(وهما مشروعان للصَّلوات الخمس)؛ بدليل حديث عبد الله بن زيد ﵁ (^١) (^٢).
(ولا يشرعان لغيرها)؛ لأن المقصود منهما الإعلام بوقت المفروضة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها.
[٢١٠/ ١] مسألة: وهما مشروعان (للرجال دون النساء)، قال الحسن (^٣)، وإبراهيم (^٤)، والشعبي (^٥)،
_________________
(١) عبد الله بن زيد هو: أبو محمد ابن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي المدني (ت ٣٢ هـ)، صحابيٌّ مشهورٌ بخبر رؤيته للأذان وروايته لحديثه، وهو غير عبد الله بن زيد المازني راوي حديث الوضوء، كان يكتب بالعربية قبل الإسلام، وكانت الكتابة في العرب قليلةً، وشهد العقبة، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وجمع له ابن حجر جزءًا في أحاديثه المروية بين الستة والسبعة أحاديث. ينظر: طبقات ابن سعد ٣/ ٥٣٦، والإصابة ٤/ ٩٧.
(٢) سيأتي ذكره بتمامه في المسألة [٢١٤/ ٥]، والحديث أخرجه أحمد في مسنده (١٦٥٢٥) ٤/ ٤٣، وأبو داوود في سننه (٤٩٩) ١/ ١٣٥، وابن ماجه في سننه (٧٠٦) ١/ ٢٣٢، وصححه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٣٩، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٥٧٢.
(٣) وهو الحسن البصري، وقد تقدمت ترجمته.
(٤) وهو إبراهيم النخعي، وقد تقدمت ترجمته.
(٥) الشعبي هو: عامر بن شراحيل الشعبي (١٩ - ١٠٣ هـ) أصله من حمير، منسوب إلى (شَعْبِ هَمْدان)، ولد ونشأ بالكوفة، من كبار التابعين، إمامٌ، ومحدثٌ، مشهورٌ بحفظه للسنة، أخذ عنه أبو حنيفة وغيره، اتصل بعبد الملك بن مروان، فكان نديمه وسميره، خرج مع ابن الأشعث، فلما قَدر عليه الحجاج عفا عنه. ينظر: الوافي بالوفيات ١/ ٢٤٤، والبداية والنهاية ٩/ ٤٩، وتهذيب التهذيب ٥/ ٦٩.
[ ١ / ٣١٨ ]
وسليمان بن يسار (^١): «ليس على النساء أذانٌ ولا إقامةٌ» رواه سعيد (^٢). (^٣)
(وهما فرض كفايةٍ)؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فلم يجز تعطيلهما كالجهاد.
(فإن اتفق أهل بلدٍ على تركهما قاتلهم الإمام)؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فيقاتلهم على [تركهما] (^٤) كالعيدين. (^٥)
[٢١١/ ٢] مسألة: (ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر
_________________
(١) سليمان بن يسار هو: أبو أيوب سليمان بن يسار مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن (٢٤ - ١٠٧ هـ)، وهو أخٌ لعطاء بن يسار، أحد الفقهاء السبعة، من أهل فقه وصلاح، روى عن: ميمونة، وأم سلمة، وعائشة، وفاطمة بنت قيس، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وزيد بن ثابت، وابن عباسرضي الله عنهم، وروى عنه: عمرو بن دينار، وأبو الزناد، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ٤١، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٤، وتهذيب التهذيب ٤/ ٢٠٠.
(٢) لم أجده في الجزء المطبوع من سنن سعيد بن منصور، والآثار جميعًا عدا الأثر عن الشعبي أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٢٠١، وأما الشعبي فلم أجد من خرج القول عنه.
(٣) وهو المذهب، وعليه جمهور الحنابلة، وعليه فهو مكروه في حقهن، والرواية الثانية، يباح لهن مع خفض الصوت، والرواية الثالثة: أنهما يستحبان، والرواية الرابعة: يسن لهن الإقامة فقط، قال في شرح العمدة بعد أن ساق الروايات السابقة: «وينبغي أنه إن كان هناك من يسمع صوتها من الرجال والأجانب أن يحرم». ينظر: شرح العمدة ٢/ ١٠٢، والفروع ٢/ ٨، والإنصاف ٣/ ٤٩، وكشاف القناع ٢/ ٣٤.
(٤) في نسخة المخطوط (تركها) وقد صوبتها كما في الصلب، لعود الضمير على الأذان والإقامة.
(٥) ما قرره المصنف من أن الاذان والإقامة فرضا كفاية هو الصحيح من المذهب وعليه جمهور الحنابلة، وهو من المفردات، والرواية الثانية: هما سنة، والرواية الثالثة: هما فرض للجمعة فقط. ينظر: الفروع ٢/ ٥، والإنصاف ٣/ ٥١، وكشاف القناع ٢/ ٣٦. فائدة: وهل حكم السفر كحكم الحضر؟ فيه خلاف في المذهب، ولم أر الدخول فيه لأنه ليس من صلب المسألة، وقال في الإنصاف ٣/ ٥٣: «فعلى القول بأنهما فرض كفاية في أصل المسألة يستثنى من ذلك المصلي وحده والصلاة المنذورة والقضاء على الصحيح من المذهب، فليس هما في حقهم فرض كفاية».
[ ١ / ٣١٩ ]
الروايتين)؛ لما روى عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: «إن آخر ما عهد إليَّ النبي ﷺ أن أتخذَ مؤذِّنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا»، قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ» (^١)، ولأنه قربةٌ لفاعله أشبه الإمامة. (^٢)
(وإن لم يوجد من يتطوع به رَزَقَ الإمام من بيت المال من يقوم به)؛ لأن الحاجة داعية إليه، فجاز أخذُ الرَّزْقَ عليه كالجهاد. (^٣)
[٢١٢/ ٣] مسألة: (وينبغي أن يكون المؤذن صيِّتًا)؛ لأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن زيد ﵁: «ألْقِهِ على بلالٍ؛ فإنه أندى صوتًا منك» (^٤)، ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
وأن يكون (أمينًا)؛ لأنه يؤتمن على الأوقات فإذا لم يكن عدلًا غرَّهم بأذانه في غير الوقت.
ويكون (عالمًا بالأوقات) ليتمكن من الأذان في أوائلها. (^٥)
[٢١٣/ ٤] مسألة: (فإن تشاحَّ نفسان في الأذان قدم أفضلهما في هذه الخصال المذكورة)؛ لأن النبي ﷺ قدم بلالًا على عبدالله لكونه أندى صوتًا (^٦)، وقسنا عليه باقي الخصال.
_________________
(١) جامع الترمذي (٢٠٩) ١/ ٤٠٩ وقال: «حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه»، كما أخرج الحديث ابن ماجه في سننه (٧١٤) ١/ ٢٣٦، وبنحوه عند أحمد في مسنده (١٦٣١٦) ٤/ ٢١، وأبي داود في سننه (٥٣١) ١/ ١٤٦، والحاكم في مستدركه ١/ ٣١٧، وقال: «حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرجاه».
(٢) ما قرره المصنف من عدم جواز أخذ الأجرة عليه هو المذهب، والرواية الأخرى التي أشار إليها المصنف: الجواز، والرواية الثالثة: الكراهة. ينظر: المبدع ١/ ٣١٤، والإنصاف ٣/ ٥٧، وكشاف القناع ٢/ ٤١.
(٣) قال في المغني ١/ ٢٤٩: «ولا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه؛ لأن بالمسلمين حاجة إليه، وقد لا يوجد متطوع به وإذا لم يدفع الرزق فيه يعطل».
(٤) سيأتي الحديث بتمامه في المسألة التالية، وقد سبق تخريجه في بداية الباب.
(٥) حاشية: بلغ العرض.
(٦) يعني تقديم بلال بن رباح على عبدالله بن زيد ﵃ كما قرره قبل قليل.
[ ١ / ٣٢٠ ]
(ثم) يقدم (أفضلهما في دينه وعقله)، إن استويا في الخصال.
(ثم من يختاره الجيران)، لأن الأذان لإعلامهم، فكان لرضاهم أثرٌ في التقدم.
(فإن استويا أقرع بينهما)؛ لقول النبي ﷺ «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفقٌ عليه (^١)، وتشاحَّ الناس في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد ﵁ (^٢). (^٣)
[٢١٤/ ٥] مسألة: (والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه، والإقامة إحدى عشرة كلمة)؛ وأصله حديث عبد الله بن زيد ﵁ أنه قال: «لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائمٌ رجلٌ يحمل ناقوسًا، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدُلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله
_________________
(١) صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (٥٩٠) ١/ ٢٢٢، وصحيح مسلم (٤٣٧) ١/ ٣٢٥.
(٢) أخرجه البيهقي في سننه من حدبث سعد بن أبي وقاص ﵁ ١/ ٤٢٨، ذكره البخاري في صحيحه معلقا ١/ ٢٢٢ بهذا اللفظ: «باب الاستهام في الأذان، ويذكر أن أقوامًا اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد»، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق ٢/ ٢٢٦ من الطريق الذي أخرجه به البيهقي، وقال: «وهذا إسنادٌ منقطع».
(٣) المذهب في تقديم المؤذن على ما قرره المصنف، وللمذهب أيضًا طرق كثيرة في توجيه الروايات عن الإمام وتقديم الأفضل مبنية على النظر والقياس، أعرضت عن تتبعها وذكرها خشية طول المقام. ينظر: الكافي ١/ ٢٢٢، وشرح العمدة ٢/ ١٤٢، والفروع ٢/ ٢٠، والإنصاف ٣/ ٦١. وقال القاضي في الروايتين والوجهين ١/ ١١٣: «ولأنهما قد تساويا في وجه لا يمكن تقديم أحدهما، أشبه العتق في المرض لعبد من عبيده وطلاق امرأة من نسائه لا بعينها».
[ ١ / ٣٢١ ]
أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر عني غير بعيدٍ، ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة فذكر الإقامة مفردةً، غير أنه يقول قد قامت الصلاة مرتين، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حقٌّ إن شاء الله، فقم مع بلال فأَلقِ عليه ما رأيت عليه فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك» رواه أبو داود (^١).
فهذه صفة الأذان والإقامة المستحبين؛ لأن بلالًا كان يؤذن به حضرًا وسفرًا مع رسول الله ﷺ إلى أن مات (^٢).
(وهو خمس عشرة كلمةً، والإقامة إحدى عشرة، وليس فيه ترجيعٌ)، والترجيع: أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين يخفض بذلك صوته ثم يعيدهما رافعًا بهما صوته (^٣). (^٤)
(فإن رجَّع في الأذان، أو ثَنّى الإقامة فلا بأس)؛ لما روى أبو محذورة ﵁ (^٥) أن النبي ﷺ قال له تقول: «أشهد أن لا إله إلا
_________________
(١) الحديث سبق تخريجه في بداية الباب.
(٢) إن كون بلالٍ ﵁ مؤذنَ رسول الله ﷺ مشهورٌ، وأصله ما ثابت في حديث عبد الله بن زيد ﵁ وغيره في عشرات الأحاديث، ولم يرد أن أذانه تغير إلى وفاة النبي ﷺ، وأما أنه كان على هذا الأذان إلى أن مات فلم أجد له أثرًا مخرجًا يدل على ذلك والله أعلم، وجاء في مسائل ابن هانئ ١/ ٤٠: «سألت أبا عبد الله عن أذان أبي محذورة؟ فقال: نحن نذهب إلى آخر الأمرين، وهذا آخر الأمرين». قلت: يعني بآخر الأمرين أن بلالًا عُلم الأذان السنة الأولى للهجرة، وأما أبو محذورة فعُلم الأذان عام الفتح. ينظر: الكافي ١/ ٢١٨.
(٣) ينظر: المغني ١/ ٢٤٣، والمبدع ١/ ٣١٨، الإنصاف ٣/ ٦٧.
(٤) كما في حديث عبد الله بن زيد ﵁.
(٥) أبو محذورة هو: سمرة وقيل: أوس بن معير القرشي (ت ٥٩ هـ)، وفي اسمه اختلاف كثير، وما أثبته في الأول قال ابن حجر عنه: «إنه المشهور»، صحابيٌّ، أسلم يوم فتح مكة، وكان مؤذن النبي ﷺ بمكة، ومكث فيها إلى أن مات، حدث عنه ابنه عبد الملك، وزوجته، والأسود بن يزيد، وعبد الله بن محيريز، وابن أبي مليكة، وآخرون. ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ١٧٧، وطبقات ابن سعد ٥/ ٤٥٠، وسير أعلام النبلاء ٢/ ١١٧، والإصابة ٧/ ٢٦٥.
[ ١ / ٣٢٢ ]
الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فذكر مرتين تخفض بهما صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله فذكر مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله فذكر مرتين» حديثٌ صحيحٌ (^١).
وتثنية الإقامة: أن يجعلها مثل الأذان (^٢)؛ لحديث عبدالله بن زيد ﵁: «أن الذي علمه الأذان أمهل هنيهة، ثم قام فقال مثلها» رواه أبو داود (^٣)، وروى ابن مُحيريز (^٤) عن أبي محذورة ﵁ أن النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه (٣٧٩) ١٢٨٧، وهذا الحديث استدل به المصنف على إثبات الترجيع، وهو استدلال في محله لا إشكال فيه، ولكن رواية مسلم في الصحيح بهذا النحو منتقدةٌ بجعل التكبير فيها مثنى وليس مربعًا، قال: القاضي عياض في شرح مسلم: «ذكر مسلم فى تعليم النبى ﷺ الأذان لأبى محذورة ﵁ التكبير أولا مرتين، كذا فى أكثر الأصول وروايات جماعة شيوخنا، ووقع فى بعض طرق الفارسى الأذان أربع مرات» إكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ١٤٤، وقال أيضًا: «وفي الأذان في حديث أبي محذورة ذكر التكبير أولا مرتين عند جميعهم وعند الفارسي من بعض طرقه أربعًا وهو أكثر الروايات عن أبي محذورة ومقتضى قوله علمني النبي ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة» مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٤٠١.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٢٤٤.
(٣) سبق تخريج الحديث في بداية الباب، ورواية أبي داود التي ذكرها المصنف رقمها (٥٠٦) ١/ ١٣٨، ولكنها رواية ضعيفة، ورجح في معالم السنن الحديث الثابت فيه الأذان مرتين مرتين والإقامة مرة مرة: «روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة وهذا الإسناد أصحها» ١/ ٢٧٢، وقرر ابن حجر بنحو ما قاله الخطابي في الفتح ٣/ ٤٠٤.
(٤) ابن محيريز هو: أبو محيريز عبد الله بن محيريز الجمحي القرشي الشامي، تابعيٌّ، قال في الاستيعاب: «كانت له جلالةٌ في الدين والعلم»، سمع من أبي محذورة وأبي سعيد الخدري، سمع منه الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان ومكحول، ومات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكانت ولاية الوليد من سنة ٨٦ حتى سنة ٩٠ هـ. ينظر: التاريخ الكبير ٥/ ١٩٣، والاستيعاب ٢/ ٩٨٤، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٩٥.
[ ١ / ٣٢٣ ]
علمه الإقامة سبعة عشر كلمة (^١). (^٢)
[٢١٥/ ٦] مسألة: (ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين)؛ لما روى أبو محذورة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: «إن كان في أذان الصبح قلتَ: الصلاة خير من النوم مرتين» رواه النسائي (^٣)،
_________________
(١) سبق تخريج حديث أبي محذورة ﵁ في صحيح مسلم قبل قليل، ولم يذكر فيه الإقامة، ولا عدد كلمات الأذان، بل ذكره مفصلًا كما سبق، والرواية التي ساقها المصنف أخرجها أبو داود في سننه (٥٠٢) ١/ ١٣٧، والترمذي في جامعه (١٩٢) ١/ ٣٦٧، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وابن ماجه في سننه (٧٠٩) ١/ ٢٣٥، والنسائي في سننه (٦٣٠) ٢/ ٤، وصححه ابن حبان في صحيحه ٤/ ٥٧٧. وفي ألفاظ حديث أبي محذورة اختلاف كبير وتعارض ظاهر في كتب الحديث، وتقصي ذلك الاختلاف يطول، قال ابن قدامة في المغني ١/ ٢٤٤: «وخبر أبي محذورة متروك بالإجماع في الترجيع في الإقامة». قلت: ظاهر كلام ابن قدامة أن خبر أبي محذورة الذي فيه الترجيع في الأذان السابق لا يستدل به على تثنية الإقامة وجعلها كالأذان، لأن خبر أبي محذورة ورد فيه الترجيع للأذان فقط، لذلك قال ابن قدامة «عملنا نحن وأبو حنيفة بخبره في الأذان - يعني في الرواية الثانية بالمذهب - وأخذ بأذانه مالك والشافعي وهما يريان إفراد الإقامة» بمعنى أن حديث أبي محذورة لا دليل فيه على الترجيع في الإقامة، فلا يصح الاستدلال به على جعل الإقامة مثناة بلا ترجيع مع زيادة قول قد قامت الصلاة مرتين لتصبح سبع عشر كلمة، ولكن في بعض طرق حديث أبي محذورة كما عند النسائي ثبت أن الإقامة سبع عشر كلمة من غير ترجيع، والله أعلم. ينظر: الشرح الكبير ٣/ ٨٦، وفتح الباري لابن رجب ٥/ ١٩٨، والبدر المنير ٣/ ٣٣١.
(٢) شمل كلام المصنف في هذه الفقرة مسائل: الأولى: بالنسبة للأذان فإن ما قرره المصنف هو الصحيح من المذهب كما في حديث عبد الله بن زيد ﵁ بلا ترجيع، والرواية الثانية: الترجيع في الأذان أفضل، والرواية الثالثة: كراهة الترجيع. الثانية: ما قرره المصنف بالنسبة لإفراد الإقامة هو المذهب، والرواية الثانية: هو مخير بين الإفراد والتثنية. الثالثة: قول المصنف: (فإن رجع في الأذان أو ثنى الإقامة فلا بأس) هو المذهب. ينظر: المغني ١/ ١٣٤، والفروع ٢/ ٩، والإنصاف ٣/ ٦٤ - ٦٧، وكشاف القناع ٢/ ٤٧.
(٣) الحديث سبق تخريجه قريبًا، وهو عند النسائي (٦٤٧) ٢/ ١٣.
[ ١ / ٣٢٤ ]
ويكون بعد الحَيعلة؛ لما روى النسائي عن أبي محذورة ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله عَلِّمني سُنَّة الأذان؟ فذكر إلى أن قال بعد قوله: «حي على الفلاح» فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» (^١). (^٢)
[٢١٦/ ٧] مسألة: (ويستحب أن يترسل في الأذان، ويَحدُر الإقامة (^٣)؛ لأن النبي ﷺ قال: «يا بلال إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحْدُر» رواه أبو داود (^٤)، ولأن الأذان إعلام الغائبين، والترسُّل فيه أبلغ في الإسماع، والإقامة إعلام الحاضرين، فلم يحتج إلى الترسل فيه.
[٢١٧/ ٨] مسألة: (ويؤذن قائمًا)؛ لقول النبي ﷺ لبلال ﵁: «قم فأذن» (^٥)، ولأنه أبلغ في الإسماع. (^٦)
_________________
(١) الحديث سبق تخريجه قريبًا، وهو عند النسائي (٦٣٣) ٢/ ٧.
(٢) لاخلاف في المذهب في استحباب قول (الصلاة خير من النوم)، ولكن هل يجب القول؟ على روايتين: الأولى: لا تجب، وهو المذهب، وعليها جمهور الحنابلة، والثانية: تجب، وهي من مفردات المذهب. ينظر: الكافي ١/ ٢١٨، والفروع وحاشية ابن قندس عليه ٢/ ٩، والإنصاف ٣/ ٦٩، وكشاف القناع ٢/ ٥١.
(٣) الترسل: هو التمهل والتبين، والإحدار: الإسراع. ينظر: شرح الزركشي ١/ ١٥٨.
(٤) الحديث لم أجده في سنن أبي داود، وهو مخرج عند الترمذي بلفظه من حديث جابر بن عبدالله ﵁ (١٩٥) ١/ ٣٧٣، وضعفه، وقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبدالمنعم وهو إسناد مجهول وعبد المنعم شيخ بصري»، وقال الحاكم في مستدركه ١/ ٣٢٠: «هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه»، وتعقب قول الحاكم في البدر المنير ٣/ ٣٩٤، والتلخيص الحبير ١/ ٢٠٠ بأن الأئمة على تضعيف الحديث للجرح في رواته.
(٥) الحديث سبق تخريجه من حديث عبدالله بن زيد ﵁ في بداية الباب.
(٦) المذهب على ما قرر المصنف وهو استحباب الأذان قائمًا، ولكن لو أذن جالسًا أو ماشيًا؛ فالصحيح من المذهب الجواز كما قرره في الإنصاف، والرواية الثانية: الكراهة، والرواية الثالثة: التحريم ويفيد البطلان، وقيدت الرواية بالمشي الكثير، والرواية الرابعة: يكره في الحضر دون السفر، والرواية الخامسة: يكره في الإقامة في الحضر خاصة. ينظر: الفروع ٢/ ١٢، والإنصاف ٣/ ٧٤، وكشاف القناع ٢/ ٥٥ إلا أنه اختار كراهة الأذان قاعدًا وماشيًا في الحضر دون السفر.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ويكون (متطهرًا)؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» رواه الترمذي (^١)، وروي موقوفًا على أبي هريرة وهو أصح (^٢)، فإن أذن مُحْدثًا جاز؛ لأنه لا يزيد على قراءة القرآن. (^٣)
[٢١٨/ ٩] مسألة: ويكون (على موضعٍ عالٍ)؛ لأنه أبلغ في الإعلام، وروي أن بلالًا ﵁ كان يؤذن على سطح امرأة (^٤).
[٢١٩/ ١٠] مسألة: ويكون (مستقبل القبلة)، وهذا إجماع، ولأن مؤذني النبي ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة (^٥). (^٦)
[٢٢٠/ ١١] مسألة: (ويلتفت يمينًا إذا قال: حي على الصلاة، ويسارًا
_________________
(١) جامع الترمذي (٢٠٠) ١/ ٣٨٩، وضعفه لكونه منقطعًا. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٢٠٦.
(٢) جامع الترمذي (٢٠١) ١/ ٣٩٠، وصححه وقال: «وهذا أصح من الحديث الأول». ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٢٠٦.
(٣) لا خلاف في المذهب في استحباب التطهر للأذان، ولا يخلو الحدث من المؤذن من حالين: الأول: أن يكون حدثه حدثًا أصغر، فالمذهب أن أذانه صحيح وإقامته مكروهة للفصل بينها وبين الصلاة، قال في الإنصاف ٣/ ٧٥: «بلا نزاع». الثاني: أن يكون حدثه حدثًا أكبر، فالصحيح من المذهب أن أذانه يصح، وعليه جماهير الحنابلة، والرواية الثانية: يعيد أذانه، وقيل: في أذان الجنب وجهان وليس روايتين. ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١١١، والكافي ٢/ ٢٢٢، والإنصاف ٣/ ٧٥، وكشاف القناع ٢/ ٥٦.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٥١٩) ١/ ١٤٣، وحسنه ابن القطان في بيان والوهم والإيهام ٥/ ٣٣٧.
(٥) لم أجد أثرًا فيما يخص أن مؤذني النبي ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة، وإن كان مشهورًا، وهو الأصل لأنها أشرف الجهات، قال في المبدع ١/ ٣٢١ تعليلًا: «لما روى أبو داود مرسلًا أن الذي رآه عبد الله بن زيد استقبل وأذن»، والحديث سبق تخريجه في بداية الباب. وينظر: توثيق قول المصنف في المغني ١/ ١٥٤.
(٦) ينظر: الأوسط ٣/ ٢٨، والمغني ١/ ١٥٤.
[ ١ / ٣٢٦ ]
إذا قال: حي على الفلاح، ولا يزيل قدميه (^١)، ويجعل إصْبَعَيهِ في أذنيه)؛ لما روى أبو جُحيفة (^٢) ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو في قُبةٍ حمراء من أدمٍ، وأذن بلالٌ، فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح» متفقٌ عليه (^٣)، وفي لفظ: «ولم يستدر وإصْبَعاه في أذنيه» رواه الترمذي (^٤). (^٥)
[٢٢١/ ١٢] مسألة: (ويتولاهما معًا)؛ لما روى زياد بن الحارث الصُدَائي ﵁ (^٦) أنه أذن، فجاء بلال ﵁ ليقيم فقال النبي ﷺ: «إن أخا
_________________
(١) في المطبوع من المقنع ص ٤٢ قوله: (ولم يستدر).
(٢) أبو جحيفة هو: وهب بن عبد الله السُّوائي، ويقال عنه: وهب الخير (ت ٧٤ هـ)، من صغار الصحابة، من أسنان ابن عباس ﵁، كان صاحب شرطة علي ﵁، حدث عن النبي ﷺ، وعن علي والبراء ﵄، روى عنه: علي بن الأقمر، والحكم بن عتيبة، وولده عون بن أبي جحيفة وآخرون. ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٥٦١، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢٠٢.
(٣) صحيح البخاري (٦٠٨) ١/ ٢٢٧، وصحيح مسلم (٥٠٣) ١/ ٣٦٠ واللفظ له.
(٤) جامع الترمذي (١٩٧) ١/ ٣٧٠.
(٥) شمل كلام المصنف ثلاث مسائل: الأولى: الالتفات يمينًا وشمالًا في الحيعلتين عند الأذان دون الإقامة، فما قرره المصنف فيه هو المذهب. الثانية: قوله: (ولا يزيل قدميه) فما قرره المصنف هو المذهب، والرواية الثانية: أنه يزيل قدميه في منارة ونحوها، قال في الإنصاف ٣/ ٧٧: «وهو الصواب، لأنه أبلغ في الإعلام، وهو المعمول به». الثالثة: جعل إصبعيه في أذنيه، والمذهب على ما قرره المصنف، وعليه جماهير الحنابلة، والرواية الثانية: يجعل أصابعه على أذنيه مبسوطة مضمومة سوى الإبهام، والرواية الثالثة: يفعل ما سبق مع قبضه على كفيه. ينظر: الكافي ١/ ٢٢٥، والفروع ٢/ ١٥، والإنصاف ٣/ ٧٧ - ٨١، وكشاف القناع ٢/ ٥٩.
(٦) زياد بن الحارث الصدائي هو: صحابي من أهل اليمن، بايع النبي ﷺ، وأذن بين يديه، واشتَهر بروايته حديث الأذان والإقامة الآتي ذكره، روى عنه: زياد بن نعيم الحضرمي. ينظر: الاستيعاب ٢/ ٥٣٠، والإصابة ٢/ ٥٣٢، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣١٠.
[ ١ / ٣٢٧ ]
صُداء أذن، ومن أذن فهو يقيم» من المسند (^١). (^٢)
[٢٢٢/ ١٣] مسألة: (ويستحب أن يقيم في موضع أذانه إلا أن يشقَّ عليه)، مثل أن يكون قد أذن في مكانٍ بعيدٍ؛ لقول بلالٍ ﵁ للنبي ﷺ: «لا تسبقني بآمين» (^٣). (^٤)
[٢٢٣/ ١٤] مسألة: (ولا يصِحُّ الأذان إلا مرتَّبًا، متواليًا)؛ لأنه لا يعلم أنه أذان بدونهما.
(فإن نَكَّسَهُ، أو فرَّقه بسكوتٍ طويلٍ، أو كلامٍ كثيرٍ، أعاد (^٥)؛ لما ذكرناه، ولأنه أخل بالموالاة، وإن كان الكلام يسيرًا بنى؛ لأن ذلك لا يبطل الخطبة، وهي آكد منه.
إلا أن يكون كلامًا محرمًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل؛ لأنه لا يخل بالمقصود منه.
_________________
(١) مسند أحمد (١٧٥٧٢) ٤/ ١٦٩، كما أخرج الحديث أبو داوود في سننه (٥١٤) ١/ ١٤٢، والترمذي في جامعه (١٩٩) ١/ ٣٨٣، وابن ماجه في سننه (٧١٧) ١/ ٢٣٧، وضعفه الترمذي، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٣٢، والنووي في خلاصة الأحكام ١/ ٢٩٧.
(٢) ما قرره المصنف هو المذهب، وعليه جماهير الحنابلة، والرواية الثانية: أن المؤذن وغيره سواء في ذلك. ينظر: شرح العمدة ٢/ ١٢٧، والإنصاف ٣/ ٨٢، وكشاف القناع ٢/ ٦١.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، (٢٣٩٢٩) ٦/ ١٢، وأبو داود في سننه (٩٣٧) ١/ ٢٤٦، وصححه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٨٧، والحاكم في مستدركه وقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ١/ ٣٤٠.
(٤) قال في الإنصاف ٣/ ٨٤: «وهو المذهب وعليه الأصحاب وهو من المفردات، وقال في النصيحة: السنة أن يؤذن بالمنارة ويقيم أسفل، قلت: وهو الصواب، وعليه العمل في جميع الأمصار والأعصار». وينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح ١/ ١٨٥.
(٥) في المطبوع من المقنع ص ٤٢ زيادة قوله: (أو محرم لم يعتد به) وسياق المسألة يتضمنه.
[ ١ / ٣٢٨ ]
والثاني: يبطل؛ لأنه فعل فيه محرمًا. (^١)
[٢٢٤/ ١٥] مسألة: (ولا يجوز إلا بعد دخول الوقت، إلا الفجر، فإنه يُؤذن لها بعد نصف الليل)، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن للصلوات بعد دخول وقتها، إلا الفجر» (^٢)، ولأن الأذان شرع للإعلام بالوقت، فلا يشرع قبله لئلا يذهب مقصوده.
وأما الفجر فيجوز أن يؤذن لها قبل وقتها؛ لقول النبي ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (^٣) متفقٌ عليه (^٤)، وهذا يدل على دوام ذلك منه، والنبي ﷺ أقرّه عليه، ولم ينهه، فثبت جوازه، وإنما خصَّ الفجر بذلك؛ لأنه وقت النوم؛ لينتبه الناس، ويتأهبوا للخروج إلى الصلاة، وليس ذلك في غيرها.
وفي حديثٍ رواه أبو داود أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليلٍ؛
_________________
(١) أما كون الأذان لا يصح إلا مرتبًا متواليًا، وإن فَصَل بينه بكلام مباح يسيرٍ بنى عليه، وإن فصل بينه بكلام كثير أعاد فلا نزاع فيه في المذهب. وأما إن فصل بين الأذان بكلام محرم فعلى قسمين: الأول: أن يكون الكلام المحرم كثيرًا فإنه يبطل الأذان على الصحيح من المذهب، هو من المفردات في المذهب. الثاني: أن يكون الكلام المحرم يسيرًا فإنه يبطل الأذان به أيضًا على الصحيح من المذهب، وهو الذي يتناوله الخلاف الذي ذكره المصنف. ينظر: الفروع وتصحيحه ٢/ ١٦، والإنصاف ٣/ ٨٦، وكشاف القناع ٢/ ٦٢.
(٢) الإجماع ص ٣٧، والأوسط ٣/ ٣٠.
(٣) ابن أم مكتوم هو: عمرو أو عبدالله بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري، وأمه أم مكتوم هي عاتكة بنت عبد الله المخزومية، من السابقين المهاجرين، وكان ضريرًا، ومؤذنًا لرسول الله ﷺ مع بلال وسعد القرظ وأبي محذورة ﵃، وشهد معركة القادسية واستشهد بها. ينظر: الاستيعاب ٢/ ٩٩٨، وسير أعلام النبلاء ١/ ٢٦٠، والإصابة ٤/ ٦٠١.
(٤) صحيح البخاري (٥٩٢) ١/ ٢٢٣، وصحيح مسلم (١٠٩٢) ٢/ ٧٦٨.
[ ١ / ٣٢٩ ]