(وذكر أبو الخطاب في المبتدَأة أول ما ترى الدم الرواياتِ الأربع (^١) وقد مضى ذكرها في أول فصل المبتدأة.
[١٨٨/ ٢١] مسألة: (وإن استحيضت المعتادة (^٢) فلا تخلو من حالين:
أحدهما: أن تكون ذاكرةً لعادتها غير مميِّزة، فإنها تجلس قدر عادتها، ثم تغتسل بعدها وتصلي وتصوم؛ لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيش ﵂: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي» متفقٌ عليه (^٣).
_________________
(١) الهداية ص ٧٦.
(٢) من هذا الموضع في المطبوع من المقنع ص ٣٨ - ٣٩ إلى المسألة الآتية صاغ المصنف عبارة المقنع مع كلامه بما يعسر معه تمييزه بالتسويد إلا بتكلف، ونصها في المقنع ص ٣٨ - ٣٩: (وإن استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها وإن كانت مميزة، وعنه: يقدم التمييز، وهو اختيار الخرقي، وإن نسيت العادة عملت بالتمييز، فإن لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض من كل شهر، وعنه: أقله، وقيل: فيها الروايات الأربع، وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها جلستها من أول كل شهر في أحد الوجهين، وفي الآخر: تجلسها بالتحري، وكذلك الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز، وإن علمت أيامها في وقت من الشهر كنصفه الأول جلستها فيه إما من أوله أو بالتحري على اختلاف الوجهين، وإن علمت موضع حيضها ونسيت عدده جلست فيه غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين).
(٣) سبق تخريجه في المسألة [١٦٨/ ١].
[ ١ / ٢٩٥ ]
وإن كانت مميزةً ففيها روايتان: إحداهما: تعمل بالعادة؛ لهذا الحديث، والأخرى: تعمل بالتَّمييز، اختاره الخرقي (^١)؛ لما سبق من أدلته. (^٢)
الحال الثاني: أن تكون ناسيةً لعادتها، فإن كانت مميزةً عملت بتمييزها؛ لأنه دليل لا معارض له فوجب العمل به كالمبتدأة. (^٣)
وإن لم تكن مميزةً فهي على ثلاثة أضرب:
الأول: المتحيِّرة: وهي الناسية لوقتها وعددها، ففيها الروايات الأربع وقد سبق توجيههن (^٤)، وتجعل حيضها في أول كل شهرٍ في أحد الوجهين؛ لقول النبي ﷺ: «تحَيَّضي في علم الله ستة أيامٍ أو سبعةً من كل شهرٍ، ثم اغتسلي وصلي فيه ثلاثةً وعشرين» (^٥)، فجعل حيضها من أوله والصلاة في [بقيَّتِه] (^٦)، والآخر: تجلسه بالاجتهاد؛ لأن النبي ﷺ
_________________
(١) ينظر: المغني ١/ ١٩٠.
(٢) المذهب على الرواية الأولى، وعليها أكثر الحنابلة. ينظر: الكافي ١/ ١٧١، والإنصاف ٢/ ٤١٢، وكشاف القناع ١/ ٤٩١.
(٣) أي: كالمبتدأة المستحاضة، وقد سبق حكمها في المسألة [١٨٧/ ٢٠] وينظر: الإنصاف ٢/ ٤٢٠ - ٤١٩ وقال: «بلا نزاع في المذهب، بشرط ألا ينقص عن أقل الحيض، ولا يزيد على أكثر الحيض …».
(٤) وذلك في مسألة المبتدأة المستحاضة غير المميزة في الفصل التابع للمسألة [١٨٦/ ٢٠]، وبناء عليه تجلس ستة أيام أو سبعة، وهو ظاهر اختيار المصنف وهو المذهب كما سيأتي. ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٠٢، والكافي ١/ ١٧٢، والرعاية الصغرى ١/ ٦٣، ولكن قال في الإنصاف ٢/ ٤٢٦ عن حكاية الروايات الأربع في المسألة: «وهي طريقة ضعيفة عن الأصحاب، وفرقوا بينها وبين المبتدأة بفروق جيدة».
(٥) سبق تخريجه في المسألة [١٨٥/ ١٨].
(٦) في نسخة المخطوط (يقينه) وأشكلت علي، وفي الكافي ١/ ١٧٢ والممتع لابن المنجى ١/ ٢٤٦ وجدت العبارة بقوله: (بقيته) وأثبتها في الصلب لأنها الصواب والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٦ ]
رَدَّها إلى الاجتهاد في العدد بين الست والسبع، فكذلك في أول الوقت، وإن علمت أن حيضها في وقت من الشهر كالنصف الأول ولم تعلم موضعه منه ولا عدده فكذلك، إلا أن اجتهادها يختص ذلك الوقت دون غيره. (^١)
الضرب الثاني: أن تعلم عددها وتنسى وقتها، نحو أن تعلم أن حيضها خمس، ولا تعلم لها وقتًا، فهذه تجلس قدر أيامها من أول كل شهرٍ في أحد الوجهين (^٢)، وفي الآخر: تجلسه بالتَّحري لما سبق.
وإن علمته في وقت من الشهر، مثل إن علمت أن خمسها (^٣) في العشر الأول من الشهر أو العشر الأوسط، جلست قدر أيامها من ذلك الوقت دون غيره. (^٤)
الضرب الثالث: ذكرت وقتها ونسيت عددها، مثل أن تعلم أن اليوم العاشر من حيضها، ولا تدري قدره، فحكمها في قدر ما تجلسه حكم المتحَيِّرة، واليوم العاشر حيضٌ بيقينٍ، فإن علمته أول حيضها جلست بقية أيامها بعده، وإن علمته آخر حيضها جلست الباقي قبله، وإن لم
_________________
(١) ما قرره المصنف أن المتحيرة التي نسيت وقتها وعدد أيامها تجلس غالب الحيض هو المذهب، والخلاف الوارد في وقت جلوسها أول الشهر أو غيره على الوجهين اللذين ذكرهما المصنف وجدته مطلقًا بلا ترجيح في الكافي ١/ ١٧١، وشرح الزركشي ١/ ١٢٥، ولم أجد فيه ترجيحًا في المذهب والله أعلم. ينظر: الفروع ١/ ٣٨١، والإنصاف ٢/ ٤٢٥، وكشاف القناع ١/ ٤٩٤.
(٢) في المطبوع من المقنع ص ٣٩: (على اختلاف الروايتين).
(٣) هكذا في المخطوط، وفي الكافي ١/ ١٧٢ وجدت العبارة ذاتها بقوله: (حيضها) ولعلها أصوب، إلا أن محقق كتاب الكافي قال إنها وجدت في إحدى نسخ الكافي فقط والله أعلم.
(٤) المذهب على الوجه الأول، أنها تجلس قدر أيامها أول كل شهر، والوجه الثالث: تجلس مجيء الدم من خامس كل شهر، قال في الإنصاف: «قال المجد: وهو ظاهر كلام أحمد» ثم قال: «ذكر أبو بكر رواية أنها لا تجلس شيئًا». ينظر: الفروع ١/ ٣٨٣، والمبدع ١/ ٢٨٢، والإنصاف ٢/ ٤٣١، وكشاف القناع ١/ ٤٩٥.
[ ١ / ٢٩٧ ]
تعلم أوله ولا آخره جلست مما يلي أول الشهر في أحد الوجهين، وفي الآخر: تجلس بالتَّحري. (^١)
[١٨٩/ ٢٢] مسألة: (وإن تغيرت العادة بزيادةٍ، أو تقدُّمٍ، أو تأخُّرٍ، أو انتقالٍ، فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرَّر ثلاثًا، أو مرتين على اختلاف الروايتين (^٢)، وذلك أن المرأة متى رأت الدم في غير عادتها قبلها أو بعدها مع بقاء عادتها أو طهرها فيها أو في بعضها، فإنها لا تجلس ما خرج عن العادة حتى يتكرر.
وفي قدره روايتان: إحداهما: ثلاثًا؛ لقول النبي ﷺ: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (^٣)، وأقل ذلك ثلاث.
والثانية: مَرَّتان؛ لأن العادة مأخوذة من المعاودة، وذلك يحصل بمرتين. فعلى هذا تصوم وتصلي فيما خرج عن العادة مرتين أو ثلاثًا، فإذا تكرر انتقلت إليه، وصار عادةً، وأعادت ما صامته من الفرض فيه؛ لأنّا تبينّا أنها صامته في حيضها. (^٤)
قال شيخنا ﵀ (^٥): «ويَقوى عندي أنها تجلس متى رأت دمًا يمكن
_________________
(١) قال في الإنصاف ٢/ ٤٣٥: «الحكم في هذا الحال كالحكم إذا لم تكن للمستحاضة المعتادة عادة ولا تمييز خلافًا ومذهبًا»، وقد سبق أنها تجلس غالب الحيض. ينظر: الحاشيتان على الضرب الأول.
(٢) أي: الروايتين في المبتدأة أول ما ترى الدم في أقل مدة الحيض، وتقدم أنها تجلس ثلاثة شهورٍ حتى تثبت لها عادة. ينظر: الفروع ١/ ٣٧٣، والإنصاف ٢/ ٤٣٧.
(٣) سبق تخريجه في المسألة [١٦٨/ ١].
(٤) المذهب أن من تغيرت عادتها على نحو ما قرر المصنف فإنها لا تلتفت إلى ذلك التغير حتى يتكرر عليها التغير ثلاث مرات على الرواية الأولى، قال في الإنصاف: «وهو المذهب عند كل المتقدمين»، وهو من مفردات المذهب. ينظر: الكافي ١/ ١٧٠، والفروع ١/ ٣٧٣، والإنصاف ٢/ ٤٣٧، وكشاف القناع ١/ ٤٩٩.
(٥) في المطبوع من المقنع ص ٣٩: (وقال الشيخ: وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار)، والعبارة الأخيرة مثبتة من إحدى نسخ المقنع كما أفاد محققا الكتاب، ولعل العبارة متفقة مع ما ذكر في نسخة المخطوط إذا كانت من كلام الناسخ لكتاب المقنع، وفي نسخة المقنع المعتمدة مع الشرح الكبير والإنصاف ٢/ ٤٣٩ بطبعة الدكتور التركي بلا كلمة (وقال الشيخ).
[ ١ / ٢٩٨ ]
أن يكون حيضًا وافق العادة أو خالفها؛ لأن عائشة ﵂ قالت: «لا تعجلن حتى تَرَين القَصَّةَ البيضاء (^١) (^٢)، ولم تقيده بالعادة، وظاهر الأخبار يدلُّ على أن النساء كن يعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير افتقاد (^٣) عادة، ولم ينقل عنهن ذكر العادة، ولا عن النبي ﷺ بيان لها ولا استفصال عنها، إلا في التي قالت: «إني أستحاض فلا أطهر» (^٤) وشِبهها من المستحاضات، أما في امرأة يأتي دمها في وقت يمكن أن يكون حيضًا ثم تطهر فلا، والظاهر أنهن جرين على العرف واعتقاد ذلك حيضًا، ولم يأت من الشرع تغييره، ولذلك أجلسنا المُبتَدأة من غير تقدم عادة، ورجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر، وتزيد وتنقص، وفي اعتبار العادة على هذا الوجه إخلاء بعض المنتقلات عن الحيض بالكلية مع رؤيتها للدم في وقت الحيض على صفته، وهذا لا سبيل إليه» (^٥). (^٦)
_________________
(١) قال في المغني ١/ ٢١٢: «ومعناه: لا تعجلن بالغسل حتى ينقطع الدم، وتذهب الصفرة والكدرة، ولا يبقى شيء يخرج من المحل، بحيث إذا دخلت فيه قطنة خرجت بيضاء»، وسيأتي في المسألة [١٩٠/ ٢٣] تعريف القصة البيضاء من كلام المصنف.
(٢) أخرجه مالك في موطئه ١/ ٥٩، ورواه البخاري في صحيحه تعليقًا ١/ ١٢١، وصححه النووي في خلاصة الأحكام ١/ ٢٣٣
(٣) هكذا كما هو مثبت في نسخة المخطوط وفي الكافي ١/ ١٧٠ والمبدع ١/ ٢٨٦ أيضًا فيكون معناها من غير فَقدِ عادةٍ في زمن معين أو وجودها، وفي الممتع لابن المنجى ١/ ٢٤٨ (اعتبار) ولعلها أصوب.
(٤) تقدم تخريجه في المسألة [١٨٧/ ٢٠].
(٥) الكافي ١/ ١٧٠ - ١٧١.
(٦) وصوب قول ابن قدامة في الإنصاف ١/ ٤٣٧ وقال: «وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره».
[ ١ / ٢٩٩ ]
[١٩٠/ ٢٣] مسألة: (وإن طَهَرَت في أثناء عادتها اغتسلت وصَلَّت)؛ لأن ابن عباس ﵁ قال: «أما ما رأت الطُّهر ساعةً فلتغتسل» (^١)، وقالت عائشة ﵂: «لا تعجلن حتى تَرَينَ القَصَّة البيضاء» (^٢) - بضم القاف، قاله الزهري (^٣) (^٤) (^٥)، وهي القطنة تحشوها المرأة إذا خرجت بيضاء لا تغير عليها، وقال أحمد: «تخرج على القطنة نقطةٌ بيضاء هي علامة الطُّهر وتسمى التَّرِيَّةَ أيضًا (^٦) (^٧)، ووصف الله سبحانه الحيض بكونه أذًى، فإذا زال الأذى وجب أن يزول الحيض.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ١٢٠، والدارمي في سننه ١/ ٢٢٤، قال في فتح الباري: «قال أحمد: ما أحسنَه!» ١/ ٥٣٨، واحتج به الإمام كما في مسائل ابنه صالح ٣/ ١٠٠.
(٢) سبق تخريجه قريبًا في المسألة [١٨٩/ ٢٢].
(٣) الزهري هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب من بني زهرة من قريش (٥٨ - ١٢٤ هـ)، تابعي من كبار الحفاظ والفقهاء، مدني سكن الشام، هو أول من دون الأحاديث النبوية، ودون معها فقه الصحابة، قال أبو داود: جميع حديث الزهري (٢٢٠٠) حديث، أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه مالك بن أنس ومن في طبقته. ينظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٢، والوفيات ١/ ٤٥١، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥ - ٤٥١.
(٤) ينظر: توثيق ما نقله المصنف من المغني ١/ ٢١٤، والذي يظهر لي من سياق ما في المغني ١/ ٢٤١ أن قول الزهري أورد في بيان اختياره وليس ضبطه لكلمة (القصة) والله أعلم. وينظر: الشرح الكبير ٢/ ٤٤٤. والقصة: القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض لا يخالطها صفرة ولا ترية، والصواب أنه بفتح القاف وليس بضمها. ينظر: شرح النووي على مسلم ٤/ ٢٢، وفتح الباري لابن رجب ١/ ٤٩٢، ولسان العرب ٧/ ٧٧.
(٥) حاشية: الذي ذكره الجوهري وغيره فتح القاف.
(٦) الترية: الشيء الخفي اليسير تراه المرأة بالخرقة بعد الحيض، وهو أقل من الصفرة والكدرة، ولا تكون الترية إلا بعد الاغتسال. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد، وتهذيب اللغة ١٤/ ٢٢٠.
(٧) ينظر: بنحوها في مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح ٣/ ١٠٤ ينقله الإمام عن الشافعي.
[ ١ / ٣٠٠ ]