وإن كانت مميزَةً ترى يومًا دمًا أسودَ ثم ترى نقاءً، ثم ترى أسودَ إلى عشرة أيام ثم ترى دمًا أحمرَ ويعبُر أكثر الحيض، رُدَّت إلى التَّمييز، فيكون حيضها زمن الدم الأسود دون غيره، ولا فرق بين أن ترى الدم زمنًا يمكن أن يكون حيضًا كيومٍ وليلةٍ أو دون ذلك كنصف يوم ونصف يوم (^١)، فإن كان النقاء أقل من ساعةٍ فالظاهر أنه ليس بطهرٍ.
وقد روي عن أحمد ﵀: «أن النَّقاء إذا كان أقل من يوم فليس بطهرٍ» (^٢)؛ لأن الدم يجري تارةً وينقطع أخرى، وقالت عائشة ﵂: «لا تعجلن حتى تَرَينَ القَصَّة البيضاء» (^٣).
(والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي ما شاءت من الصلوات)، والمستحاضة: هي التي ترى دمًا ليس بحيض ولا نفاس، حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات وفعلها؛ لأنها نجاسة غير معتادة أشبه سلس البول.
فإذا أرادت الصلاة غسلت فرجها وما أصابها من الدم، حتى إذا استنقَأتْ عَصبَت فرجها واستَوثَقَت بالشَّد والتَّلجُّم: وهو أن تَسْتَثفِرَ بخرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج، وهو المذكور في حديث أم سلمة ﵂: «لتَستَثفِر بثوب»، وقال لحمنة ﵂: «تَلَجَّمي»، ثم تتوضأ وتصلي؛ لما روي أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش ﵂ حين شكت إليه كثرة الدم: «أنْعَتُ لك الكُرْسُفَ، يعني القطنَ تحشي به
_________________
(١) قال في المغني ١/ ٢١٧: «مثل أن ترى نصف يوم دمًا ونصفه طهرًا، أو ساعة وساعة».
(٢) لم أعثر عليه في كتب المسائل عن الإمام. ينظر: توثيق قوله في المغني ١/ ٢١٠.
(٣) سبق تخريجه في المسألة [١٨٩/ ٢٢].
[ ١ / ٣٠٤ ]
المكان. قالت: إنه أشد من ذلك. قال: تَلَجَّمي» (^١).
وعن أم سلمة ﵂: أن امرأةً كانت تُهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة ﵂ رسول الله ﷺ فقال: «لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضُهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك، فإذا خَلَّفت (^٢) ذلك فلتغتسل، ثم لْتَسْتَثفِر بثوب ثم لْتُصَلِّ» رواه أبو داود (^٣).
فإن خرج الدم بعد الوضوء فإن كان لتفريطٍ في الشَّد أعادت الوضوء؛ لأنه حدثٌ أمكن التحرز منه، وإن خرج لغير تفريط فلا شيء عليها؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «اعتَكَفَتْ مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه، وكانت ترى الدم والصُّفرة، والطَّست تحتها وهي تصلي» رواه البخاري (^٤)، ولأنه لا يمكن التحرز منه فسقط.
فرعٌ: وتصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض، والنوافل قبل الفريضة وبعدها حتى يخرج الوقت فيبطل به طهارتها، وتستأنف الطهارة لصلوات أخرى؛ لما روي في حديث فاطمة (^٥) أن النبي ﷺ قال لها: «ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة وصلي»، قال الترمذي: «حديثٌ
_________________
(١) سبق تخريجه في المسألة [١٨٥/ ١٨].
(٢) قوله خلفت: هي من التخليف، وهي بتشديد اللام، أي: تركت وتجاوزت أيام الحيض الذي كانت تعهده وراءها. ينظر: البدر المنير ٣/ ١٢٥، وعون المعبود ١/ ٣١٤.
(٣) سنن أبي داود (٢٧٤) ١/ ٧١، كما أخرج الحديث أحمد في مسنده (٢٦٧٥٩) ٦/ ٣٢٠، والنسائي في سننه (٢٠٨) ١/ ١١٩، قال ابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٥٦: «في هذا الحديث الذي استفتت لها أم سلمة هي فاطمة بنت أبي حبيش»، وصححاه في خلاصة الأحكام ١/ ٢٣٨ والبدر المنير ٣/ ١٢١.
(٤) صحيح البخاري (٣٠٤) ١/ ١١٨.
(٥) أي: فاطمة بنت أبي حبيش ﵂.
[ ١ / ٣٠٥ ]
صحيحٌ» (^١) يعني: توضئي لوقت كل صلاة، ولأنها طهارة عذرٍ وضرورةٍ فتقيدت بالوقت كالتيمم. (^٢)
[١٩٤/ ٢٧] مسألة: (وحكم من به سلس البول أو المذي أو الريح أو الجرح الذي لا يرقَأ دمه أو الرُّعاف الدَّائم) حكمها في ذلك، إلا أن ما لا يمكن عَصبُه يصلي بحاله فقد صلى عمر وجرحه يَثعُب دمًا (^٣).
[١٩٥/ ٢٨] مسألة: (وهل يباح وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت؟ على روايتين:) إحداهما: لا يباح؛ لأن دم الاستحاضة أذًى في الفرج أشبه دم الحيض، فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقالت عائشة: «المستحاضة لا
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) شمل كلام المصنف في هذا الفرع أمرين: الأمر الأول: أن المستحاضة تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض، والنوافل قبل الفريضة وبعدها حتى يخرج الوقت، وهو المذهب، وعليه أكثر الحنابلة، والرواية الثانية: لا يجوز لها الجمع بين الفرائض. الأمر الثاني: أن المستحاضة تستأنف الطهارة لصلوات أخرى، لأنها طهارة عذر وضرورة، فقيدت بالوقت، وعليه تكون في المسألة روايتان كالتيمم، وقد سبق في بداية باب التيمم حكاية الروايتين في جواز التيمم قبل الوقت وعدم الجواز، وأن المذهب على الثاني. ينظر: ١/ ٢٥٠، والكافي ١/ ١٧٨، والإنصاف ٢/ ٤٥٨، وكشاف القناع ١/ ٥٠٥. وقيل: إن الروايات في المذهب في هذا الفرع على مسلك آخر في حكايتها، الرواية الأولى: أن المستحاضة تصلي بطهارتها ما شاءت، والرواية الثانية: أن طهارتها تبطل بدخول والوقت، الرواية الثالثة: تبطل بخروج الوقت، الرواية الرابعة: لا يجوز لها الجمع بين الفرائض. ينظر: المصادر السابقة، وشرح الزركشي ١/ ١٢٦، والفروع ١/ ٢٨٨. قال ابن قندس في حاشية الفروع ١/ ٣٨٩: «وعليه يكون المرجَّحُ هنا بخلاف المرجَّح في التيمم، لأن التيمم يبطل بخروج الوقت لا بالدخول».
(٣) وهو الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٩، وعبد الرزاق في مصنفه ١/ ١٤٩، وصححه ابن المنذر في الأوسط ١/ ١٦٦.
[ ١ / ٣٠٦ ]