أحمد قال: «ليس يثبت هذا في حديثٍ، ولا أعلم فيها حديثًا له إسنادٌ جيدٌ» (^١). (^٢)
واختلف من أوجبها في سقوطها بالسهو، فمنهم من قال: لا تسقط كسائر واجبات الطهارة، ومنهم من أسقطها؛ لأن الطهارة عبادة تشتمل على مفروضٍ ومسنونٍ، وكان من مفروضها (^٣) ما يسقطه السهو كالصلاة. (^٤)
فإن ذكرها في أثناء وضوئه سمى حيث ذكر (^٥)، ومحل التسمية اللسان؛ لأن التسمية هي قوله: (باسم الله)، ولا يكون القول إلا باللسان، وموضعها بعد النية؛ ليكون مسميًا على جميع الوضوء.
[٥١/ ١٠] مسألة: (وغسل الكفين) ثلاثًا؛ لأن عثمان ﵁ وصف وضوء رسول الله ﷺ فقال: «فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات» متفقٌ عليه (^٦)؛ ولأن اليدين آلة نقل الماء إلى الأعضاء ففي
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج ١/ ٦٨.
(٢) ما قرره المصنف في الرواية الثانية من وجوب التسمية هو المذهب، فإن نسي لم يعد، وإن ذكر في أثناء الوضوء سمى الله وبنى، وإن تعمد تركها أعاد، اختارها الأكثر، ولابن تيمية تقرير مفيد لهذه الرواية، وحملٌ لكلام الإمام أحمد عليها في شرح العمدة، والرواية الثالثة: أنها فرض لا تسقط بالسهو، وقيل: إنها تفريعٌ على الرواية الثانية وليست رواية عن الإمام كما سيشير إليه المصنف في الفصل الآتي. ينظر: المحرر ١/ ٤١، وشرح العمدة ١/ ١٤٠ - ١٤٦، والفروع ١/ ١٧٣، والإنصاف ١/ ١٧٤، وكشاف القناع ١/ ٢٠٧.
(٣) هكذا في المخطوط، ولعل صوابها (فروضها) ليستقيم السياق كما في الكافي ١/ ٥٥.
(٤) ينظر: الحاشية قبل السابقة.
(٥) وهذا بناء على أنها واجبةٌ عند الذكر كما سبق تقريره في المسألة السابقة وحواشيها.
(٦) صحيح البخاري (١٦٢) ١/ ٧٣ واللفظ له، وصحيح مسلم (٢٢٦) ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ١٨٤ ]
غسلهما احتياطٌ لجميع الوضوء. (^١)
[٥٢/ ١١] مسألة: (إلا أن يكون قائمًا من نوم الليل (^٢) ففي وجوبه روايتان:) إحداهما: أنه واجبٌ، وهو اختيار أبي بكر (^٣) لظاهر الأمر، فإن غمسهما قبل غسلهما صار الماء مستعملًا؛ لأن النهي عن غمسهما يدل على أنه يفيد الماء منعًا، وإن غسلهما دون الثلاث ثم غمسهما فكذلك؛ لأن النهي باق، وغَمْسُ بعض يده كغمس جميعها.
ويفتقر غسلهما إلى النية؛ لأنه غسل وجب تعبُّدًا أشبه الوضوء.
والرواية الثانية: أنها (^٤) سنةٌ وليس بواجب، اختارها الخرقي (^٥) (^٦)؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، ولم يذكر غسل
_________________
(١) ما قرره المصنف هو الصحيح من المذهب، وقيل: إن كانت اليدان طاهرتين لا يشرع بل يكره. ينظر: المحرر ١/ ٤٣، والفروع ١/ ١٧٣، والإنصاف ١/ ٢٧٧، وكشاف القناع ١/ ٢٠٩.
(٢) يقسم الحنابلة غسل اليد من النوم إلى قسمين: نوم الليل الذي نص عليه المؤلف، ونوم النهار وحكمه في المذهب استحباب غسل اليدين منه عند القيام من النوم، وفي رواية أنه يجب وهو من مفردات المذهب. ينظر: الفروع ١/ ١٧٤، والإنصاف ١/ ٢٧٨، وكشاف القناع ١/ ٢١٠. كما أن الصحيح من المذهب أن غسل اليدين من كلا القسمين ليس بشرطٍ في صحة الوضوء على القول بالوجوب، لكون غسل اليد من النوم عبادة مستقلة عن الوضوء. ينظر: شرح العمدة ١/ ١٤٧، والإنصاف ١/ ٢٨٠، وكشاف القناع ١/ ٢١٠.
(٣) لم أجد اختيار غلام الخلال في زاد المسافر. ينظر: توثيق قوله من الكافي ١/ ٥٦.
(٤) هكذا في المخطوط، ولعل صوابها (أنه) ليستقيم اللفظ كما في الرواية الأولى والله أعلم.
(٥) الخرقي هو: أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي (ت ٣٣٤ هـ)، أحد أئمة المذهب، أخذ العلم على أبي بكر المروذي، وحرب الكرماني، وصالح وعبد الله ابني الإمام أحمد، له المصنفات الكثيرة في المذهب لم ينتشر منها إلا المختصر في الفقه، لأنه قد احترقت الدار التي أودع فيها كتبه. ينظر: طبقات الحنابلة ٣/ ١٤٧، وتاريخ بغداد ١١/ ٢٣٤، والمقصد الأرشد ٢/ ٢٩٨.
(٦) لم أعثر على نص اختياره.
[ ١ / ١٨٥ ]
الكفين، ولأن اليد عضوٌ لا حدث عليه ولا نجاسة فأشبه سائر الأعضاء، وتعليل الحديث يدل على أنه أريد به الاستحباب؛ لأنه عَلَّلَ بوَهمِ النجاسة (^١)، وطَريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث، ولأنه قائمٌ من نومٍ فلم يجب عليه غسل اليدين، كالقائم من نوم النهار، فإن غمسهما في الماء فهو باق على إطلاقه. (^٢)
[٥٣/ ١٢] مسألة: (والبداءة بالمضمضة والاستنشاق)؛ لأن من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر ذلك (^٣).
[٥٤/ ١٣] مسألة: (والمبالغة فيهما)، وصفة المبالغة اجتذاب الماء بالنَّفَس إلى أقصى الأنف، وفي المضمضة: إدارة الماء في أقاصي الفم، وهو مستحَبٌّ فيهما.
(إلا أن يكون صائمًا) لقول النبي ﷺ لِلَقيطِ بن صَبِرة ﵁ (^٤): «وبالغ
_________________
(١) يريد به ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «… وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» أخرجه البخاري في صحيحه (١٦٠) ١/ ٧٢، ومسلم في صحيحه (٢٧٨) ١/ ٢٣٣.
(٢) ما قرره المصنف في الرواية الأولى من وجوب غسل اليدين للقائم من نوم الليل هو المذهب، وهو من مفرداته. ينظر: الكافي ١/ ٥٦، والفروع ١/ ١٧٤، والإنصاف ١/ ٢٧٩، وكشاف القناع ١/ ٢١٠.
(٣) ومنها حديث حمران مولى عثمان بن عفان ﵁ الذي تقدم تخريجه في المسألة [٥٠/ ١٠] وفيه قوله: «ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر». وقد عد المصنف ﵀ البداءة بالمضمضة والاستنشاق من سنن الوضوء لأنهما من الوجه، وذلك لا يعارض وجوبهما كما اختاره في المسألة [٦٥/ ٦] والله أعلم.
(٤) لقيط بن صبرة هو: أبو رَزين لَقيط بن عامر بن صبرة بن المنتفِق العُقيلي، صحابي، من أهل الطائف، وافد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ، وقيل: إنه غير لقيط بن عامر، وقال ابن عبد البر في ذلك: «ليس بشيء، وهو - أي: لقيط بن صبرة - ممن غلب ما اشتَهَرَ به على اسمه». ينظر: التاريخ الكبير ٧/ ٢٤٨، والاستيعاب ٣/ ١٣٤٠، وتهذيب الكمال ٢٤/ ٢٤٨، وتقريب التهذيب ص ١٥١، والإصابة ٥/ ٦٨٥.
[ ١ / ١٨٦ ]
في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» أخرجه الترمذي وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ» (^١).
[٥٥/ ١٤] مسألة: (وتخليل اللحية) إن كانت كثيفةً، وإن كانت خفيفةً تَصِفُ البشرة وجب غسل باطنها للآية (^٢)، وتخليل الكثيفة مستحبٌ، فإن عثمان ﵁ روى عن النبي ﷺ: «أنه كان يخلل لحيته»، قال الترمذي: «صحيح» (^٣)، وقال البخاري: «هو أصح حديثٍ في الباب» (^٤)، وروى أبو داود عن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماءٍ فأدخله تحت حنكه، وقال: هكذا أمرني ربي ﷿» (^٥).
وليس بواجبٍ؛ لأن الله سبحانه أمر بالغَسل ولم يذكر التَّخليل، وأكثر من حكى وضوء النبي ﷺ لم يَحكِه، ولو كان واجبًا لما أخل به، ولو فعله في كل وضوء لنقل نقلًا مستفيضًا، وتركه لذلك يدل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس بواجب؛ لأن النبي ﷺ كان عظيم اللحية، كثير الشعر، فلا يبلغ الماء أصوله بدون التخليل والمبالغة.
[٥٦/ ١٥] مسألة: (وتخليل) ما بين (الأصابع) في اليدين والرجلين؛ لقول النبي ﷺ لِلَقيطِ بن صَبِرة ﵁: «أَسْبِغ الوضوء، وخَلِّلِ الأصابع»
_________________
(١) جامع الترمذي (٧٨٨) ٣/ ١٥٥، كما أخرج الحديث النسائي في سننه (٧٨) ١/ ٦٦، وابن ماجه في سننه (٤٠٧) ١/ ١٤٢، وصححه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٧٨، وابن حبان ٣/ ٣٦٨.
(٢) أي: آية الوضوء بالمائدة رقم (٦)، لأن اللحية الخفيفة حكمها حكم غسل الوجه. ينظر: شرح العمدة لابن تيمية ١/ ١٦٠.
(٣) جامع الترمذي (٣١) ١/ ١٤٦، وقال (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)، كما أخرج الحديث ابن ماجه في سننه (٤٣٠) ١/ ١٤٨.
(٤) ينظر: جامع الترمذي ١/ ١٤٦، وعلل الترمذي ١/ ٣٣.
(٥) سنن أبي داود (١٤٥) ١/ ٣٦، كما أخرج الحديث الحاكم في مستدركه (٥٣٠) ١/ ٢٥٠، وصححه النووي في خلاصة الأحكام ١/ ١٠٦.
[ ١ / ١٨٧ ]
وهو حديثٌ صحيحٌ (^١).
[٥٧/ ١٦] مسألة: (والتيامن)؛ لقول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يحب التَّيَمن في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه، وطُهوره، وفي شأنه كله» متفقٌ عليه (^٢)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأتم فابدؤوا بمَيامنكم» رواه ابن ماجه (^٣)، وحكى علي وعثمان ﵄ وضوء النبي ﷺ فبدأ باليمنى قبل اليسرى، رواهما أبو داود (^٤).
[٥٨/ ١٧] مسألة: (وأخذ ماءٍ جديدٍ للأذنين) ظاهرهما وباطنهما، قال أحمد: «أنا أستحب ذلك، كان ابن عمر يأخذ لأذنيه ماءً جديدًا» (^٥)، وروى ابن عباس: «أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» قال الترمذي: «حديثٌ صحيحٌ» (^٦). (^٧)
_________________
(١) الحديث جزء من حديث سبق تخريجه في المسألة [٥٤/ ١٣].
(٢) صحيح البخاري (١٦٦) ١/ ٧٤ واللفظ له، وصحيح مسلم (٢٦٨) ١/ ٢٢٦.
(٣) سنن ابن ماجه (٤٠٢) ١/ ١٤١، كما أخرج الحديث بنحوه أحمد في مسنده (٨٦٣٧) ٢/ ٣٥٤، والطبراني بنصه ١/ ٣٨٦، وصححه ابن حبان في صحيحه ٢/ ٣٧٠، قال ابن عبد البر في الاستذكار ٨/ ٣١٤ مشيرًا إلى الحديث: «وقد روينا عن جماعة من السلف أنهم كانوا يبدؤون في الانتعال باليمنى، وإذا خلعوا بدؤوا باليسرى، وذلك لصحة الحديث المذكور في هذا الباب عندهم والله أعلم».
(٤) حديث عثمان ﵁ في سنن أبي داود (١٠٦) ١/ ٢٦، وقد سبق حكاية اتفاق الشيخين على تخريجه في المسألة [٥٠/ ١٠]. وأما حديث علي ﵁ ففي سنن أبي داود (١١١) ١/ ٢٧، كما أخرج الحديث أحمد في مسنده (٨٧٦) ١/ ١١٠، والنسائي في سننه (٩٢) ١/ ٦٨، وصححه أحمد شاكر في حاشيته على المسند ١/ ٥٤٣، والألباني في صحيح أبي داود (١١١).
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله ص ٢٧، وبنحوها في مسائل أبي داود للإمام أحمد ص ١٤.
(٦) جامع الترمذي (٣٦) ١/ ٥٢، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ».
(٧) ما قرره المصنف من أخذ ماء جديد للأذنين في الوضوء هو المذهب، والرواية الثاني: أنه لا يستحب أخذ ماء جديد لهما. ينظر: المحرر ١/ ٤٤، والكافي ١/ ٦٦، شرح العمدة ١/ ١٦٩، والإنصاف ١/ ٢٨٨، وكشاف القناع ١/ ٢٣٠.
[ ١ / ١٨٨ ]
[٥٩/ ١٨] مسألة: (والغَسلة الثانية، والثالثة)؛ لأن النبي ﷺ «توضأ مرةً مرةً وقال: هذا وضوء من لم [يتوضأ] (^١) لم يقبل الله له صلاةً، ثم توضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوء من [توضأ] (^٢) أعطاه الله كفلين من الأجر، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي» أخرجه ابن ماجه (^٣).
* * *
_________________
(١) هكذا في المخطوط، وهي لفظ الحديث في سنن الدارقطني ١/ ٨٠، وفي سنن ابن ماجه ١/ ١٢٥ (يتوضأه).
(٢) هكذا في المخطوط، وفي سنن الدارقطني وابن ماجه (يتوضأه) والله أعلم.
(٣) سنن ابن ماجه من حديث أبي بن كعب ﵁ نحوه (٤٢٠) ١/ ١٢٥، كما أخرج الحديث الدارقطني في سننه ١/ ٨٠، وضعف الحديث ابن عبد الهادي في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ١/ ١٢٧، والزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٧، وابن الملقن في البدر المنير ٢/ ١٣٧.
[ ١ / ١٨٩ ]