(وفروضه ستةٌ: غسل الوجه) وهو فرض بالإجماع؛ لقول الله سبحانه: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
(والفم والأنف منه) لدخولهما في حَدِّه.
الثاني: (غسل اليدين) وهو فرض بالإجماع؛ لقوله سبحانه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
الثالث: (مسح الرأس) ولا خلاف في أنه فرضٌ؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
الرابع: (غسل الرجلين) وهو أيضًا فرضٌ بغير خلاف (^١)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦]، وتوضأ النبي ﷺ فغسل رجليه، متفقٌ عليه (^٢)، وفعله مفسرٌ لمجمل الآية، وتوضأ رجل فترك موضع ظفرٍ من قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع ثم صلى، رواه مسلمٌ (^٣).
ورأى النبي ﷺ قومًا يتوضؤون وأعقابهم تلوح فقال: «ويل للأعقاب من النار» متفقٌ عليه (^٤).
_________________
(١) ينظر: توثيق حكاية الإجماع، وعدم الخلاف لغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين بنصها في الكافي ١/ ٦٥.
(٢) كما في حديث عثمان بن عفان ﵁ وقد سبق تخريجه في المسألة [٥١/ ١٠].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (٢٤٥) ١/ ٢١٥.
(٤) صحيح البخاري (٦٠) ١/ ٣٣ واللفظ له، وصحيح مسلم (٢٤٢) ١/ ٢١٤.
[ ١ / ١٩٠ ]
الخامس: (الترتيب على ما ذكر الله سبحانه)؛ لأن الله سبحانه أمر بغسل الأعضاء، وذكر منها ما يدل على الترتيب، فإنه أدخل ممسوحًا بين مغسولين (^١)، والعرب لا تقطع النَّظير عن نظيره إلا لفائدةٍ، والفائدة ههنا الترتيب، وسيقت الآية لبيان الواجب فيكون واجبًا، ولهذا لم يذكر فيها شيئًا من السنن.
ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورًا به والأمر يقتضي الوجوب، ولأن كل من حكى وضوء النبي ﷺ حكاه مرتبًا وهو مفسرٌ لما في كتاب الله تعالى، وتوضأ النبي ﷺ مرتبًا وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (^٢) أي: بمثله.
السادس: (الموالاة: وهو (^٣) أن لا يؤخِّرَ غسل عضو حتى ينشف الذي قبله، وفيها روايتان:) إحداهما: ليست واجبةً؛ لأن المأمور به الغسل وقد أتى به.
والثانية: هي واجبةٌ؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ روى أن رجلًا ترك موضع ظفر من قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى» رواه مسلمٌ (^٤).
_________________
(١) أي: أن الله تعالى ذكر في آية الوضوء من سورة المائدة فرض غسل اليد إلى المرافق وغسل الرجل إلى الكعبين وذكر بينهما فرض مسح الرأس.
(٢) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى من حديث ابن عمر ﵄ ١/ ٨٠، وله ألفاظ منها ما رواه ابن ماجه من حديث أبي بن كعب ﵁ الذي سبق تخريجه في المسألة [٥٨/ ١٨] كما أفاد ذلك الحافظ في الفتح ١/ ٢٣٣، وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير ١/ ٢٧: «القطعة الأولى منه صحيحةٌ ثابتةٌ مستفيضةٌ، فكل من وصف وضوءه لم يصفه إلا متواليًا مرتبًا - يعني أن النبي ﷺ توضأ مرتبًا - والأخيرة - وهي قوله: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به - مروية من حديث ابن عمر وغيره»، وضعف الحديث ابن أبي حاتم والبيهقي وابن الصلاح وابن حجر وغيرهم. ينظر: التعليقة على العلل لابن عبدالهادي ١/ ٤٠، والبدر المنير ١/ ٦٦٩، والتلخيص الحبير ١/ ٥٨.
(٣) هكذا في المخطوط، وفي المطبوع من المقنع ص ٢٨: (وهي).
(٤) الحديث سبق تخريجه قريبًا في الفرض الرابع من فروض الوضوء.
[ ١ / ١٩١ ]
وروى أبو داود والأثرم (^١): «أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي في ظهر قدمه لُمعةٌ قدر الدِّرهم لم يصبها الماء فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» (^٢)، قال الأثرم: «ذكر أبو عبد الله إسناد هذا الحديث، قلت له: إسنادٌ جيد؟ قال: نعم» (^٣)، ولو لم تجب الموالاة أجزأه غسلها، ولأن النبي ﷺ والى بين الغَسلِ (^٤). (^٥)
وقوله: (لا يؤخر غَسل عضو حتى ينشف الذي قبله) يعني في الزمان المعتدل. وقال ابن عقيل: «التَّفريق المبطل ما يَفحُش في العادة» (^٦)؛ لأنه لم يُحَدَّ في الشرع، فرُجع فيه إلى العادة، كالتَّفرُّق والإحراز (^٧).
فعلى هذا لو نَشَفتْ أعضاؤه لاشتغاله بواجبٍ في الطهارة أو مسنون لم يُعَدَّ تفريقًا، كما لو طوَّلَ أركان الصلاة، قال أحمد: «إذا كان في
_________________
(١) الأثرم هو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الطائي، البغدادي (٢٠٢ - ٢٩٦ هـ) الفقيه، الحافظ، صحب الإمام أحمد، وأقبل على مذهبه مشتغلًا به، وكان مرجعًا فيه، من تصانيفه: السنن، وعلل الحديث، والناسخ والمنسوخ في الحديث. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٦٦، والمنتظم ١٣/ ٨٣، وتقريب التهذيب ص ٦٧.
(٢) سنن أبي داود (١٧٥) ١/ ٤٥، وليس في مطبوع سنن الأثرم، كما أخرج الحديث أحمد في مسنده (١٥٥٣٤) ٣/ ٤٢٤، وصحح إسناده الإمام أحمد كما نقل المصنف، والنووي في خلاصة الأحكام ١/ ١١٤.
(٣) لم أجده في المطبوع من سنن الأثرم. ينظر: المغني ١/ ٩١، وشرح العمدة ١/ ١٩٢.
(٤) كما ذكر في صفة وضوئه ﷺ في عدة أحاديث سبق تخريجها.
(٥) ما قرره المصنف في الرواية الثانية من وجوب الموالاة هو المذهب، وعليها رواية الجماعة. ينظر: المغني ١/ ٩٣، وشرح العمدة ١/ ١٩٢، والإنصاف ١/ ٣٠٢، وكشاف القناع ١/ ٢١٤.
(٦) لم أجده فيما وقفت عليه من كتبه. ينظر: توثيق قوله المغني ١/ ٩٤.
(٧) أي: كالتفرق الموجب لزوم البيع وسقوط الخيار سواء كان في الأبدان أو غيره، قال في المطلع ص ٢٣٦: «التفرق المسقط للخيار وهو تفرقها بحيث لو كلم أحدهما صاحبه الكلام المعتاد لم يسمعه»، والإحراز: قال في المطلع ص ٢٨٠: «أصله من الحرز: وهو بكسر الحاء المكان الحصين»، وهو الموجب للقطع لمن سرق منه في حد السرقة، والعبرة في صفة التفرق والإحراز هو العرف.
[ ١ / ١٩٢ ]