ليست بين أيدينا مقدمة الكتاب أو نص من شرح المقنع للبهاء يوضح أصول الكتاب ومصادره، وعليه فلا يمكننا التعرف على أصول مادة الكتاب ومصادره إلا من خلال دراسته في القدر الذي بين أيدينا وما كتب حوله.
وبعد دراستي للمخطوط تبين لي الآتي:
أولًا: أن البهاء ﵀ استقى شرحه على المقنع للموفق ابن قدامة من كتابيه المغني والكافي جميعًا، وجعل شرح متن المقنع ممزوجًا بين الكتابين.
ثانيًا: كتب البهاء الشرح بعد وفاة الموفق ابن قدامة؛ وذلك لما أكثر من الترحم عليه في أثناء الشرح.
لذا تميز شرح البهاء في القطعة الموجودة منه بجمعه بين أهم كتابي الموفق ابن قدامة في الفقه بعد رسوخ في العلم وملازمة لشيخه إلى وفاته إلى أن استقر علم الشيخ بين قلبه وكتبه.
ثالثًا: كثيرٌ من النقول التي في شرح البهاء عن غير الموفق كالإمام أحمد أو تلاميذه أو شراح المذهب وشيوخه كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وغيرهم هو نص ما نقله الموفق في كتابيه المغني والكافي، لذا رأيت أنه من غير المناسب تعداد مصادر تلك النقول على أنها مما رجع له البهاء.
غير أني وقفت على نقل واحد عن ابن عقيل اشترك في إيراده المصنف والشارح (^٢) ولم أجده في كتب الموفق، وأنقله في هذا الموضع
_________________
(١) فهرس المخطوطات الأصلية الصادرة عن إدارة المخطوطات والمكتبات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت ص ٣٤٠.
(٢) الشرح الكبير ١١/ ٣٥٧.
[ ١ / ١٠٥ ]
للفائدة، في الفصل الملحق بالمسألة [١٤٧٥/ ١٩] قال ابن عقيل: «إذا علم بالتَّصريةِ قبل الحلب فله الرَّدُّ، ولا شيء معها».
كما أني وقفت على اختيار للموفق ﵀ اشترك في إيراده المصنف والشارح (^١) ولم أجده في كتب الموفق، وذلك في كتاب البيع في المسألة [١٤١٤/ ١٢] بقوله: «قال شيخنا: ويجوز أن تُدفع للكافر في فِكاك مُسْلمٍ، ويُعْلَم الكافر بنجاسته؛ لأنه ليس ببيعٍ في الحقيقة، إنما يستنقذ المسلم به».
رابعًا: ومن خلال دراستي وتتبعي لنصوص الكتاب وجدت أن البهاء يقدم تقرير ابن قدامة في الكافي على ما في المغني في كثير من الأحيان، ولا أبالغ إن قلت كل الأحيان، وإن أعوزه الشرح لمتن المقنع من الكافي استقى ما لم يجده من المغني، كل ذلك بأسلوب متقن متفنن سلس من غير تكلف.
وسبب ذلك أن المصنف تلقى العلم عن الموفق شفاهة وكتابة، وقارب سن البهاء لسن الموفق في العمر، واتحد مأخذهما من بعض شيوخهما أحيانًا في العلم، فكان لذلك تأثيرًا ظاهرًا في رسوخ البهاء وضبطه لألفاظ الفقه ومعانيه، وخصوصًا التأليف بين كلام شيخه من كتابين مختلفين.
خامسًا: أن من المهم الإحاطة به هو أن شروح المقنع في تلاميذ الموفق ابن قدامة شرحان، شرح البهاء المقدسي (ت ٦٢٤ هـ) والشرح الكبير لابن أبي عمر (ت ٦٨٢ هـ)، وقد لاحظت أن شرح البهاء للمقنع يختلف في تقرير بعض المسائل في نظري القاصر مع اختصاره عن شرح الشارح العلامة عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي ابن أخي الموفق، ولا
_________________
(١) الشرح الكبير ١١/ ٥١.
[ ١ / ١٠٦ ]
يعني هذا بحال أن أحدهما أفضل في الشرح والتحقيق من الآخر، فكلاهما إمام جليل، ولكن لكلٍّ منهما صنعته وتحريره وفق ما استند عليه وانتهج.
ويظهر هذا الاختلاف في الآتي:
أولًا: عدم متابعة البهاء المقدسي ما أصلحه الشارح من مواضع في المقنع، إذ كما سبق أن الشارح ابن أبي عمر قد أذن له الموفق في إصلاح ما يراه كما تقدم ذلك في الكلام على المقنع، إلا أنه بتتبع هذه الإصلاحات من كلام ابن المنجا والمرداوي وجدت أن في بعضها مؤاخذات عليها، ولم يجر البهاء على شيء منها.
ثانيًا: من خلال تتبع تقريرات البهاء وابن أبي عمر لبعض المسائل من المقنع التي شرحاها ومقارنة تقريراتهما، وما وجدته من تقويم الشُّراح من بعدهما لاختيارات ابن أبي عمر خاصة لأنه الشرح المتداول بينهم، ومقارنتها مع تقرير البهاء وما انتهى إليه، خلصت إلى حصر عدد من المسائل اختلف فيها نظر البهاء عن نظر الشارح.
وحيث إني لم أقم بتتبع كل المسائل ولم أقارن بينها فإني أكتفي بإيراد ما وقفت عليه مما نوه عليه المرداوي في الإنصاف، لأنه من أكثر شراح المقنع جمعًا لكتب المذهب، ومن أقدرهم فهمًا وإدراكًا لها.
وعليه سأورد جملة من تلك المسائل التي وقفت عليها مما اختلف فيه نظر البهاء والشارح ابن أبي عمر مع بيان وجه الخلاف باختصار، والثمرة منه في آخر المسألة والله المعين.
أولًا: في مسألة وجوب غسل الكافر إذا أسلم في باب الغسل من كتاب الطهارة قرر البهاء في الرواية الأولى من وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم هو المذهب، وذكر الرواية الثانية: لا غسل عليه، اختارها أبو بكر.
[ ١ / ١٠٧ ]
وذكر المحققون من فقهاء المذهب من جملتهم الشارح تبعًا للموفق في المغني أن الرواية الثانية التي ذكرها البهاء هي من قول أبي بكر عبد العزيز وليست رواية عن الإمام أحمد.
وقد تابع البهاء ﵀ حكاية الوجه رواية ما جرى عليه شيخه في الكافي، وبذلك يكون حكاية الشارح لقول أبي بكر أدق من حكاية المصنف، والله أعلم.
ثانيًا: في باب استقبال القبلة، قرر البهاء المقدسي حالات العجز عن استقبال القبلة، ومنها المسألة [٢٩٣/ ١] فإن كان طالبًا للعدو ويخاف فوته؛ ففيه روايتان، إحداهما: له صلاة الخوف كالمطلوب، وصلى عبد الله بن أنيس ﵁ بالإيماء لما بعثه النبي ﷺ ليقتل خالد بن سفيان الهذلي، ففي نسخة المخطوط: (سفيان بن خالد)، والصواب ما أثبت، وقد تبع البهاء في ذلك ما في الكافي، وهو بخلاف ما وقع من الصواب في المغني والشرح الكبير، والله أعلم. (^١)
ثالثًا: مسألة [٦٥٣/ ٥٠] في نزع ثياب الشهيد وتكفينه بغيرها، قال المرداوي: «وشذ القاضي في المجرد فجعل ذلك مستحبًّا، وتبعه على ذلك أبو محمد، قلت: جزم به في المغني والشرح ونصراه» (^٢)، قلت: وهو تقرير البهاء أيضًا.
رابعًا: جاء في المقنع في الواجب من الأفعال من الصلاة على الميت قوله: «والواجب من ذلك القيام، والتكبيرات، والفاتحة، والصلاة على النبي ﷺ، وأدنى دعاء للميت، والسلام»، وذكر البهاء عبارة المقنع في شرحه وعلق عليها ولم يذكر القيام، قال المرداوي في الإنصاف: «تبع فى ذلك - أي الموفق في المقنع - أكثر الأصحاب، ومراده إذا
_________________
(١) الكافي ١/ ٢٦٤، والمغني ١/ ٢٥٩، والشرح الكبير ٥/ ١٥٢.
(٢) الإنصاف ٦/ ٩٤.
[ ١ / ١٠٨ ]
كانت الصلاة فرضًا».
قلت: ثم شرع المرداوي يعدد من فسر كلام المؤلف بذلك، ثم قال: «وقد ذكروا - أي بعض الأصحاب - الأركان، ولم يذكروا القيام، فظاهره أنه غير ركن، ولم أر من صرح بذلك مطلقًا»، قلت: ولعل لهذا السبب لم يضمن المصنف البهاء القيام ضمن الواجبات والله أعلم.
أما ابن أبي عمر في الشرح فقد تبع ابن قدامة في عبارته ولم يعلق عليه، ولعله أراد ما ذكره المرداوي من تفسير كلام الموفق، والله أعلم. (^١)
خامسًا: في مسألة إخراج الزكاة في الفطرة، قال المصنف البهاء في المسألة [٨١٨/ ١٩]: «وأفضل المُخرَج التَّمر؛ لما روى مجاهدٌ قال: «قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، وأنا أحب أن أسلكه».
قال أحمد بن نصر الله البغدادي في حاشيته على الفروع ١/ ٤٠٧: «وقع في الكافي أن القائل لابن عمر مجاهد، وتابعه ابن المنجا والمقدسي في شرحيهما، والظاهر أنه وهم».
قلت: وهو كذلك والله أعلم، كما خرجته في موضعه من النص المحقق، وفي المغني والشرح الكبير أنه من طريق أبي مجلز. (^٢)
سادسًا: في مسألة هل يكون الحاج بعد التحلل الأول مُحرمًا؟ وهل للوطء تأثير على حجه؟ قال الزركشي: «إذا وطئ بعد الطواف وقبل الرمي فظاهر كلام جماعة أنه كالأول، لإناطتهم الحكم بالوطء بعد التحلل الأول، ولأبي محمد في موضع في لزوم الدم والحال هذه احتمالان، وله في موضع في لزوم الدم متابعة للأصحاب».
_________________
(١) المقنع الصفحة ٧٩، والشرح الكبير ٦/ ١٦١، والإنصاف ٦/ ١٦٠.
(٢) المغني ٢/ ٦٦٦، والشرح الكبير ٧/ ١٣٣.
[ ١ / ١٠٩ ]
وقال في الإنصاف: «وذكر المصنف في المغني هنا - أي في موضع الشرح من المقنع -، وتبعه في الشرح أنه مُحرِمٌ، وقالا في مسألة ما يباح بالتحلل الأول: نمنع أنه محرم، وإنما بقي بعض أحكام الإحرام».
قلت: أما المصنف البهاء فقرر في المسألة [١٠٦٦/ ٣٨] أن من وطئ بعد التحلل الأول لا يفسد حجه، ثم قال: «لكنه يمضي إلى الحل فيُحرم، ليطوف للزيارة بإحرامٍ صحيحٍ»، ولم يأت بعبارة المقنع التي تعقبها الزركشي والمرداوي بأنه محرم: «ويمضي إلى التنعيم فيحرم ليطوف وهو محرم» كما صنع الشارح في اتباعه للموفق والله أعلم. (^١)
سابعًا: مسألة المحرم إذا ارتكب محظورين من محظورات الإحرام من جنس واحد، فكفر للأول منهما، لزمته للثاني كفارةٌ، كما قرره المصنف البهاء في المسألة [١٠٨١/ ٩]، قال في الإنصاف: «هذا المذهب وعليه الأصحاب ولا أجد فيه خلافًا، إلا أن المصنف - أي صاحب المقنع - والشارح وصاحب الفروع ذكروا الخلاف المتقدم - يعني الخلاف فيمن كرر محظورًا من جنس ولم يكفر - بعد ذكر هذه المسألة، وذكر في الرعاية الرواية الأولى في المسألة الأولى وأعادها في الثانية، وليس بشيء»، والبهاء في هذه المسألة لم يذكر الخلاف على نحو ما ذكر في المغني والشرح. (^٢)
ثامنًا: مسألة حكم السعي بين الصفا والمروة، فاختار الموفق ابن قدامة في المغني والشارح أنه واجب، في حين قرر المصنف البهاء الركنية عند ذكر أركان الحج بالاستدلال عليها كما في الكافي ولم يختر الوجوب. (^٣)
_________________
(١) شرح الزركشي على الخرقي ١/ ٥٦٦، والمقنع ص ١١٧، والإنصاف ٨/ ٣٤٧.
(٢) الإنصاف ٨/ ٤٢٣.
(٣) الكافي ٢/ ٤٢٢، والشرح الكبير ٩/ ٢٩٢.
[ ١ / ١١٠ ]
تاسعًا: مسألة وقت ذبح الأضحيَّة في العيد في حق أهل المصر، فإن المصنف البهاء في المسألة [١٢٠٧/ ١٦] تبع الموفق في الكافي أن الذبح يكون بعد صلاة العيد والخطبة أو قدرهما، في حين أن الصحيح من المذهب أن وقت الذبح بعد صلاة العيد فقط، قال في الإنصاف: «وهو المذهب، وعليه عامة الأصحاب»، وهو ما قرره الشارح واختاره وصوبه، وتبع فيه الموفق في المغني، وعليه يكون ما تقرر في اختيار الشارح ابن أبي عمر أصوب والله أعلم. (^١)
عاشرًا: في المسألة [١٢١٠/ ١٩] فيمن عين الهدي بالنية فإنه يتعين بذلك، وهو تقرير ابن قدامة في المغني والمقنع واختياره على ما ذكر المرداوي في الإنصاف، وقرر الموفق في الكافي وتبعه المصنف البهاء المقدسي أنه يتعين الهدي بالنية وبالفعل المجرد عن النية بقوله: «وإن قلَّد الهدي أو أشعره تعين بذلك أيضًا»، وتعقب الزركشي هذا القول في شرحه وقال: «خالف أبو محمد عامة الأصحاب»، وبذلك يكون تقرير الشارح الذي تابع عليه ابن قدامة في المغني هو الأصوب. (^٢)
الحادي عشر: في المسألة [١٤٦٩/ ١١] ذكر المصنف البهاء «ليس لواحدٍ منهما - أي البائعين - التَّصرف في المبيع في مدَّة الخيار؛ لأنه ليس بمِلكٍ للبائع فيتصرف فيه، ولا انقطعت عنه عُلَقُه فيتصرف فيه المشتري، فإن تصرفا ببيعٍ أو هبةٍ أو نحوهما لم ينفذ تصرفهما لذلك، ويكون تصرف البائع فسخًا للبيع، وتصرف المشتري إسقاطًا لخياره في أحد الوجهين»، قال في الإنصاف: «وهما روايتان في المغني والشرح والفروع وغيرهم، ووجهان عند كثير من الأصحاب»، وعليه تكون حكاية
_________________
(١) المغني ٩/ ٣٥٨، والكافي ٢/ ٥٠٢، والشرح الكبير ٩/ ٣٦٣ والإنصاف ٩/ ٣٦٣.
(٢) المغني ٩/ ٣٧٢، الكافي ٢/ ٤٧٣، وشرح الزركشي على الخرقي ٣/ ٢٨٠، والإنصاف ٩/ ٣٧٣.
[ ١ / ١١١ ]
المصنف للوجهين فيها دقة أكثر والله أعلم. (^١)
الثاني عشر: في المسألة [١٤٧٠/ ١٢] إن استخدم المشتري المبيع أثناء مدة الخيار لا يبطل خياره، وهذا إذا كان الاستخدام للتجربة، ولم يحك فيها خلافًا، أما إذا كان الاستخدام في غير التجربة ففي بطلان الخيار روايتان.
قال في الإنصاف: «وذكر جماعة قولًا إن استخدمه للتجربة بَطَل، وإلا فلا، منهم صاحب الرعاية والفروع والفائق وغيرهم، وذكروه قولًا ثالثًا، وهو احتمال في المغني والشرح، فظاهر كلامهم أن الخلاف يشمل الاستخدام للتجربة، وهو بعيد».
إلا أن ابن قندس في حاشية الفروع قال: «لم أجد أحدًا صرح بأن التجربة فيه روايتان، بل كلامهم دالٌّ على أنه لا خلاف فيه، بعضه صريحًا وبعضه ظاهرًا»، قلت: فقد يكون فهم الاحتمال من المرداوي في المسألة بعيدًا والله أعلم. (^٢)
الثالث عشر: في المسألة [١٥٥٠/ ٥] ذكر البهاء في باب الأصول والثمار أنواع الشجر الذي به ثمر ستة أنواع كما في الكافي، في حين ذكر الشارح خمسة أنواع تبعًا للموفق في المغني.
ويلاحظ في هذه المسألة أن نسخة المخطوط ورد فيها النص على هذا النحو: «والشَّجَر على خمسة أضرب»، إلا أن البهاء ذكر ستَّةً، فلعل هذا من سبق قلمه وملاحظته ما في المغني والكافي معًا والله أعلم.
ويمكن أن نخلص من هذه المقارنة والنقولات إلى ما امتاز به المصنف البهاء في شرحه من عدم تقيده بتقريرات الموفق ابن قدامة في
_________________
(١) الإنصاف ١١/ ٣١٧.
(٢) الإنصاف ١١/ ٣٢١، وحاشية ابن قندس على الفروع ٦/ ٢٢٢
[ ١ / ١١٢ ]
أي من كتابيه، كما يظهر تحقيق المصنف في بعض المسائل على ما تابع عليه الشارح الموفق في المغني. (^١)