وابن أبي أوفى عصر دُمَّلًا (^١)، وابن عباس: «إذا كان فاحشًا»، ابن المسيب أدخل أصابعه العشر بأنفه فأخرجها متلطخةً بالدم (^٢)، يعني وهو في الصلاة، ولم يعرف لهم مخالفٌ فكان إجماعًا» (^٣). (^٤)
ولا حَدَّ للكثير في ظاهر المذهب إلا ما فَحُشَ؛ لقول ابن عباسٍ ﵁ (^٥)، قال ابن عقيلٍ: «إنما يعتبر الفاحش في نفوس أوساط الناس، لا المتبذلين، ولا الموسوسين، كما رجعنا في يسير اللُّقَطة الذي لا يجب تعريفه إلى ما لا تتبعه نفوس أوساط الناس» (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه تعليقًا ١/ ٧٨، وقال في فتح الباري ٢/ ١١٠: «وأثره هذا وصله سفيان الثوري في جامعه عن عطاء بن السائب أنه رآه فعل ذلك، وسفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإسناد صحيحٌ»، كما أثبته واستدل به الإمام أحمد في الحاشية السابقة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١/ ١٤٧، وابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ١٢٧.
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح ٣/ ١٢٧٩، والأوسط ١/ ١٧٤، والكافي ١/ ٩١، وشرح العمدة ١/ ٥٩.
(٤) لا تختلف الرواية عن الإمام أحمد فيما ذكره المصنف من النوع الثاني في الخارج النجس من غير السبيلين وهو الدم وما جرى مجراه إذا كان فاحشًا ينقض الوضوء وهو المذهب، واختلفت الرواية فيما إذا لم يفحش، فالأولى: لا ينقض وهو المذهب كما ذكره المصنف، والثانية: ينقض كالكثير وسيأتي ذكرها في آخر المسألة من المقنع وشرح المصنف عليها. وثمت روايات بالتفريق بين أنواع ما يخرج على تفصيل في كتب المذهب. ينظر: الإرشاد ص ١٩، والمحرر ١/ ٤٧، والكافي ١/ ٩١، وشرح العمدة ١/ ٣٠٠، والفروع ١/ ٢٢١، وشرح الزركشي ١/ ٦٣، والإنصاف ٢/ ١٣، وكشاف القناع ١/ ٢٨٧.
(٥) سبق تخريجه قريبًا قبل هذا الفصل.
(٦) ذكر الزركشي في شرحه ١/ ٢٥٧ أن النقل عن ابن عقيل من كتابه الفصول وهو مفقود في هذا الموضع - يسر الله وجوده. ينظر: توثيق قول ابن عقيل في الكافي ١/ ٩١.
[ ١ / ٢١٩ ]
وعنه: الكثير شبرٌ في شبرٍ (^١).
وعنه: قدر الكفِّ فاحشٌ (^٢).
وعنه: قدر عشر أصابع كثيرٌ (^٣)، وما [يرفعه] (^٤) بأصابعه الخمس يسير.
قال الخلال: «الذي استقر عليه قوله أن الفاحش ما يستفحشه كل إنسانٍ في نفسه» (^٥). (^٦)
(وحكي عنه: أن قليلها ينقض) بالقياس على الخارج المعتاد.
(الثالث: زوال العقل (^٧) وهو نوعان:
أحدهما: النوم فينقض؛ لقوله ﵇: «العينان وِكاء السَّهِ (^٨)، فمن نام
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج ١/ ١٠١، ومسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله ص ٢٠، ومسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح ١/ ٢٤٧.
(٢) لم أجد توثيق الرواية فيما وقفت عليه من كتب مسائل الإمام. ينظر: توثيقها من الكافي ١/ ٩١.
(٣) لم أجد توثيق الرواية فيما وقفت عليه من كتب مسائل الإمام. ينظر: توثيقها من الكافي ١/ ٩١.
(٤) في المخطوط (يرقعه) وهو تصحيف، والصواب المثبت من الكافي ١/ ٩١، وفي المغني ١/ ١٢٠ بمعناه قال: «إذا كان مقدار ما يرفعه الإنسان بأصابعه الخمس من القيح والصديد والقيء فلا بأس به». ينظر: الإنصاف ٢/ ٣٣٧.
(٥) سنن الأثرم ص ٢٦٧. ينظر: توثيق قول الخلال في الكافي ١/ ٩١.
(٦) المذهب في تقدير الفاحش هو ما نقله المصنف عن الخلال باعتبار كل إنسان بحسبه. ينظر: الهداية ص ٥٧، والكافي ١/ ٩١، وشرح العمدة ٨٥/ ١ وما بعدها، والفروع ١/ ٢٢١، والإنصاف ٢/ ١٦، وكشاف القناع ١/ ٢٨٨.
(٧) في المطبوع من المقنع ص ٣٠ زيادة قوله: (إلا النوم اليسير جالسًا أو قائمًا، وعنه: أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره) ولعل المصنف استغنى عن هذه العبارة لورود مضمونها في شرحه والله أعلم.
(٨) وكاء السَّه: قال في التلخيص الحبير ١/ ١١٨: «السَّهِ المذكور في هذا الحديث بفتح السين المهملة وكسر الهاء المخففة الدبر، والوكاء بكسر الواو: الخيط الذي تربط به الخريطة، والمعنى: اليقظة وكاء الدبر أي حافظة ما فيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظًا أحس بما يخرج منه».
[ ١ / ٢٢٠ ]
فليتوضأ» (^١)؛ ولقول صفوان ﵁: «لكن من غائطٍ وبولٍ ونومٍ» (^٢)؛ ولأن النوم مظنة الحدث فقام مقامه كسائر المظان.
ولا يخلو من أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون مضطجعًا أو متَّكِئًا أو معتمدًا على شيءٍ، فينقض قليله وكثيره؛ للخبر. (^٣)
والثاني: أن يكون جالسًا غير معتمدٍ على شيءٍ، فلا ينقض قليله؛ لما روى أنسٌ ﵁: «أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العشاء فينامون قعودًا ثم يصلون ولا يتوضؤون» رواه مسلمٌ (^٤)، ولأنه يشق التحرز منه لكثرة وجوده من منتظري الصلاة فعفي عنه.
وإن كَثُر نَقَضَ؛ لأنه لا يَعلم بالخارج مع استثقاله ويمكن التحرز
_________________
(١) الحديث أخرجه أحمد في مسنده من حديث على ﵁ (٨٨٧) ١/ ١١١، وأبو داود في سننه (٢٠٣) ١/ ٥٢، وابن ماجه في سننه (٤٧٧) ١/ ١٦٢، والحديث روي أيضا عن معاوية ﵁، إلا أن ابن حجر قال: «إن حديث علي أثبت من حديث معاوية»، مع أن في كلا الحديثين مقالًا عند أهل العلم، وحسَّن حديث علي ﵁ ابن الصلاح والنووي والمنذري كما نقل عنهم ذلك ابن حجر في التلخيص. ينظر: العلل لابن أبي حاتم ١/ ٤٧، ومجموع الفتاوى ٢١/ ٣٩٥، والتلخيص الحبير ١/ ١١٨.
(٢) الحديث جزء من حديث سبق تخريجه في المسألة [٩٧/ ٢٢].
(٣) ما قرره المصنف من أن نوم المضطجع والمتكأ والمعتمد على شيء ينقض قليله وكثيره وهو المذهب، وعليه أكثر الحنابلة، فلا فرق بين النوم اليسير من المضطجع والكثير منه، وفي رواية نقلها الميموني أن النوم لا ينقض بحال، قال في الإنصاف: «واختاره الشيخ تقي الدين إن ظن بقاء طهره»، وقال الخلال: «إن هذه الرواية خطأ بيّن»، ويؤيد كلام الخلال أن ابن تيمية نص على أن النوم اليسير للمضطجع فيه رواية واحدة بالنقض بالقليل أو الكثير، وعليه فالذي يظهر لي أن ابن تيمية لا يطلق عدم النقض بالنوم بحال، لأن تفصيله للمسألة في شرح العمدة قَيَّد ما أطلقه في الإنصاف - إذا ظنَّ بقاء طهره - في مسألة من نام وهو قائم أو راكع أو ساجد فقط دون من نام وهو مضطجع والله أعلم. ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٠٥، ومجموع الفتاوى ٢١/ ٢٢٦، والفروع ١/ ٢٢٦، والإنصاف ٢/ ٢٠، وكشاف القناع ١/ ٢٩٢.
(٤) صحيح مسلم بنحوه (٢٧٦) ١/ ٢٧٦.
[ ١ / ٢٢١ ]
منه. (^١)
الثالث: القائم، فيه روايتان: أولاهما: إلحاقه بحالة الجلوس؛ لأنه في معناه، والثانية: ينقض يسيره؛ لأنه لا يتحفَّظ تحفُّظَ الجالس. (^٢)
الرابع: الراكع والساجد، ففيه روايتان: أولاهما: أنه كالمضَّطجِع؛ لأنه ينفَرِج محل الحدث فلا يتحفَّظ فأشبه المضطجع، والثانية: أنه كالجالس؛ لأنه على حال من أحوال الصلاة أشبه الجالس. (^٣)
والمرجع في اليسير إلى عرف الناس، كالقبض والإحراز.
وإن تغير عن هيئته انتقض وضوؤه؛ لأنه دليل على كثرته واستثقاله فيه.
النوع الثاني: زوال العقل بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو سكرٍ، فينقض الوضوء؛ لأنه لما نص على النقض بالنوم نَبَّه على نقضه بهذه الأشياء لأنها أبلغ في إزالة العقل، ولا فرق بين الجالس وغيره، والقليل والكثير؛ لأن صاحب هذه الأمور لا يحس بحال، بخلاف النائم فإنه إذا نُبِّه انتبه. (^٤)
_________________
(١) ما قرره المصنف من أن نوم الجالس ينقض كثيره دون قليله هو المذهب، وعليه أكثر الحنابلة، والرواية الثانية: ينقض نوم الجالس مطلقًا، والرواية الثالثة: لا ينقض نوم الجالس ولو كان كثيرًا. ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج ص ٧٦، ومجموع الفتاوى ٢١/ ٢٢٦، والإنصاف ١/ ٢١، وكشاف القناع ١/ ٢٩١.
(٢) ما قرره المصنف في الرواية الأولى من إلحاق نوم القائم بنوم الجالس المذهب، وعليه أكثر الحنابلة، فلا ينتقض وضوء من نام قائمًا إذا كان نومه يسيرًا كحال الجالس. ينظر: مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج ص ٧٦، وشرح العمدة ١/ ٣٠٥، والفروع ١/ ٢٢٦، والإنصاف ٢/ ٢١، وكشاف القناع ١/ ٢٩١.
(٣) والمذهب أن نوم الراكع والساجد يلحق بنوم المضطجع كما في الرواية الأولى، والرواية الثانية: اختارها جمهور المتقدمين في المذهب، والرواية الثالثة: ينقض نوم الساجد دون الراكع. ينظر: المصادر السابقة.
(٤) وحكي الإجماع عليهم. ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٣٠، الكافي ١/ ٩٣، وشرح الزركشي ١/ ٥٨.
[ ١ / ٢٢٢ ]
(الرابع: مَسُّ الذكر بيده)، وفيه ثلاث روايات: إحداهن: ينقض؛ لما روت بُسرةُ بنت صفوانَ ﵂ (^١) أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ»، قال أحمد: «هو حديثٌ صحيحٌ» (^٢)، وروى أبو هريرة ﵁ نحوه (^٣)، وهو متأخر عن حديث طَلْقٍ ﵁ (^٤) (^٥)؛ لأن في حديث طلق أنه قدم وهم يُؤسِّسون المسجد، وأبو هريرة قدم حين فتحت خيبر فيكون ناسخًا له (^٦). (^٧)
_________________
(١) بسرة بنت صفوان هي: بسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية بنت أخي ورقة بن نوفل، لها سابقةٌ وهجرة قديمةٌ في الإسلام، وهي ممن بايع رسول الله ﷺ من النساء، وكانت أختًا لعقبة بن أبي مُعيط لأمه، وزوجةً للمغيرة بن أبي العاص. ينظر: طبقات ابن سعد ٨/ ٢٤٥، والإصابة ٧/ ٥٢٦.
(٢) مسند أحمد (٢٧٣٣٦) ٦/ ٤٠٦، كما أخرج الحديث أبو داود في سننه (١٨١) ١/ ٤٦، والترمذي في جامعه (٨٢) ١/ ١٢٦، والنسائي في سننه (٤٤٤) ١/ ٢٢٦، وصححه الإمام أحمد كما في مسائل أبي داود له رقم ص ٤٢٣، والترمذي وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وصححه ابن حبان في صحيحه ٣/ ٢٩٨.
(٣) ولفظه: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه شيء فليتوضأ»، أخرجه أحمد في مسنده (٨٣٨٥) ٢/ ٣٣٣، والشافعي في الأم ١/ ١٩، والطبراني في الأوسط ١/ ٢٠٨، والدارقطني في سننه ١/ ١٤٧، وصححه ابن حبان في صحيحه ٣/ ٤٠٤.
(٤) طلق هو: أبو علي طلق بن علي بن طلق بن عمرو، وقيل في نسبه غير ذلك، صحابيٌّ مشهورٌ، بنى مع الصحابة ﵃ مسجد رسول الله ﷺ. ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ٢٥٨، والإصابة ٣/ ٥٨٣.
(٥) ولفظه عن طلق ﵁ قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره؟ قال: إنما هو بَضْعة منك أو جسدك»، أخرج الحديث أحمد في مسنده (١٦٣٢٩) ٤/ ٢٢، وأبو داود في سننه (١٨٢) ١/ ٤٦، والترمذي في جامعه (٨٥) ١/ ١٣١، والنسائي في سننه (١٦٥) ١/ ١١٠، وابن ماجه في سننه (٤٨٣) ١/ ١٦٣، وصححه الترمذي وقال: «وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب»، وابن حبان في صحيحه ٣/ ٤٢٠، وضعفه النووي في خلاصة الأحكام ١/ ١٣٥، وابن تيمية في شرح العمدة ١/ ٣١٤.
(٦) ينظر: المغني ١/ ١١٦، وشرح العمدة ١/ ٣١٢.
(٧) ما قرره المصنف في رواية أن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا هو الصحيح من المذهب، وعليها جماهير الحنابلة، وفي المسألة روايات أخر سأذكرها عقب ذكر المصنف الروايات في المسألة. ينظر: المحرر ١/ ٤٨، والكافي ١/ ٩٦، وشرح العمدة ١/ ٣١١، والفروع ١/ ٢٢٦، والإنصاف ٢/ ٢٦، وكشاف القناع ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ٢٢٣ ]
(و) سواءٌ مسَّه (ببطن كفه أو بظهره)؛ لأن أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﷺ قال: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما سُترةٌ فليتوضأ» رواه أحمد في مسنده (^١)، واليد المطلقة تتناول اليد إلى الكوع؛ لأنه لما قال تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] في حق السارق تناول ذلك لا غير.
(ولا ينقض مسه بذراعه)؛ لأنه ليس من اليد. (^٢)
(وفي مس الذكر المقطوع وجهان:) أحدهما: ينقض؛ لأنه مس ذكر، والثاني: لا ينقض؛ كما لا تنقض يد المرأة المقطوعة. (^٣)
[٩٨/ ١] مسألة: (فإن لمَسَ قُبُلَ الخنثى المُشكل وذَكَرَه انتقض وضوؤه)؛ لأن أحدهما فرجٌ.
(وإن مس أحدَهما لم ينتقض)؛ لأنه لا يتحقق كونه فرجًا.
(إلا أن يَمَسَّ الرجلُ ذكرَه لشهوةٍ) فينتقض؛ لأنه إن كان رجلًا فقد مَسَّ ذكره، وإن كان امرأةً فقد مس امرأةً لشهوة. (^٤)
[٩٩/ ٢] مسألة: (وفي مس الدُّبُر، ومسِّ المرأة فرجها روايتان:) إحداهما: لا ينقض؛ لأن تخصيص الذكر بالنقض دليل على عدمه في غيره.
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا في الحاشية على الفقرة السابقة.
(٢) ما قرره المصنف من أن مس الذكر بالذراع لا ينقض الوضوء هو المذهب، والرواية الثانية أنه ينقض وضوء من مس ذكره بذراعه. ينظر: المحرر ١/ ٤٨، الكافي ١/ ٩٥، وشرح العمدة ١/ ٣١٦، والإنصاف ٢/ ٣٢، وكشاف القناع ١/ ٢٩٢.
(٣) ما قرره المصنف في الوجه الثاني من أن مس الذكر المقطوع لا ينقض الوضوء هو المذهب. ينظر: المصادر السابقة.
(٤) فائدة: في الإنصاف ٢/ ٣٦: أورد تحت المسألة اثنتين وسبعين صورة، ذكرها والحكم عليها جميعًا على الصحيح من المذهب.
[ ١ / ٢٢٤ ]
والثانية: ينقض؛ لأن أبا أيوب (^١) وأم حبيبة (^٢) ﵄ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (^٣)، قال أحمد: «حديث أم حبيبة صحيحٌ» (^٤)، وهو عام؛ ولأنه سبيل فأشبه الذكر. (^٥)
(و) الرواية (الثانية: لا ينقض لمس الفرج بحال)؛ لما روى قيس بن طلق عن أبيه ﵁ (^٦) أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة قال: «هل هو إلا بَضْعَة منك» رواه أبو داود (^٧). (^٨)
_________________
(١) أبو أيوب هو: أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد الخزرجي من بني مالك بن النجار (ت ٥٠ هـ)، صحابيٌّ مشهورٌ، شهد العقبة وبدرًا وما بعدها، ونزل عليه النبي ﷺ لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته، واستخلفه علي ﵁ على المدينة لما خرج إلى العراق، ثم لحق به بعد وشهد معه قتال الخوارج، توفي في غزاة القسطنطينية زمن يزيد بن معاوية. ينظر: التاريخ الكبير ٣/ ١٣٦، الإصابة ٢/ ٢٣٤.
(٢) أم حبيبة هي: رملة بنت أبي سفيان القرشية الأموية (ت ٤٤ هـ)، أم المؤمنين زوجة نبينا محمد ﷺ، وكنيتها بأم حبيبة أشهر، تزوجها عبدالله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة فولدت هناك منه حبيبة، ثم تنصر عبدالله بن جحش وثبتت على دينها، وكتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي أن يزوجه أم حبيبة، فزوجه إياها وبعث بها إليه في سنة سبع. ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٨٤٤، والإصابة ٧/ ٦٥١، والمنتظم ٥/ ٢١١.
(٣) الحديث سبق ذكر من خرجه بلفظه من حديث بسرة بنت صفوان ﵂ قريبًا، والرواية التي ساقها المصنف عن أم حبيبة وأبي أيوب الأنصاري ﵄ أخرجها ابن ماجه في سننه (٤٨١) و(٤٨٢) ١/ ١٦٢، وقال الدارقطني عنهما في علله: «هو محفوظٌ» ٦/ ١٢٤.
(٤) ينظر: توثيق قول الإمام أحمد في الكافي ١/ ٩٧.
(٥) ما قرره المصنف في الرواية الثانية من أن مس الدبر ومس المرأة فرجها ينقض الوضوء هو المذهب. ينظر: المحرر ١/ ٤٨، والكافي ١/ ٩٦، وشرح العمدة ١/ ٣١٧، والإنصاف ٢/ ٣٩، وكشاف القناع ١/ ٢٩٧.
(٦) قيس بن طلق هو: قيس بن طلق بن علي الحنفي اليماني، تابعيٌّ مشهورٌ، والده طلق ابن علي صحابي، تقدمت ترجمته قريبًا، قال ابن حجر: «وقيس أشهر من أن يخفى على أحد من أهل الحديث». ينظر: التاريخ الكبير ٧/ ١٥١، والثقات ٥/ ٣١٣، والإصابة ٥/ ٥٦٣.
(٧) الحديث سبق تخريجه قريبًا في حاشية ١/ ٢٢٣.
(٨) وهي الرواية الثانية في حكم لمس الذكر.
[ ١ / ٢٢٥ ]
الرواية الثالثة: إن قصد إلى مسِّه نقض، ولا ينقض من غير قصد؛ لأنه لمسٌ فلم ينقض من غير قصدٍ كلمس النساء. (^١)
(الخامس: أن تَمَسَّ بشَرتُه بَشَرة أنثى (^٢)، وفيه ثلاث روايات: إحداهن: ينقض بكل حال)؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
(الثانية: لا ينقض بحال)؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قَبَّل عائشة ﵂، ثم صلى ولم يتوضأ» رواه أبو داود (^٣)، وقال: «هو مرسلٌ؛ لأنه يرويه إبراهيم النخعي عن عائشة ولم يسمع منها» (^٤)، وقالت عائشة ﵂: «فقدت رسول الله ﷺ فجعلت أطلبه، فوقعت يدي على قدميه وهو
_________________
(١) وفي المسألة روايات أخرى، منها: لا ينقض مسه بغير شهوة، وروايات ترجع إلى صفة المس ونوعه لم أشأ إيرادها خشية الإطالة والخروج عن المقصود. ينظر: المحرر ١/ ٤٨، والكافي ١/ ٩٦، وشرح العمدة ١/ ٣١١، والفروع ١/ ٢٢٦، والإنصاف ٢/ ٢٦، وكشاف القناع ١/ ٢٩٢. فائدة: قال ابن أبي موسى في الإرشاد ص ١٨: «مس الذكر مباشرة للذة ينقض الوضوء قولا واحدًا».
(٢) في المطبوع من المقنع ص ٣٠ زيادة قوله: (لشهوة) وسيأتي ذكرها.
(٣) سنن أبي داود (١٧٨) ١/ ٤٦، كما أخرج الحديث أحمد في مسنده (٢٥٨٠٧) ٦/ ٢٢٠، والترمذي في جامعه (٨٦) ١/ ١٤٨، وابن ماجه في سننه (٥٠٢) ١/ ١٦٨، وضعف الحديث أبو داود في سننه لعلة الإرسال فيه عن عائشة كما ذكر المصنف، والترمذي في جامعه ونقل عن البخاري تضعيفه، والنووي في خلاصة الأحكام ١/ ١٣٨، وقال ابن تيمية في شرح العمدة ١/ ٣٢٤: «روي الحديث من طريق آخر بإسناد جيد عن عطاء عن عائشة ﵂، ورواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة، ومثل ذلك مما يعضد الاحتجاج به».
(٤) سنن أبي داود ١/ ٤٦، وفيه: «يرويه إبراهيم التيمي عن عائشة» وليس كما قرر المصنف «يرويه إبراهيم النخعي عن عائشة»، وكل من يشير إلى علة الحديث بالإرسال يقرر رواية إبراهيم التيمي وليس النخعي. ينظر: مصادر تخريج الحديث السابقة، ولعل الخطأ من الناسخ أو المصنف، والظاهر أنه من المصنف؛ لأن كلامه في العدة مطابق له هنا ص ٥٦ والله أعلم، كما أن شيخه ابن قدامة في المغني ١/ ١٢٤ قد أورد الحديث وأشار إلى أنه من رواية إبراهيم التيمي.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ساجد» رواه مسلمٌ (^١)، ولو بَطَل وضوؤه لفسدت صلاته.
(والرواية الثالثة:) وهي ظاهر المذهب، (أنه ينقض إذا كان لشهوةٍ)، ولا ينقض لغير شهوةٍ؛ جمعًا بين الآية والخبر؛ ولأن اللَّمس ليس بحدثٍ إنما هو داعٍ إلى الحدث، فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى الحدث كالنوم، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة، وذوات المحارم وغيرهن؛ لعموم الدليل فيه. (^٢)
[١٠٠/ ٣] مسألة: (ولا ينقض لمس الشعر، والسِّن، والظُّفر)؛ لأنه لا يقع عليه طلاقٌ بإيقاعه عليه (^٣).
(وإن مس الأمرد، أو فرج بهيمةٍ (^٤)، لم ينتقض)؛ لأنه ليس محلًّا لشهوة الآخر شرعًا.
[١٠١/ ٤] مسألة: (وفي نقض وضوء الملموس روايتان:) إحداهما: ينتقض؛ لأنها ملامسةٌ تنقض الطهارة، فاستوى فيها الفاعل والمفعول كالمجامعة.
والثانية: لا ينتقض؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فخص اللّامس بالنقض؛ ولأنه لمس يوجب الطهارة الصغرى فاختص باللامس كمس الذكر. (^٥)
_________________
(١) صحيح مسلم (٤٨٦) ١/ ٣٢٥.
(٢) ما قرره المصنف في الرواية الثالثة أن ظاهر المذهب في أن مس بشرة الأنثى ينقض الوضوء إذا كان بشهوة هو المذهب. ينظر: المحرر ١/ ٤٧، والكافي ١/ ٩٨، وشرح العمدة ١/ ٣٢١، والفروع ١/ ٢٣٠، والإنصاف ٢/ ٤٢، وكشاف القناع ١/ ٢٩٩.
(٣) ينظر: المغني ٧/ ٣٧٨.
(٤) ليس في المطبوع من المقنع ص ٣٠: (وفرج البهيمة)، وقد سودتها لمقتضى السياق والله أعلم.
(٥) ما قرره المصنف في الرواية الثانية أن وضوء الملموس لا ينتقض بانتقاض وضوء اللامس هو المذهب. ينظر: المحرر ١/ ٤٧، والكافي ١/ ١٠٠، وشرح العمدة ١/ ٣٢٩، والفروع ١/ ٢٣٢، والإنصاف ٢/ ٥٠، وكشاف القناع ١/ ٣٠٠.
[ ١ / ٢٢٧ ]
(السادس: غسل الميت)؛ لأن ابن عمر وابن عباس ﵃ كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء (^١)، وقال أبو هريرة ﵁: «أقل ما فيه الوضوء» (^٢)؛ ولأنه مظنة لمس الفرج فأقيم مقامه كالنوم مع الحدث، ولا فرق بين الميت المسلم والكافر، والصغير والكبير؛ لعموم الأثر فيه.
وكلام أحمد يدل على أنه مستحبٌّ غير واجبٍ، فإنه قال: «أحب إلي أن يتوضأ» (^٣)، وعلَّل نفي وجوب الغسل من غسل الميت بكون الخبر الوارد فيه موقوفًا على أبي هريرة ﵁ (^٤)، والوضوء كذلك، ولأنه ليس بمنصوصٍ عليه، ولا هو في معنى المنصوص، والأصل عدم وجوبه. (^٥)
(السابع: أكل لحم الجزور (^٦)؛ لما روى جابر بن سَمُرة ﵁ (^٧) أن
_________________
(١) أثر ابن عمر وابن عباس ﵄ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ٤٠٦، وابن أبي شيبة في مصنفه ٢/ ٤٦٩، واحتج بهما ابن تيمية في شرح العمدة وقوى بهما مذهب من يرى الوضوء من غسل الميت. ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٥٩.
(٢) لم أقف على من خرجه.
(٣) ينظر: بنحوه في مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج ص ٢٢٧.
(٤) ينظر: بنحوه في مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود ص ٢١٥، ومسائل عبدالله ص ٢٢، فإنه قال: سمعت أحمد وقد سأل عن غسل من الميت؟ فقال: «ليس يثبت فيه حديث عن النبي ﷺ». ينظر: المغني ١/ ١٣٤.
(٥) أشار المصنف إلى أن غُسل من غَسَّل ميتًا فيه روايتان بالمذهب، الأولى: أن غسل الميت ينقض الوضوء، والثانية: أن غسل الميت لا ينقض الوضوء ولكن يستحب الغسل منه، والصحيح من المذهب أن غسل الميت ينقض الوضوء، وهو من مفردات المذهب. ينظر: المحرر ١/ ٤٨، والكافي ١/ ١٠١، وشرح العمدة ١/ ٣٥٩، والإنصاف ٢/ ٥٢، وكشاف القناع ١/ ٣٠١.
(٦) في المطبوع من المقنع ص ٣٠ زيادة قوله: (لقول رسول الله ﷺ: «توضأوا من لحوم الإِبل ولا توضأوا من لحوم الغنم»)، وهو من حديث أسيد بن حضير ﵁ عند أحمد (١٩١١٩)، وابن عمر ﵁ عند ابن ماجه (٤٩٧)، وفي إسناديهما مقال عند أهل العلم، ويظهر أن المصنف استغنى عنه بحديث جابر بن سمرة الذي في الصحيح، والله أعلم.
(٧) جابر بن سمرة هو: أبو عبد الله جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب العامري (ت ٧٤ هـ) صحابيٌّ، ولأبيه صحبة أيضًا، أمه خالدة بنت أبي وقاص أخت سعد بن أبي وقاص، جالس النبي ﷺ، ونزل الكوفة، وتوفي في ولاية بشر بن مروان. ينظر: الاستيعاب ١/ ٢٢٤، والإصابة ١/ ٤٣١.
[ ١ / ٢٢٨ ]