(وهو ضربان: كاملٌ، يأتي فيه بعشرة أشياءَ، النية والتسمية)، وقد سبق دليلهما (^٢)، (وغَسل يديه ثلاثًا، وغَسل ما به من أذًى، والوُضوء، ويحثي على رأسه ثلاثًا يُرَوّي بها أصول الشعر، ويُفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه)؛ وذلك لما روي عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يُخلل شعره بيده حتى إذا ظَنَّ أن قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده»، وقالت ميمونة ﵂: «وَضع رسول الله ﷺ وضوء الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ يمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يُرِدْها، وجعل ينفض الماء بيديه» متفقٌ عليهما (^٣).
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق.
(٢) في باب السواك المسألة [٥٠/ ٩]، وباب فروض الوضوء وصفته المسألة [٦٠/ ١].
(٣) الحديث الأول: صحيح البخاري (٢٤٥) ١/ ٩٩، وصحيح مسلم (٣١٦) ١/ ٢٥٣ بنحوه. والحديث الثاني: صحيح البخاري (١٦٢) ١/ ١٠٤، وصحيح مسلم (٣١٧) ١/ ٢٥٤ بنحوه.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ويبدأ بشقه الأيمن؛ لأن النبي ﷺ كان يحب التَّيمن في طُهوره وفي شأنه كله متفقٌ عليه (^١)، ويدلك بدنه بيديه ليصل الماء إلى جميعه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه؛ لأنه قد روي في حديث ميمونة أن النبي ﷺ فعله (^٢). (^٣)
(الضرب الثاني: مجزئٌ (^٤)، وهو أن ينوي، ويَعمَّ بدنه وشعره بالغسل)؛ لأنه المأمور به بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، ويجب إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر وإن كان كثيفًا؛ لحديث عائشة ﵂: «حتى إذا ظن أن قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات» (^٥).
[١١١/ ٧] مسألة: (ويتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصّاع)؛ لما روى مسلم عن سفينة ﵁ (^٦) قال: «كان رسول الله ﷺ يُغسِّله الصاع من الماء من الجنابة ويوضِّئُه المد» (^٧).
والمد: رِطلٌ وثلثٌ بالعراقي، والصاع: أربعة أمداد، فيكون خمسة
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في باب السواك في المسألة [٤٩/ ٨].
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) وفي مسألة تقديم الوضوء على الغسل أو تأخيره، ومسألة نقل القدم بعد الغسل روايات في المذهب، لم أر إثباتها خشية الخروج عن المطلوب. ينظر: الإنصاف ٢/ ١٢٩.
(٤) في المطبوع من المقنع ص ٣٣ زيادة: (ومجزئ: وهو أن يغسل ما به أذًى)، وقد استُشكِلت العبارة على صاحب الإنصاف وغيره، ولهم عليها توجيهات وأجوبة، والله أعلم. ينظر: الإنصاف ١/ ١٣٠.
(٥) سبق تخريجه قريبًا.
(٦) سفينة هو: أبو عبد الرحمن وقيل: أبو البختري، وقيل: إن اسمه مهران بن فروخ، ويقال غير ذلك، صحابيٌّ، مولى رسول الله ﷺ، كان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبي ﷺ. ينظر: التاريخ الكبير ٣/ ١٩٢، والإصابة ٣/ ١٣٢.
(٧) صحيح مسلم (٣٢٦) ١/ ٢٥٨.
[ ١ / ٢٤٥ ]
أرطالٍ [وثلثًا] (^١)؛ لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵁ (^٢): «أطعم ستة مساكين فَرَقًا من طعام» متفقٌ عليه (^٣)، قال أبو عبيد: «ولا اختلاف بين الناس أعلمه في الفَرَقِ (^٤) ثلاثة آصع، والفَرق ستة عشر رِطلًا» (^٥)، فثبت أن الصاع خمسة أرطالٍ وثلثُ. (^٦)
_________________
(١) في نسخة المخطوط (وثلث)، وقد أثبت ما في الصلب لأنها أصوب. وقد سبق في المسألة [١/ ١] تحديد الرطل من الماء بالقياس الحالي الجرامات ومثله اللترات ويساوي ٣٨١. ٦٦ جرام تقريبًا، وعليه يكون تقدير المد ٥٠٨. ٨٨ جرام أو لترًا تقريبًا، والصاع تقديره ٢. ٠٣٥ كيلوجرام أو لترًا تقريبًا.
(٢) كعب بن عجرة هو: أبو محمد ابن أمية بن عدي الأنصاري (ت ٥٢ هـ)، صحابيٌّ مشهورٌ، من أهل بيعة الرضوان، شهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه آية الفدية لفعل المحظور في الحج، روى عنه ابن عمر، وجابر، وابن عباس، وطارق بن شهاب، وزيد بن وهب وغيرهم، ومن أولاده إسحاق، ومحمد، وعبد الملك، والربيع. ينظر: معجم الصحابة ٢/ ٣٧١، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٥٢، والإصابة ٥/ ٥٩٩.
(٣) صحيح البخاري (١٧١٩) ١/ ٦٤٤، وصحيح مسلم (٢١٠١) ٢/ ٨٥٩ بنحوه.
(٤) الفَرق هو: بفتح الراء أداة تقدير في الوزن قديمًا، وهو مكيال ضخم لأهل المدينة معروف، ويساوي ثلاثة أصواع يساوي ٦. ١٠٦ كيلوجرام، وأما الفَرْق بسكون الراء فهو مكيال ضخم لأهل العراق. ينظر: كتاب الأموال ١/ ٦٢٤، والإنصاف ٦/ ٥٧١، ولسان العرب ١٠/ ٢٠٥.
(٥) كتاب الأموال ١/ ٦٢٤. قلت: نقل المصنف عن أبي عبيد إن كان من هذا الكتاب فهو بنحو ما قاله، وحكاية عدم الخلاف التي ذكرها المصنف عنه هو في مذهب أهل الحجاز، وهو ما اختاره وقال فيه: «وهذا هو الذي عليه العمل عندي لأني مع اجتماع قول أهل الحجاز عليه تدبرته في حديث يروى عن عمر فوجدته موافقًا لقولهم»، إلا أن أبا عبيد ذكر خلافًا لأهل العراق في تقدير الصاع إذ يجعلونه ثمانية أرطال - يراجع فيه المصدر المذكور.
(٦) لا اختلاف بين أهل العلم في أن الرسول ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، ولكن الخلاف في تقدير المد والصاع، فالمذهب الذي عليه نقل رواية الجماعة عن الإمام أحمد هو ما قرره المؤلف أن المد رطل وثلث والصاع خمسه أرطالٍ وثلثٌ، والرواية الثانية: أن المد رطلان والصاع ثمانية أرطال في الماء خاصة دون بقية ما يستخدم له الكيل بالصاع. قلت: وعليه تكون الرواية الثانية موافقة لمذهب أهل العراق كما ذكرته عن أبي عبيد قبل قليلٍ. ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٣٧، والإنصاف ٢/ ١٤٣، وكشاف القناع ١/ ٣٦٩.
[ ١ / ٢٤٦ ]
[١١٢/ ٨] مسألة: (فإن أسبغ بدونهما أجزأه)، وهو أن يعم جميع الأعضاء بالماء بحيث يجري عليها، فإذا فعل ذلك أجزأه؛ لأن الله ﷾ أمر بالغُسل وقد أتى به فيجب أن يجزئه. (^١)
[١١٣/ ٩] مسألة: (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما)؛ لأنهما عبادتان من جنس فتدخل الصغرى في الكبرى، كالعمرة مع الحج (^٢).
(وعنه: لا يجزئه الغسل عن الوضوء (^٣)؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك (^٤)، ولأن الجنابة والحدث وجدا منه فوجبت لهما الطهارتان، كما لو كانا منفردين. (^٥)
[١١٤/ ١٠] مسألة: (ويستحب للجنب إذا أراد النوم، أو الأكل، أو الوطء ثانيًا، أن يغسل فرجه ويتوضأ)؛ لما روي عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل، أو ينام توضأ - يعني: وهو جنب» رواه أبو داود (^٦)، وروي أن عمر ﵁ قال: «يا رسول الله أيرقد أحدنا
_________________
(١) وهو المذهب وعليه جمهور الحنابلة أنه يجزئه إسباغ الغسل بدون الصاع، قال الزركشي: «على المشهور المعروف من الروايتين»، وقيل: إن الرواية الثانية التي تفيد عدم الإجزاء أومأ إليها الإمام أحمد ولم ينص عليها. ينظر: شرح الزركشي ١/ ٨٨، وشرح العمدة ١/ ٤٣٨، والإنصاف ١/ ١٤٤.
(٢) سيأتي تقرير المسألة في كتاب الحج إن شاء الله.
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود ص ١١.
(٤) كما في حديث عائشة ﵂ في بداية فصل صفة الوضوء.
(٥) والرواية الأولى هي المذهب وعليها جماهير الحنابلة، والرواية الثانية تعد من مفردات المذهب، ولعل هذه الرواية مستفادة من قول حنبل، حيث قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: يبدأ فيتوضأ وضوؤه للصلاة ثم يغتسل؛ لأن الغسل يأتي على طهارة الوضوء، وهذا حدث يوجب الوضوء» كما في فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٧٧ والله أعلم. ينظر: الكافي ١/ ١٣٤، وشرح العمدة ١/ ٤٠٨، والإنصاف ١/ ١٤٩، وكشاف القناع ١/ ٣٧٢.
(٦) سنن أبي داود (٢٢٢) ١/ ٥٧، كما أخرج الحديث البخاري في صحيحه (٢٨٤) ١/ ١١٠، ومسلم في صحيحه (٣٠٥) ١/ ٢٤٨ بنحوه.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد» متفقٌ عليه (^١)، وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتى أحدكم أهله وأراد أن يعود فليتوضأ» رواه مسلم (^٢).
وحكي عن أحمد: إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه (^٣)، وروت ذلك عائشة ﵂ عن النبي ﷺ «أنه كان إذا أراد أن يأكل وهو جنبٌ غسل يديه» رواه أبو داود (^٤)، وروي عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنبٌ، ولا يمس ماءً» حديث عائشة هذا رواه الترمذي، وقال: «قد روي عن أبي إسحاق (^٥)، يرون أنه غلطٌ من أبي إسحاق» (^٦)،
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٨٣) ١/ ١١٠ بلفظه، وصحيح مسلم (٣٠٥) ١/ ٢٤٨.
(٢) صحيح مسلم (٣٠٨) ١/ ٢٤٩.
(٣) لم أجده فيما وقفت عليه من كتب مسائل الإمام. ينظر: توثيقه من المغني ١/ ١٤٤.
(٤) سنن أبي داود (٢٢٣) ١/ ٥٧، كما أخرج الحديث أحمد في مسنده (٢٥٦٣٩) ٦/ ١٩٢، وابن ماجه في سننه (٥٩٣) ١/ ١٩٥، وصححه ابن خزيمة ١/ ١٠٩.
(٥) أبو إسحاق هو: أبو إسحاق السَّبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد الهَمْداني (ت ١٢٩ هـ) تابعيٌّ مشهورٌ، ثقة، مكثرٌ من رواية الحديث، قال الذهبي: «وكان ﵀ من العلماء العاملين، ومن جلة التابعين»، ولد في خلافة عثمان ﵁، روى عن جمع من الصحابة منهم معاوية، وعدي بن حاتم، وابن عباس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم وغيرهم، وروى عنه الأعمش، وابن شهاب الزهري، وسفيان الثوري، اختلط في آخر حياته. ينظر: التاريخ الكبير ٦/ ٣٤٧، وتهذيب الكمال ٢٢/ ١٠٣، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٩٣.
(٦) جامع الترمذي (١١٨) ١/ ٢٠٢، كما أخرج الحديث أحمد في مسنده (٢٥١٧٨) ٦/ ١٤٦، وأبو داود في سننه (٢٢٨) ١/ ٥٨، والنسائي في سننه (١٢٧) ١/ ٨٣، وابن ماجه في سننه (٥٨١) ١/ ٩٢، وتمام قول الترمذي: «وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ قبل أن ينام، وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود، وقد رَوى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد ويرون أن هذا غلطٌ من أبي إسحاق»، وقال أحمد: «ليس بصحيح» شرح العمدة ١/ ٤٣٥، وضعفه ابن رجب في فتح الباري ١/ ٣٦٢ للعلة التي ذكرها الترمذي آنفًا وقال: «اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق». وينظر: العلل للدارقطني ٣/ ١٦٤، والتمهيد ١٧/ ٣٩.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وروي أنه كان يطوف على نسائه بغسل واحد (^١).
قلنا: وهذه الأحاديث محمولةٌ على الجواز، والأحاديث الأول محمولةٌ على الاستحباب. (^٢)
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ (٣٠٩) ١/ ٢٤٩، وأصله في البخاري ولفظه: «كان يطوف على نسائه في الليلةٍ الواحدةٍ وله يومئذ تسع نسوة» (٢٨٠) ١/ ١٠٩.
(٢) ما قرره المصنف هو المذهب أنه يستحب للجنب إذا أراد النوم، أو الأكل والشرب، أو الوطء ثانيًا، أن يغسل فرجه ويتوضأ، والرواية الثانية: أنه يستحب للرجل خاصةً، والرواية الثالثة: بالنسبة للأكل والشرب خاصة: أنه يكفيه أن يغسل يده وتمضمض، وقال في شرح العمدة في حق وضوء الجنب إذا أراد أن ينام: «والمشهور أنه يسن له أن يغسل فرجه ويتوضأ، وظاهر كلامه وجوب ذلك - يعني الإمام أحمد؛ لما روى ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ». ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٤٣، والإنصاف ١/ ١٥٢، وكشاف القناع ١/ ٣٧٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]