يُشتَرطُ لكلِّ متنجِّسٍ سَبعُ غَسَلاتٍ، وأن يكُونَ إحداها بتُرابٍ طَاهِرٍ،
(بابُ إزالةِ النجاسةِ)
وما يُعفى عنه منها، وما يتعلَّقُ بذلك
وهي لغةً: الشيءُ المستقذرُ. ويحرُمُ التضمخُ بها بلا عذرٍ. والمرادُ بالنجاسةِ: الطارئةُ على محلِّ طاهرٍ، لا العينيةِ، فلا تطهرُ بحالٍ
(يُشترطُ لـ) تطهيرِ (كلِّ متنجسٍ) أي: إلَّا الأرضَ والصخرَ ونحوَها، وبولَ الغلامِ الذي لم يأكلِ الطعامَ لشهوةٍ (سبعُ غسَلاتٍ) لعمومِ حديثِ ابنِ عمرَ: أُمرْنا بغسلِ الأنجاسِ سبعًا (^١). فينصرفُ إلى أمرِه ﵇. وقياسًا على نجاسةِ الكلبِ. وقيسَ أسفلُ الخفِّ والحذاءِ على الرِّجلِ، وذيلُ المرأةِ على بقيَّةِ ثوبِها.
ويعتبرُ في كلِّ غسلةٍ أن يستوعبَ المحلَّ، ويُحسبُ العددُ من أوَّلِ غسلةٍ.
(وأن يكونَ إحداها) أي: السبعِ غسَلاتٍ (بترابٍ طاهرٍ) لحديثِ مسلمٍ (^٢) عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدَكم، فليغسلْه سبعًا؛ أُولاهُنَّ بالترابِ" ولا يكفي ترابٌ نجسٌ.
يقالُ: ولَغَ يلَغُ -بفتح اللام فيهما- ولوغًا، بضمِّ الواو: إذا شربَ. قال ابنُ العربيِّ: ويستعملُ الولوغُ في الكلابِ والسباعِ، ولا يستعملُ في الآدميِّ. انتهى.
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وانظر "إرواء الغليل" (١٦٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٩).
[ ١ / ١٩١ ]
أو صَابونٍ ونحوِه، في متنجِّسٍ بكلبٍ أو خنزيرٍ.
ويَضرُّ بقاءُ طَعمِ النجاسَةِ لا لونِها، أو ريحِها، أو هُمَا عَجْزًا.
ويُجزئ في بولِ غُلامٍ لم يأكلْ طَعامًا لشَهوةٍ،
وقولُه: "طاهرٌ": خالفَ فيه صاحبُ "المنتهى"، وهو ظاهرُ ما في "التلخيص"، وتبعَه العلَّامةُ الشيخُ مرعي هنا، وفي "غاية المنتهى"، وهو الصَّوابُ.
يستوعبُ المحلَّ إلَّا فيما يضرّ، يعني: إلا إذا كان المحلُّ المتنجسُ يضرُّه الترابُ، فيكفي مسمَّاه. أي: مسمَّى الترابِ.
والغسلةِ الأولى أَوْلى ممَّا بعدَها؛ لموافقةِ لفظِ الخبرِ. ويقومُ أُشنانٌ ونُخالةٌ ودقاقٌ، (أو صابونٌ ونحوه) مما تقدَّمَ مقاَمه. (في متنجس بِكلبِ أو خنزيرٍ) أو متولدٍ من أحدِهما.
(ويضرُّ بقاءُ طعمِ النجاسةِ) لدلالتِه على بقاءِ العينِ، و(لا) يضرُّ بقاءُ (لونِها، أو) بقاءُ (ريحِها، أو هما (^١)؛ عجزًا) عن إزالتِهما، دفعًا للحرجِ.
(ويجزئُ في بولِ غلامٍ) أي: لا في بولِ أُنثى وخنثى. وكذا في قَيئهِ؛ لأنَّه أخفُّ من بولِه. وبولُه نجسٌ، علَى الصحيحِ من المذهبِ. وخرجَ ببولِ الغلامِ: عذرتُه. (لم يأكلْ طعامًا لشهوةٍ) أي: بأنْ لا يأكلَ أصلًا، أو يأكلَه لا لشهوةٍ؛ لأنَّه قد يلْعقُ العسلَ، وهو صغيرٌ لا يَشتَهي الأكلَ.
قال في "الشرح الكبير" (^٢): فعلى هذا: ما يُسقاهُ الصبيُّ أو يلعقُهُ للتداوي، لا يُعدُّ طعامًا يوجبُ الغَسلَ، وما يَطعمُهُ لغذائِه ونفسُه تشتهيه، يوجبُ الغَسلَ.
_________________
(١) في الأصل: "أو بقاؤهما".
(٢) "الشرح الكبير" (٢/ ٣١٢).
[ ١ / ١٩٢ ]
نَضْحُهُ، وهو غَمرُهُ بالمَاءِ.
ويُجزئُ في تَطهيرِ صَخْرٍ، وأحواضٍ، وأرضٍ تنجَّسَت بمائِعٍ، ولو من كَلبٍ أو خِنزيرٍ، مُكاثرتُها بالماء، بحيثُ يذهَبُ لونُ النجاسَةِ، وريحُها.
ولقولِه ﵇: "إنَّما يُغسلُ من بولِ الأنثى، وينضحُ من بولِ الذكرِ". رواه أبو داودَ (^١) عن لُبابةَ بنتِ الحارثِ.
وعُلِمَ منه: أنَّه يُغسلُ من الغائطِ مُطلقًا، وبولِ صبيٍّ أكلَ الطعام لشهوةٍ.
والحكمةُ فيه: أنَّ بولَ الغلامِ يخرجُ بقوةٍ فينتشرُ. أو أنَّه يكثرُ حملُه على الأيدي، فتعظمُ المشقَّةُ بغسلِه. أو أن مزاجَه حارٌّ، فبولُه رقيقٌ، بخلافِ الجاريةِ.
وقال الشافعيُّ: لَمْ يتبينْ ليَ الفرقُ من السنَّةِ بينَهما. وذكرَ بعضُهم أنَّ الغلامَ أصلُه من الماءِ والترابِ، والجاريةَ من الدَّمِ واللَّحمِ. وقد أفادَه ابنُ ماجه في "سننِه"، وهو غريبٌ.
(نضحُه، وهو: غمرُه بالماءِ) وإنْ لَمْ ينفصلِ الماءُ عن المحلِّ. ولا يحتاجُ إلى مرسٍ وعصرٍ؛ لحديثِ أمِّ قيسٍ بنتِ محصنٍ أنَّها أتت بابنٍ لها صغيرٍ، لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ اللهِ -ﷺ-، فأجلسَه في حِجرِه، فبالَ على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحَه، ولَمْ يغسلْه. متفقٌ عليه (^٢).
(ويُجزئُ في تطهيرِ صَخرٍ، وأحو اضٍ، وأرضٍ تنجَّسَت بمائعٍ، ولو من كلبٍ أو خنزيرٍ، مكاثرتُها بالماءِ، بحيثُ يذهبُ لونُ النجاسةِ وريحُها) مع الطعمِ أيضًا؛ لحديثِ أنسِ قال: جاءَ أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجدِ، فزجرَه الناسُ، فنهاهم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٥)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٢٣٨٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧).
[ ١ / ١٩٣ ]
ولا تطهُر الأرضُ بالشمسِ والرِّيحِ والجَفَافِ، ولا النجاسةُ بالنَّارِ.
وتطهُرُ الخمرَةُ بإنائِها إنْ انقَلَبت خَلًّا بنَفسِها.
النبيُّ -ﷺ-، فلمَّا قضَى بولَه، أمرَ بذَنوبٍ فأُهريقَ عليه. متفقٌ عليه (^١). فإن بقيا (^٢) أو أحدُهما، لم تطهُرْ؛ لأنَّه دليلُ بقائِها.
والمرادُ بالمكاثرةِ: صبُّ الماءِ على النجاسةِ، ولو كانتْ المكاثرةُ من مطرٍ. قال في "الكافي" (^٣): لو كانتْ أرضُ البئرِ نجسةً، فنبعَ الماءُ عليها طَهَّرَها.
(ولا تطهرُ الأرضُ بالشمسِ والريحِ والجفافِ، ولا النجاسةُ، بالنارِ) فرمادُها، ودخانُها، وبخارُها، وغبارُها، نجسٌ؛ لأنَّه إنَّما تغيرتْ هيئةُ جسمِها، كالميتةِ النجسةِ تصيرُ بتطاولِ الزمانِ ترابًا. وكذا صابونٌ عُمِلَ من زيتٍ نجسٍ.
ولا تطهرُ النجاسةُ باستحالةٍ، فالمتولِّدُ منها، كدودِ جُرحٍ، وصراصيرِ كُنُفٍ، وكالكلابِ تُلقَى في ملَّاحةٍ، فتصيرُ مِلْحًا، نجسةٌ، كالدَّمِ يتسحيلُ قيحًا.
(وتطهرُ الخمرةُ بإنائِها إن انقلبَتْ خلًّا بنفسِها). أي: من غيرِ نقلٍ، ولا وضعِ شيءٍ فيها، فإنَّها تطهرُ؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتِها المسكرةِ الحادثةِ لها، وقد زالَ ذلك، فوجبَ أنْ تطهرَ، كالماءِ الذي تنجَّس بالتغيرِ إذا زالَ تغيرُّه بنفسِه. ولا يلزمُ عليه سائرُ النجاساتِ، لكونِها لا تطهرُ بالاستحالةِ؛ لأنَّ نجاستَها لعينِها، والخمرةُ نجاستُها لأمرٍ زالَ بالانقلاب.
ودَنُّها مثلها، فيطهرُ بطهارتِها؛ تبعًا لها، ولو ممَّا لم يلاقِ الخلُّ مما فوقَه، مما أصابَه الخمرُ في غليانِه، فيطهرُ كالذي لاقاهُ الخلُّ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٤).
(٢) أي: لون النجاسة وريحها.
(٣) "الكافي" (١/ ١٩١).
[ ١ / ١٩٤ ]
وإذا خَفيَ موضعُ النجاسِة، غَسَلَ حتَّى يَتيقَّنَ غسلَها.
ويحرُمُ تخليلُها. والنبيذُ كالخمرِ فيما تقدَّمَ. وعنه: يجوزُ.
"فائدةٌ": الخلّ المباحُ أن يصبَّ على العنبِ أو العصيرِ خلٌّ قبلَ غليانِه، حتى لا يغليَ. نصَّ عليه.
(وإذا خفِىَ موضعُ النجاسةِ) سواءٌ كانت في بدنٍ، أو ثوبٍ، أو مصلَّى صغيرٍ، كبيتٍ صغيرٍ (غسلَ حتى يتيقنَ غسلَها) ليخرجَ من العُهدةِ بيقينٍ. فإنْ جَهِلَ جهتَها من بدنٍ أو ثوبٍ، غسلَه كلَّه، وإن علِمَها في إحدى يديه، أو أحد كُمَّيه ونسيه، غسلَهما. وإن علِمَها فيما يدركُه بصرُه من بدنِهِ، أو ثوبه، غسلَ ما يدركُه منهما. فإنْ صلَّى قبلَ ذلك، لم تصحَّ؛ لأنَّه تيقَّنَ المانعَ، فهو كمَن تيقنَ الحدثَ وشكَّ في الطهارةِ.
[ ١ / ١٩٥ ]