ويحيى بن عُقيل (^١): أن القلة تأخذ قربتين (^٢)، وقِربُ الحجاز كبارٌ (^٣)، تأخذ كل قربةٍ مئة رِطلٍ.
(وهل ذلك تقريبٌ أو تحديدٌ؟ فيه وجهان): أظهرهما: أنه تقريبٌ،
_________________
(١) يحيى بن عقيل الخزاعي البصري بضم العين، قال ابن الصلاح في مقدمته ١/ ٣٥٥: «ليس فيها - أي: في الصحيحين والموطأ - عقيل بضم العين إلا عقيل بن خالد ويحيى بن عقيل وبنو عقيل للقبيلة ومن عدا هؤلاء عقيل بفتح العين». وهو تابعي، نزل مروا، روى عن عمران بن حصين، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، ويحيى بن يعمر، وعدة، وروى عنه سليمان التيمي، وعزرة بن ثابت، وعبد الله بن كيسان المروزي، وواصل مولى بن عيينة، والحسين بن واقد، وغيرهم، قال ابن معين: «ليس به بأس»، وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: الثقات لابن حبان ٥/ ٥٢٨، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٢٦، وتقريب التهذيب ص ٥٩٤.
(٢) تبع المصنف في إسناد القول إلى ابن جريج ويحيى بن عقيل الموفق في الكافي ١/ ١٨، وهو كذلك في الممتع لابن المنجى ١/ ١٠٩، وبنحوه في المغني ١/ ٣٠، والزركشي في شرح الخرقي ١/ ١٤ حيث أسندا القول ليحيى بن عقيل وقالا: «رواه الجوزجاني ونحوه عن ابن جريج»، خلافًا لابن مفلح في المبدع حيث عزا القول ليحيى بن عقيل فقط من رواية الجوزجاني، وسبق في تخريج قول ابن جريج السابق وذكر الاضراب في نسبة الأثر، وعند البيهقي في الكبرى ١/ ٢٦٢ ذكر القربتين هو من قول محمد بن يحى ونصه: «عن ابن جريج، قال أخبرني محمد، فذكره قال محمد: قلت ليحيى بن عقيل: أي قلال؟ قال: قلال هجر، قال محمد: فرأيت قلال هجر فأظن كل قلة تأخذ قربتين، كذا في كتاب شيخي قربتين وهذا أقرب مما قال مسلم بن خالد والإسناد الأول أحفظ والله أعلم»، قلت: يعني بالإسناد الأول الرواية عن ابن جريج التي سبق تخريجها والكلام عليها.
(٣) هذا قول الشافعي في الأم ١/ ٥، وقِرب الحجاز تنسب إلى إقليم الحجاز المشهور الذي يفصل بين تهامة ونجد، ويضم عدة مدن، أشهرها مكة والمدينة، وقيل: الحجاز جبل ممتد يحول بين الغور - غور تهامة - ونجد، فكأنه منع كل واحد منهما أن يختلط بالآخر وإليه ينسب ذلك الإقليم. ينظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٩٥، ومعجم البلدان ٢/ ٢١٨، وتهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٤٣.
[ ١ / ١٤٣ ]
فلو نقص منه رِطلٌ أو رِطلان لم يؤثر؛ لأن القربة إنما جعلت مئة رِطل تقريبًا، (والشيء) جعل نصفًا احتياطًا، والغالب أنه يستعمل فيما دون النصف وهذا لا تحديد فيه.
والثاني: أنه تحديدٌ، فلو نقص شيئًا يسيرًا تَنَجَّس بالنجاسة، لأننا جعلناه احتياطًا، وما وجب الاحتياط فيه صار فرضًا كغَسل جزءٍ من الرأس مع الوجه. (^١)
[٢/ ٢] مسألة: (وإذا شكَّ في نجاسة الماء، أو كان نجسًا فشك في طهارته بنى على اليقين)؛ لأنه الأصل (^٢).
[٣/ ٣] مسألة: (وإذا اشتبه الماء الطاهر بالنَّجس لم يتحرَّ فيهما على الصَّحيح من المذهب، ويتيمم)؛ لما روى الحسن بن علي ﵁ (^٣) أن النبي ﷺ قال: «دع ما يَريبُك إلى ما لا يُريبك» (^٤) (^٥)، ولأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التَّحري، كما لو اشتبهت أخته بأجنبيةٍ، أو كما لو كان النجس بولًا.
_________________
(١) ما قرره المصنف في الرواية الأولى من أن قدر الماء هو خمسمئة رطل بالعراقي هو على التقريب لا على التحديد هو الصحيح من المذهب، قال في الإنصاف: «لأن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوها بحد، والقرب تختلف غالبًا» ينظر: الكافي ١/ ١٨، والمحرر ١/ ٢٨، والإنصاف ١/ ١٢٢، وكشاف القناع ١/ ٧٤.
(٢) ينظر: العدة شرح العمدة ص ٢٤، والشرح الكبير ١/ ١٢٨.
(٣) الحسن بن علي هو: أبو محمد الحسن بن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، أمه: فاطمة بنت نبينا محمد ﷺ، ولد في النصف من شهر رمضان عام ٣ هـ، وصفه النبي ﷺ بسيد شباب أهل الجنة، وتوفي سنة تسع وأربعين، وقيل سنة خمسين. ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ٢٨٦، والاستيعاب ١/ ٣٨٣، والإصابة ٢/ ٦٨.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (١٧٢٣) ١/ ٢٠٠، والنسائي في سننه (٥٧١١) ٨/ ٣٢٧، والترمذي في جامعه (٢٥١٨) ٤/ ٦٦٨، وفيه زيادة: «… فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة»، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، كما صححه الحاكم في مستدركه ٢/ ١٥، وابن حبان في صحيحه ٢/ ٤٩٨.
(٥) حاشية: حديث حسن رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
[ ١ / ١٤٤ ]
وحكي عن أبي عليٍّ النَّجاد (^١): أنه إذا كثر عدد الطاهر فله أن يَتحرى، ويتوضَّأ بالطاهر عنده؛ لأن احتمال إصابة الطاهر أكثر، والاعتماد على الأول لما سبق. (^٢)
[٤/ ٤] مسألة: (وهل يشترط) لصحة التيمم (إراقتهما أو خلطهما؟ على روايتين:) إحداهما: يشترط؛ ليتحقق عدم الطاهر.
والأخرى: لا يشترط؛ لأن الوصول إلى الطاهر متعذرٌ فلم يشترط عدمه، كما لو كان في بئرٍ وليس معه حبلٌ يستقي به. (^٣)
[٥/ ٥] مسألة: (وإن اشتبه طاهرٌ بطهورٍ توضأ من كل واحدٍ منهما، وصلّى صلاةً واحدةً)؛ لأنه إذا توضأ من كل واحدٍ منهما حصلت له الطهارة بيقينٍ. (^٤)
[٦/ ٦] مسألة: (وإن اشتبهت الثِّياب الطاهرة بالنجسة صلّى في كل
_________________
(١) أبو علي النجاد هو: الحسين بن عبد الله، (ت ٣٤٨ هـ)، كان فقيهًا معظمًا إمامًا في أصول الدين وفروعه وصنف فيهما، صحب من شيوخ المذهب أبا الحسن بن بشار وأبا محمد البربهاري ومن في طبقتهما، وقيل: إنه عاش إلى سنة ٣٦٠ هـ والله أعلم. ينظر: طبقات الحنابلة ٣/ ٢٤٩، والمطلع ١/ ٤٣٣، والعبر في خبر من غبر ٢/ ٣٢٨، والمقصد الأرشد ١/ ٣٢٢، والوافي بالوفيات ١٢/ ٤٨.
(٢) ما قرره المصنف من أن المتطهر إذا اشتبه عليه الماء الطاهر بالنَّجس لم يتحرَّ فيهما ويتيمم هو الصَّحيح من المذهب، وعليه جماهير الحنابلة، وهو من مفردات المذهب، وما حكاه المصنف عن أبي علي النجاد إحدى الروايتين في المذهب. ينظر: المحرر ١/ ٣٥، والكافي ١/ ٣٤، وشرح العمدة ١/ ٣٤، والإنصاف ١/ ١٣٠، وكشاف القناع ١/ ٨١.
(٣) ما قرره المصنف في الرواية الثانية من أنه لا يشترط لصحة التيمم إراقتهما أو خلطهما هو المذهب. ينظر: المحرر ٣٥/ ١، والكافي ١/ ١٢، والإنصاف ١/ ١٣٥. فائدة: قيد ابن تيمية في شرح العمدة ١/ ٣٤ الرواية الأولى بقوله: «وهذا إذا لم يكن محتاجًا إليها للشرب وغيره».
(٤) ما قرره المصنف من أنه إذا اشتبه طاهر بطهور توضأ من كل واحد منهما وصلّى صلاةً واحدةً وجهًا واحدًا في المذهب، ولكن هل يتوضأ من كل واحدٍ غرفةً، أو يتوضأ وضوءًا كاملًا من الجميع؟ على وجهين: والمذهب على الوجه الأول. ينظر: المحرر ١/ ٣٥، والكافي ١/ ٢٥، والعدة شرح العمدة ص ٢٤، والإنصاف ١/ ١٣٧، وكشاف القناع ١/ ٨٣. فائدة: قال المرداوي في الإنصاف ١/ ١٣٨: «وتظهر فائدة الخلاف إذا كان عنده طهور بيقين، فمن يقول يتوضأ وضوءين لا يصحح الوضوء منهما، ومن يقول وضوءًا واحدًا من هذا غرفة ومن هذا غرفة يصحح الوضوء كذلك مع الطهور المتيقن».
[ ١ / ١٤٥ ]
ثوبٍ صلاةً بعدد النجس، وزاد صلاةً)؛ لأنه أمكنه تأدية فرضه بيقين من غير مشقةٍ، فلزمه كما لو اشتبه المطلق بالمستعمل.
فرعٌ: وإن كثر عدد النجس فذكر ابن عَقيل (^١): «أنه يصلي في أحدها بالتحري» (^٢)؛ لأن اعتبار اليقين يشق، فاكتفي بالظاهر، كما لو اشتبهت القبلة. (^٣)
* * * *
_________________
(١) ابن عقيل هو: أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل (٤٣١ هـ - ٥١٣ هـ)، كبير القضاة، وشيخ الحنابلة في بغداد، ومن كبار أئمة المذهب، وصاحب تصانيف كثيرة، من تصانيفه: كتاب الفنون قال الذهبي: «لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب»، والواضح في أصول الفقه. ينظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٣/ ٤٨٢، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١٩/ ٤٤٧، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٣١٦.
(٢) لم أعثر عليه فيما وقفت عليه من كتبه. ينظر: توثيق قوله في الكافي ١/ ٢٥.
(٣) ينظر: الكافي ١/ ٢٥.
[ ١ / ١٤٦ ]