي عشر: التعريف ببداية حمل فقرات المسائل في الكتاب، فإنه - وعلى عادته في كتابه العدة - يصدر بداية المسألة بقوله: مسألة، أو فرع، أو فصل، وفي ذلك تمييز للمسألة عما قد يشتبه بها، وفيها فوائد أخرى لا تخفى.
الملاحظات على الشرح:
ما سبق هو أمكنني من خلاله تقويم الكتاب، ويبقى أن الإمام بهاء الدين بشر يعتريه ما يعتري ذرية آدم من النقص، ولذلك أجد لزامًا في دراسة الكتاب وفق الأطر المهنية والأمانة العلمية أن أذكر ما لاحظته من خلل في الشرح، وقد يعتري ما سأذكره مقاصد حسنة لم أقف عليها، ولكني أذكرها تتميمًا لهذا المطلب.
أولًا: يكثر المصنف من إطلاق الخلاف في شرحه، ولا يورد ترجيح أو تصحيح المسائل في كل منه، ولم أتمكن من العثور على سبب ذلك.
ثانيًا: في كثير من الأحيان يهتم بذكر الحديث بلفظه الصحيح عند أهله، ويذكره بألفاظ أخرى عند من خرجه، لكنه أحيانًا يروي الحديث بالمعنى.
ثالثًا: ربما يكون الحديث في الصحيحين أو أحدهما ويعزوه إلى غيرهما، مثاله: قوله في مسألة كراهية الالتفات في الصلاة: حيث أورد حديث عائشة … قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل، رواه سعيد بن منصور»، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، إلا أنه لا يقع منه كثيرًا. (^١)
رابعًا: يقدم في أكثر الأحيان نص المقنع، ثم يتبعه بالشرح والبيان،
_________________
(١) ينظر: صحيح البخاري (٧١٨) ١/ ٢٦١.
[ ١ / ١١٦ ]
إلا أن القليل من المسائل لم يلتزم فيها بذلك، ولم يظهر لي منهجه في عدم الالتزام بذلك.
خامسًا: يدمج في كثير من الأحيان عبارات المقنع مع الشرح، مما قد يعسر معه تمييز متن المقنع، كما لم يظهر لي تطابق عباراته مع ما هو مطبوع، ولعل سبب ذلك أن البهاء كانت عنده نسخة فيها شيء من الاختلاف، إلا أن هذا الاختلاف غير مؤثر في الغالب. (^١)
سادسًا: يختصر المصنف عبارة الشرح أحيانًا - وليس كثيرًا - وقد يصل إلى الإخلال بالمعنى، ومن ذلك قوله في المسألة [٦٩٦/ ٩١] في كراهة إدخال القبر شيئًا مما مسته النار قال: «وكره ما مسته النار؛ للتفائل بالنار»، وقال في المغني ٢/ ١٩٠: «تفاؤلًا بأن لا تمسه النار».
سابعًا: وأخيرًا أغفل ذكر بعض الروايات عن الإمام في بعض المسائل ولم يستوعبها، ولعل سبب ذلك أن شرحه متوسط لم يقصد فيه الاستيعاب، والله أعلم.
وبعد ذلك يبقى أن أشير إلى أن هذه الملحوظات لا تنال - في نظري - من الاستفادة من الكتاب والعناية به، ولولا مقام الدراسة العلمية لما حسن لمثلي ذكرها، ولا أرى أن مثل هذه الملحوظات تقلل من قيمة الكتاب، مع ما لمصنفه من العناية بالوحيين وآثار السلف والحظوة والمكانة العلمية بين علماء الحنابلة، والله أعلم.