الحمد لله تبارك بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الذي خلق سبع سموات طباقًا، وفاوت بينها قدرًا بقدرته بلا تفاوت بينهم حكمة واقتدارًا، الحمد لله الذي زين السماء الدنيا بمصابيح، وجعل العلم هاديًا إليها ورجومًا للشياطين، الحمدُ للهِ الَّذي علَّم ووفَّق، وألهَم وفهَّم وحقَّق، وجاد وتلطَّف وترفَّق، ومَنَّ علينا بما لا يُحصَى وتصدَّق (^١)، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مِلءَ السموات وملء الأرض وملء ما شاء ربنا من شيء بعدُ، أهلُ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد وكلنا له عبد، لا مانع لما أعطى، ولا معطيَ لما منع، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ.
والصلاة والسلام على أعلم خلق الله وأصدقهم، من بعثه ربنا ليعلم الناس بالقلم؛ وليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه ويهديهم إلى صراط مستقيم، نبيِّنا وقدوتِنا وأسوتِنا وحبيبِنا وشفيعِنا محمدٍ، صلى الله عليه صلاة دائمة مزيدة إلى يوم القيامة، يوم نرجو من الله تعالى الحسنى وزيادة، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فأحمَدُ الله على مَا أكرمني به من ميراث النبوة، وأشكره على ما هداني إليه من العلم، الذي هو أنفس الأعلاق، وأجلُّ مكتسب في الآفاق، وإنّ من نعم الله على عبده أن يوفقه لطريق العلم متفقهًا في الدين، ولا ريب أن العلم الشرعي هو خير طريق يوصل إلى الله ﷿ وإلى الدار الآخرة.
_________________
(١) مقدمة التنقيح المشبع للمرداوي.
[ ١ / ١١ ]
وإن من أشرف العلوم الشرعية العلمَ المتعلقَ بالحلال والحرام، ومعرفة ما يجب على المسلم في دينه ودنياه، ولأجل ذلك اهتم علماء الإسلام بعلم الفقه كثيرًا، وألفوا فيه مؤلفات نافعة لا تحصى، إلا أن كثيرًا منها ما زال حبيس خزائن المخطوطات في أنحاء العالم.
ومن هذه المخطوطات كتاب (شرح المقنع) للإمام بها الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي الحنبلي، وهو من الكتب المهمة في المذهب الحنبلي؛ نظرًا لكون مؤلفه من أخص تلاميذ الموفق ابن قدامة مؤلف المقنع، وأول شارح لكتابه، كما سيأتي تقريره قريبًا.
ولكون هذا الشرح لم يطبع من قبل، مع ما لمؤلفه من المكانة في المذهب الحنبلي، فإني رغبت في دراسة هذا المخطوط وتحقيقه، ويبلغ الموجود منه (٢٩٥) لوحة من بداية المخطوط في كتاب الطهارة إلى نهاية المخطوط في كتاب البيوع في أثناء فصل الكفالة، وذلك لاستكمال متطلبات درجة الدكتوراة في الفقه، وقد ساعدني في العثور عليه أخي الشيخ د. أنس بن عادل اليتامى - وفقه الله لكل خير - من مصدره في إدارة المخطوطات في وزارة الأوقاف بدولة الكويت التي لا تدخر جهدًا في خدمة الباحثين وطلاب العلم (^١)، والمخطوط في الوزارة ضمن تملكات ووقف الشيخ عبد الله بن خلف الدّحيان ﵀ وغفر له (^٢).
فشرعت - بحمد الله - في تحقيق الكتاب وفق المنهج الآتي بيانه، ومما واجهني من صعوبات في أثناء التحقيق الركون إلى نسخة واحدة، وهي وإن كانت واضحة ومشكولة - في الجملة - ومقابلة إلا أن ما اعتراها من الخروم والرطوبة وسبق القلم جعلني أقف عند بعض الألفاظ معتمدًا على الله في دراسة سياقها وسباقها، ومراجعة أصولها في كتب
_________________
(١) كما تفضلت الإدارة مشكورة بإطلاعي على أصل المخطوط للنظر في بعض مشكلاته والتأكد من ألفاظه فجزاهم الله خيرًا.
(٢) الشيخ عبد الله بن خلف الدحيان الحربي الحنبلي السلفي الأثري، (١٢٩٢ - ١٣٤٩)، علامة الكويت وقاضيها، أخذ العلم عن والده والشيخ محمد بن عبد الله الفارس وغيرهما، ورحل إلى الزبير ونجد والمدينة المنورة وأخذ عن علمائهم واستجازهم، تولى إمامة المسجد البدر في الحي القبلي، كما تولى القضاء بإلزام الشيخ أحمد الجابر له، ولم يأخذ أجرة عليه، وله اليد الطولى في جمع كتب المذهب الحنبلي وغيرها وشرائها ووقفها على طلاب العلم شرط الانتفاع بها، ومكتبته عامرة بنفائس الكتب والمخطوطات، آل كثير منها مؤخرًا إلى إدارة المخطوطات في وزارة الأوقاف بدولة الكويت، وخير من جمع سيرته وأوعى أخباره وأفرد الكتابة فيه فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي في النشرة الصادرة عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، ومنها استفدت ترجمته.
[ ١ / ١٢ ]
المذهب، وأحيانًا في كتب الحديث واللغة لأسدد عبارة المصنف ما أمكن، وأظهر الكتاب على مراد المصنف وقصده، ولا يخفى على كل من له عناية بتحقيق المخطوط ما يواجهه المحقق من صعوبات التحقيق على النسخة الفريدة، والله المعين.
وقدمت - بين يدي الدراسة والتحقيق - بمقدمة، بيَّنْت فيها أهميةَ الموضوع وأسبابَ اختياره، وأهدافَه. وقسمت الدراسة إلى قسمين:
القسم الأول: قسم دراسي، درست فيه أصلَ الشرح المحقق، وهو كتاب المقنع للموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن قدامة المقدسي، مبتدئًا بالتعريف به، ثم بكتابه المقنع، وبيان مكانته العلمية وحظوته الشرفية بين أوساط علماء الحنابلة، واستقرَيْتُ نصوصَه، وكلامَ أهل العلم عليه، إلى أن وقفت على منهج الموفق في تأليفه، وختمت بذكر ما وقفت عليه من شروح الكتاب والناقلين عنه.
كما تناولت في القسم الدراسي الشرحَ المحقق، ابتدأت بالتعريف بمؤلفه بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، واستطردت في ذلك؛ لكوني لم أقف على ترجمة وافية لحياة هذا العلم الهُمام، ثم بينت اسم الكتاب ونِسبتَه إلى مؤلفه، ومنزلة الشرح بين كتب المذهب، وكلام أهل العلم عليه، ومنهج البهاء المقدسي في تأليفه.
[ ١ / ١٣ ]
وللمخطوط حاشية أثبتُّها في مواضعها في تحقيق الكتاب، وبينت منهجَ المحشي فيها، ومنهجَ ناسخ المخطوط، ومواضع السقط في المخطوط.
والقسم الثاني: قسم التحقيق، شرعت في تحقيق ودراسة المخطوط كله وفق منهج علمي يأتي بيانه، وأرجو أن أكون قد اتبعت في عملي أصولَ أهل العلم المحققين في ضبط النص وإخراجه.
كما درست مسائل الكتاب وفق المنهج المعتمَد المقرر في قسم الفقه بكلية الشريعة على ما يأتي بيانه.
وبعد، فدونك أيها القارئ الكريم بضاعة العامل فيه على التقصير، يروم العفو من ربه السِّتير، ممتثلًا ختام المقدمة مقالةَ شيخ الحنابلة ومقدمِهم في زمانه الشيخ منصور بن يونس البهوتي في مقدمة كشافه على الإقناع: «وأستغفر الله تعالى مما يقع لي من الخلل في بعض المسائل المسطورة، ومن عثر على شيءٍ مما طغى به القلم، أو زلَّت به القدم، فليدرأ بالحسنة السيئة، ويُحضر بقلبه أن الإنسان محل النسيان، وأن الصفح عن عثرات الضعاف من شيم الأشراف، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب» (^١).
والله أسالُ الإعانة منه والسداد والتوفيق والرشاد، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
نصف بن عيسى بن نصف العصفور
عفا الله عنه وعن والديه وإخوانه وزوجه وذريته والمسلمين
في منطقة بيان بدولة الكويت
يوم الخميس ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١ هـ
الموافق ٢١/ ١١/ ٢٠١٩ م
_________________
(١) ينظر: كشاف القناع ١/ ٢.
[ ١ / ١٤ ]