ألف الحافظ ضياء الدين المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) في سيرة الموفق وغيره من المقادسة جزءين سماه سِيَرَ المقادسة، ضمنه سيرة الموفق وابن أبي عمر والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهم (^١)، نقل ذلك الذهبي وابن رجب وابن مفلح وغيرهم.
ومما نقل عن الضياء المقدسي في أثر الموفق بين الناس ومعاملته لهم ومكانته بين أهله وقرابته ومن حوله قوله: «وكان فقيهًا، إمامًا، خطيبًا، عفيفًا، متورعًا، محبوبًا إلى الناس، ذا بشاشةٍ، وحسن خلقٍ، وكان مليح الكتابة، خطب مدة بالجامع المظفري، وسعى في مصالحه، وكان لا يتناول من وقفه إلا شيئًا يسيرًا، سمعته يقول: إذا مضيت في حاجةٍ من أمر الجامع ربما اشتريت لي شيئًا آكل حَسْبُ» (^٢).
وذكر المؤرخون أن الموفق ﵀ كان ذا هيبةٍ ووقارٍ، وحلمٍ وتُؤدة، وكانت أوقاته مستغرَقة في العلم والعمل. (^٣)
_________________
(١) ولا علم لي إن كان طبع أو لا، وقال عبد القادر الأرناؤوط في مقدمة تحقيق كتاب المقنع حاشية ص ١٠: «ومنه نسخة خطية في دار الكتب الظاهرية بدمشق، وهو جدير بالتحقيق والنشر».
(٢) تاريخ الاسلام ٤٤/ ٢٥٤.
(٣) ويظهر أن ذلك كله بتوفيق من الله من أثر عبادته بسلوك الإخلاص فيها كما سيأتي في آخر هذا الفرع.
[ ١ / ٣٣ ]
كما أنه أوتي - مع سَعة فهمه واطلاعه على العلوم - ذكاءً وفطنةً، فكان يفحم الخصوم بالحجج والبراهين، ولا يتحرّج ولا ينزعج من المناظرة ومطارحة العلم، وكان لا يناظر أحدًا إلا ويبتسم. (^١)
ومما نقله الحافظ الضياء في صفته الخَلقِيَّة أنه: «كان تامَّ القامة، أبيض، مُشرق الوجه، أدعَجَ العينين، كأنَّ النُّور يخرج من وجهه لحُسنه، واسع الجبين، طويل اللّحية، قائم الأنف، مقرون الحاجبين، لطيف اليدين، نحيف الجسم» (^٢).
كما كان ﵀ كثير الحياء، عزوفًا عن الدنيا وأهلها، هيِّنًا لينًا متواضعًا، محبًّا للمساكين، حسن الأخلاق، جوادًا، سخِيًّا، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سُبُعًا من القرآن، ولا يصلي ركعتي السُّنة في الغالب إلا في بيته اتباعًا للسُّنة، وكان صحيح الاعتقاد، مبغضًا للمشبهة، قال فيه سبط ابن الجوزي: «من رآه كأنما رأى بعض الصحابة، كأن النور يخرج من وجهه» (^٣).