يُباحُ اتِّخاذُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ، واستعمالُه، ولو ثمينًا،
(بابُ الآنيةِ)
البابُ: ما يُدخلُ منه إلى المقصودِ، ويُتوصلُ به إليه. وقد يُطلقُ على الضَّفِّ. أعقبَهُ للبابِ قبلَه؛ لأنَّ الماءَ لا يقومُ إلا بها.
والآنيةُ: جمعُ إناءٍ، كالأوعيةِ: جمعُ وعاءٍ. وجمعُهما: أواني، وأواعي (^١). وأصلُ أوانٍ: أآني؛ أُبدلتْ الهمزةُ الثانيةُ واوًا؛ كراهةَ اجتماعِ همزتين، كآدم وأوادم.
(يباحُ اتخاذُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ): مباحٌ اتخاذًا واستعمالًا (واستعمالُه، ولو) كان (ثمينًا) أي: كثيرَ الثمنِ، كالمتخَذِ من جوهرٍ وياقوتٍ وزُمُرُّدٍ؛ لعدمِ العلةِ التي لأجلِها حَرُمَ الذهبُ والفضةُ؛ لأنَّ هذه الجواهرَ لا يعرفُها إلا خواصُّ الناسِ، فلا تنكسرُ قلوبُ الفقراءِ؛ لأنَّهم لا يعرفونَهُ. ولا يحصلُ باتخاذِها تضييقٌ؛ لأنَّها لا يكونُ منها درهمٌ ولا دينارٌ. وأيضًا فلِقلَّتِها لا يحصلُ إتخاذُ آنيةٍ منها إلا نادرًا، ولو اتخذتْ كانتْ مصونةً لا تستعملُ غالبًا.
قال في "شرح الأصل" للمصنِّفِ (^٢): فلو جعلَ فصَّ خاتمٍ جوهرةً ثمينةً، جازَ. ولو جعلَه ذهبًا، لمْ يجزْ.
وقولُه: "طاهرٍ" احترزَ به عن الآنيةِ النجسةِ، كالتي من جلودِ الميتةِ، وظفرِها وقرْنِها، وعصبِها وحافرِها، فإنَّه لا يجوزُ استعمالُها في المائعاتِ. وأما في
_________________
(١) في الأصل: "وأواني".
(٢) "معونة أولي النهى" (١/ ١٩٠).
[ ١ / ٥٩ ]
إلا آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ،
اليابساتِ، فإن كانَ جلدًا وكان ميتةً طاهرةً في الحياةِ، فيباحُ استعمالُه في اليابساتِ. روايتان، ذكرَهما في "الرعاية".
(إلَّا آنيةَ الذهبِ والفضةِ) لحديثِ حذيفةَ (^١) مرفوعًا: "لا تشربوا في آنيةِ الذهبِ والفضةِ، ولا تأكلوا في صحافِها، فإنَّها لهمْ في الدنيا، ولكمْ في الآخرةِ". وعنْ أمِّ سلمةَ (^٢) قالتْ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: "الذي يشربُ في آنيةِ الذهبِ والفضةِ، إنَّما يجرجِرُ في بطْنِه نارَ جهنَّمَ". متفق عليهما. فتوعدُه عليه بالنَّارِ يدلُّ على تحريمِه، ولأنَّ في ذلك سرَفًا وخيلاءَ، وكسرَ قلوبِ الفقراءِ. والجرجرةُ: هو صوتُ وقوعِ الماءِ بانحدارِه في الجوفِ (^٣).
يُرْوى: "نارُ جهنمَ" برفعِ الراءِ وبنصبِها. فمَنْ رفعَها (^٤) نسَبَ الفعلَ إلى النَّارِ، ومَنْ نصبَها أضمرَ الفاعلَ في الفعلِ، وجعلَ النَّارَ مفعولًا (^٥)، تقديرُه: يجرجرُ الشاربُ في بطنِه نارَ جهنمَ (^٦).
والاستعمالُ في غيرِ الأكلِ والشربِ في معناهُما؛ لأنَّ ذكرَهُما قدْ خرجَ مخرجَ الغالبِ، وما كانَ كذلك لا يتقيدُ الحكمُ به (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٣٣)، ومسلم (٢٠٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥).
(٣) انظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٥١).
(٤) في الأصل: "يرفعها".
(٥) في الأصل: "مفعوله".
(٦) انظر: "المغني" (١/ ١٠٢).
(٧) انظر: "معونة أولي النهى" (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٦٠ ]
والمُمَوَّهِ بهما. وتصح الطهارة بها، وبالإناءِ المغصُوب.
ويُباحُ إناءٌ ضُبِّب بضَبَّةٍ يسيرةٍ من الفضةِ لغيرِ زينةٍ.
ذكرَ الثعلبيُّ في تفسيرِ سورةِ "براءةَ" قال: سُمِّيَ الذهبُ ذهبًا؛ لأنَّه يذهبُ ولا يبقَى، وسُمِّيتْ الفضَّةُ فضَّةً؛ لأنَّها تنفضُّ، أي: تتفرق (^١).
(والمموَّهِ بهِمَا) التَّمويهُ: أنْ يُذابَ الذهبُ أو الفضةُ، ثمَّ يُلْقى فيه النُّحاسُ أو نحوُه، فيكتَسِبُ لونَهُ.
والطَّليُ: أنْ يُجعلَ ورَقًا ثم يُطلَى به الحديدُ ونحوُه.
والتَّطعيمُ: أن يحفرَ فيه حفرًا، ثمَّ يوضعُ فيها قطعٌ من ذهبٍ أو فضةٍ على قدرِها والتكفيتُ: أن يُبْرَدَ في الحديدِ ونحوِه، حتى يصيرَ فيه شبهُ (^٢) المجاري في غايةِ الدِّقةِ، ثمَّ يوضعُ فيها شريطٌ دقيقٌ من ذهبٍ أو فضةٍ، ويُدَقُّ حتى يَلصقَ (^٣) (وتَصحُّ الطهارةُ بها) أي: بما يحرمُ اتخاذُ الإناءِ منه (وبالإناءِ المغصوبِ) وكذا المسروقُ، ومقبوضٌ بعقدٍ فاسدٍ، أو ثمنُه محرمٌ، كالخمرِ والخنزيرِ ونحوِ ذلك، بخلافِ الصَّلاةِ في غصْبٍ أو محرَّمٍ؛ لأنَّه استعمالٌ له (^٤). وأفعالُ نحوِ الوضوءِ مِن الغَسلِ والمسحِ، ليسَت بمحرمةٍ؛ لأنَّه استعمالٌ للماءِ لا للإناءِ. وأيضًا فالنهيُّ عن نحوِ الوضوءِ من الإناءِ المحرمِ هو لخارجٍ؛ إذ الإناءُ ليس ركنًا ولا شرطًا فيه، بخلافِ البقعةِ والثوبِ في الصَّلاةِ.
(ويباحُ إناءٌ ضُبَّبَ بضَبَّةٍ يسيرةٍ من الفضةِ لغيرِ زينةٍ) بل كانتْ لحاجةٍ، كأنِ
_________________
(١) في الأصل: "ولا تبقَى" وانظر: "الكشف والبيان" (٣/ ٢٥) عند تفسير "سورة آل عمران".
(٢) في الأصل: "من".
(٣) انظر: "معونة أولي النهى" (١/ ١٨٧).
(٤) أي: استعمالٌ للمحرَّم والمغصوب. وانظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٢).
[ ١ / ٦١ ]
وآنيةُ الكفَّار وثيابُهم
انكسرَ إناءُ خشبٍ أو نحوِه، فضُبِّبَ كذلك، فلا يحرمُ. لحديثِ أنسٍ: أنَّ قدحَ النبيِّ - ﷺ - انكسرَ، فاتَّخذَ مكانَ الشَّعْبِ سِلسِلةً من فضةٍ. رواه البخاريُّ (^١). وهذا مُخصِّصٌ لعمومِ الأحاديثِ السابقةِ.
فإنْ كانتْ يَسيرةً من ذهبٍ، أو كبيرةً من فضةٍ، حَرُمتْ مطلقًا. وكذا إنْ كانتْ يسيرةً لغيرِ حاجةٍ، وهي: أن يتعلَّقَ بها غَرَضٌ؛ بأن تدعوَ الحاجةُ إلى فعلِه، ولو وجَدَ غيرَ الفضةِ، كالحديدِ والنحاسِ. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: مرادُهم: أن يحتاجَ إلى تلك الصورةِ، لا إلى كونِها من ذَهبٍ أو فضةٍ، فإنَّ هذه ضرورةٌ، وهي تبيحُ المنفردَ (^٢). يعني: الخالصَ.
وتُكرَهُ مباشرتُها بلا حاجةٍ. وإن كان الماءُ يتدفقُ لو شرِبَ من غيرِ جهتِها، لمْ يُكره؛ دفعًا للحرجِ (^٣).
(وآنيةُ الكفارِ وثيابُهم) ولو وَلِيَتْ عوراتِهم، كسراويلَ. وكذا ما صبغوه أو نَسجُوه، وماؤهم وطعامُهم، وكذا مَن لابَسَ النجاسَةَ كثيرًا، كمُدمِنِ الخَمرِ، وكَسَّاحِ (^٤) الأفنيةِ، والحائضِ، والمرضعِ، والدَّباغِ، والجزَّارِ. قال في "الإنصاف" (^٥): وتصحُّ الصَّلاةُ في ثيابِ المرضعةِ والحائضِ والصبيِّ مع
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٠٩).
(٢) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٨١).
(٣) انظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٣).
(٤) الكسح: الكنس. والكساح، بفتح الكاف وتشديد السين من: كسح الكنيف، إذا نزحه وأخرج ما فيه. "معجم لغة الفقهاء" (١/ ٣٨١)، وانظر "لسان العرب" (كسح).
(٥) "الإنصاف" (١/ ١٥٩).
[ ١ / ٦٢ ]
طاهرة.
الكراهةِ. وقدَّمه في "مجمع البحرين". وعنه: لا تُكره.
قال في "شرح المنتهى" (^١) للمصنِّفِ في سترِ العورةِ: ويُكره لبسُ ما تُظنُّ نجاستُه لتَربيةٍ، ورضاعٍ، وحيضٍ، وصِغَرٍ، وكثرةِ ملابسةِ نجاسةٍ، وقلَّةِ التحرُّزِ منها في صَنعَةٍ، وغيرِها. انتهى.
إلَّا أن يُجمعَ بينَهم في حملِ الإباحةِ على غيرِ الصَّلاةِ، وبحملِ الكراهةِ على الصَّلاةِ، كما هو الظاهرُ من كلامِ "الإنصاف". انتهى.
(طاهِرةٌ) مُباحَةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهو يَتناولُ ما لا يقومُ إلَّا بآنيةٍ، ولأنَّه ﵇ وأصحابَه، توضَّئوا من مزادةِ مشركةٍ. متفقٌ عليه (^٢). ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تزولُ بالشكِّ. وبدنُ الكافرِ طاهرٌ، وكذا طعامُه وماؤُه، وما صبغه (^٣) أو نسجَه، ولو لمْ تحلَّ ذبيحتُهم، كالمجوسيِّ، والوثنيِّ، والمشركِ.
قيل لأحمدَ عن صَبغِ اليهودِ بالبولِ؟ فقال: المسلمُ والكافرُ في هذا سواءٌ، ولا يُسألُ عن هذا، ولا يُبحثُ عنه. فإن عَلِمتَ فلا تُصلِّ فيه حتى تغسلَه. انتهى. ويَطهرُ بغَسلِه، ولو بَقيَ اللَّونُ.
وسألَه أبو الحارثِ: عن اللَّحمِ يُشْتَرى من القصَّابِ؟ قال: يُغسَلُ. وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ: بدعةٌ
_________________
(١) "معونة أولي النهى" (٢/ ٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٥٧١)، ومسلم (٦٨٢) بمعناه من حديث عمران بن حصين.
(٣) في الأصل: "وما صنعه".
[ ١ / ٦٣ ]
ولا ينجسُ شيءٌ بالشَّكِّ ما لمْ تُعلم نجاستُه.
وعَظمُ الميتةِ، وقرنُها، وظُفُرها، وحافرُها، وعصبُها، وجلدُها، نجس،
(ولا ينجسُ شيءٌ بالشكِّ، ما لمْ تُعلمْ نجاستُه) هذا هو المذهبُ. والشكُّ: خِلافُ اليقينِ. قالَه في "القاموسِ".
وأما اليقينُ: فقال الشيخُ موفقُ الدِّينِ في مقدمةِ "الروضة في الأصول" (^١): ما أذعنَتِ النفسُ للتصديق به، وقطعتْ به، وقطعتْ بأنَّ قطعَها به صحيحٌ. وفي "الكشاف" (^٢): هو إتقان (^٣) العلمِ بانتفاءِ الشكِّ والشبهةِ عنه. وقال الفخرُ الرازيُّ (^٤): هو العلمُ بالشيءِ بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه.
(وعظمُ الميتةِ) يشملُ: السِّنَّ (وقرنُها، وظفرُها، وحافرُها، وعصبُها، وجلدُها، نجسٌ) لقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وأجزاؤُها المذكورةُ من جملتِها.
والميتةُ في الشرعِ: اسمٌ لكلِّ حيوانٍ خرجتْ رُوحُه بغيرِ ذكاةٍ. وقد يُسمَّى المذبوحُ في بعضِ الأحوالِ: ميتةً، كذبيحةِ المجوسيِّ. والمرادُ هنا: الميتةُ النجسةُ، فلا يَرِدُ ميتةُ الآدميِّ والسمكِ وسائرِ حيواناتِ البحرِ المأكولةِ، فإنَّ عظمَ ذلك، والظفرَ، واللبنَ من الآدميِّ الميتِ، طاهرٌ.
والميتةُ: بالتخفيفِ والتشديدِ. والتخفيفُ أكثرُ. ويُلحقُ بذلك: كلُّ ذبحٍ لا يُفيدُ إباحةَ اللَّحمِ، كذبحِ المجوسيِّ، ومتروكِ التسميةِ، وذبحِ المُحرِمِ للصَّيدِ.
_________________
(١) "روضة الناظر" (١/ ٢٢).
(٢) "الكشاف" (١/ ٨٣).
(٣) في الأصل: "انتقالُ".
(٤) "تفسير الرازي" (١/ ٢٠٢).
[ ١ / ٦٤ ]
ولا يطهُر بالدِّباغ.
(ولا يطهرُ) الجلدُ (بالدباغِ) نقلَه الجماعةُ عن أحمدَ. ورُويَ عن عمرَ، وابنِه، وعائشةَ، وعمرانَ بنِ حصينٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُكيمٍ (^١)، عن النبيِّ - ﷺ -: أنَّه كتبَ إلى جُهينةَ: "إني كنتُ رخَّصتُ لكم في جلودِ الميتةِ، فإذا جاءَكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عصبٍ (^٢) ". رواه أحمدُ، وقال: إسنادُه جيدٌ. ورواه أبو داودَ وليس فيه: "كنتُ رخصتُ". بل هو من روايةِ الطبرانيِّ والدارقطنيِّ. وفي لفظٍ: "أتانا كتابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - قبلَ وفاتِه بشهرٍ، أو شهرين". وهو ناسخٌ لما قبلَه؛ لتأخُّرِه. وكتابُه ﵇ كلفظِه، ولذلك لزمتْ الحجةُ مَنْ كُتِبَ إليه، وحصلَ له البلاغُ. ولأنَّه جزءٌ من الميتةِ، فلا يطهرُ بالعلاجِ، كلحمِها.
ونقلَ جماعةٌ أخيرًا: طهارتَه. لكنَّ المذهبَ الأولُ عندَ الأصحابِ.
ويباحُ دبغُ الجلدِ النجسِ بالموتِ، واستعمالُه بعدَه - ظاهرُه: ولو لمْ يَغسلْه. وعندَ مَن يقولُ: إنَّه يطهرُ. لا بدَّ من غَسلِه - في يابسٍ. واحترزَ بقولِه: النَّجسُ بالموتِ: عمَّا كان نجسًا في الحياةِ، كالكلبِ والخنزيرِ، وكما فوقَ الهرِّ خِلقَةً مما لا يُؤكلُ لحمُه، كسباعِ البهائمِ وجوارحِ الطيرِ، فإنَّه لا يُباحُ دبغُها ولا استعمالُها؛ لأنَّ الدباغَ إنَّما يؤثرُ في نجاسةٍ حادثةٍ بالموتِ، فيبقَى ما عداه على أصلِ التحريمِ.
ويُشترطُ فيما دُبغَ به أن يكونَ مُنَشِّفًا للرُّطوبةِ، مُنِّقيًا للخبثِ، بحيثُ لو نُقِعَ
_________________
(١) في الأصل "حكيم". والحديث أخرجه أحمد (٣١/ ٧٤) (١٨٧٨٠)، وأبو داود (٤١٢٨)، والطبراني في "الأوسط" (١٠٤)، وصححه الألباني في "الإرواء" (٣٨).
(٢) تكررت: (ولا عصبٍ) في الأصل.
[ ١ / ٦٥ ]
والشعرُ، والصوفُ، والريشُ، طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة، ولو غيرَ مأكولةٍ، كالهِرِّ والفأرِ.
الجلدُ بعدَه في الماءِ لمْ يفسدْ، كشَبٍّ (^١)، وقَرَظٍ (^٢)، وعَفْصٍ .. وذرق حمام، فلا يحصلُ الدبغُ بنجسٍ (^٣)، ولا بغيرِ منشِّفٍ للرطوبةِ، مُنَقٍّ للخبثِ، بحيثُ لو نُقِعَ الجلدُ بعدَه في الماءِ لفَسدَ.
ولا يَفتَقِرُ الدَّبغُ إلى فعلٍ، فلو وقَعَ الجلدُ في مَدبَغَةٍ فاندبغَ، كفَى. وجَعلُ المُصرانِ وَتَرًا دِباغٌ. وكذلك الكَرِشُ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يجوزُ استعمالُ الجلدِ المدبوغِ في مائعٍ، ولو لمْ ينجسِ الماءُ.
"فائدةٌ": يجوزُ الخرزُ بشعرٍ نجسٍ، ويجبُ غَسلُ ما خُرِزَ به رَطبًا. قال في "الإقناع" (^٤): مع الكراهةِ. قال في "الغاية" (^٥) للمصنِّف: ويحرمُ الخرزُ بشعرِ آدميٍّ؛ لحرمتِه.
(والشعرُ، والصوفُ، والريشُ، طاهرٌ، إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياةِ، ولو غيرَ مأكولةٍ، كالهرِّ والفأرِ) فإنَّه لا ينجسُ بالموتِ. نقلَ الميمونيُّ: صوفُ الميتةِ لا
_________________
(١) قال الأزهري: "الشَّبُّ" من الجواهر التي أنبتها الله تعالى في الأرض يدبغ به يشبه الزاج. "المصباح المنير" (شبب).
(٢) القَرَظُ: شجر يُدْبَغُ به. وقيل: هو ورَقُ السلَم يُدْبَغُ به الأَدَمُ. "لسان العرب" (قرظ).
(٣) كذا في الأصل! ولعل الصواب: "فلا يحصلُ الدبغُ بنجسٍ كذرق حمام" وفي "روضة الطالبين" (١/ ٤١) للنووي: "قالوا: ويكون الدباغ بالأشياء الحرِّيفَة، كالشَّبِّ، والقَرَظِ … ويحصلُ بمتنجِّسٍ وبنَجِسِ العَينِ، كذَرْقِ حمامٍ، على الأصح فيها".
(٤) "الإقناع" (١/ ٢٠).
(٥) "الغاية" (١/ ٥٩).
[ ١ / ٦٦ ]
ويُسنَّ تغطيةُ الآنيةِ، وإيكاءُ الأسقيةِ.
أعلمُ أحدًا كرهَهُ.
والأصلُ في ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. والآيةُ في سياقِ الامتنانِ، فالظاهرُ: شمولُها لحالتي الحياةِ والموتِ. والريشُ مقيسٌ على الثلاثةِ المذكورين.
قال في "الفروع" (^١): وعنه: نجسٌ، وفاقًا للشافعيِّ. قال: لأنَّه ميتةٌ. وكذا من حيوانٍ حيٍّ لا يؤكلُ.
وأما أصولُ ذلك، فنجسةٌ؛ لأنَّها من أجزاءِ الميتةِ.
وفي طهارتِها بالغَسلِ وجهانِ، صوَّبَ في "تصحيح الفروع" (^٢): عدمَ التطهيرِ به.
واحترزَ بقولِه: من طاهرٍ. عن نحوِ شَعرِ الحُمُرِ الأهليةِ، والبغالِ، وسباعِ البهائمِ، وريش جوارحِ الطيرِ، كالصقرِ والعقابِ، فإنَّهما نجسانِ؛ لأنَّهما نجسانِ قبلَ الموتِ، فقد زادَ به نجاستُهما.
ولو كان الشعرُ من غيرِ مأكولٍ، كالهرِّ والفأرِ، فإنه طاهرٌ. وأصولُ ذلك نجسةٌ مطلقًا.
وفي "المستوعب": يحرمُ نتفُ نحوِ صوفٍ من حيٍّ. وفي "النهاية": يُكرَه (^٣) ولا يجوزُ استعمالُ شعرِ الآدميِّ؛ لحرمتِه.
_________________
(١) "الفروع" (١/ ١١٩).
(٢) "تصحيح الفروع" (١/ ١٢٢).
(٣) انظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٨).
[ ١ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما أُبينَ من حيوانٍ حيٍّ فهو كميتته؛ طهارةً ونجاسةً. فما قُطعَ من السمكِ، مع بقاءِ حياتِه، طاهرٌ، بخلافِ ما قُطعَ من بهيمةِ الأنعامِ، إلا نحوَ الطريدةِ، والمسكِ وفأرتِه. وكذا ما تَساقطَ من قرونِ الوعولِ في حياتِها. وفيه احتمالٌ بطهارتِها، كالشعرِ.
فعلى هذا: ما أُبينَ في الحياةِ من سمكٍ، وجرادٍ، وآدميٍّ، وما لا نفسَ لها سائلةٌ، طاهرٌ. وما أُبينَ من غير ذلك، نجسٌ، ولو من مأكولٍ.
"تتمةٌ": جلدُ الثعلبِ، كلحمِه، نجِسٌ.
* * *
[ ١ / ٦٨ ]