الاستنجاءُ: هو إزالةُ ما خرجَ من السبيلينِ بماءٍ طَهورٍ، أو حَجَرٍ طاهرٍ
(بابُ الاستنجاءِ وآدابِ التخلِّي)
لغةً: استفعالٌ مِن: نجوتُ الشجرةَ. أي: قطعتُها، فكأنَّ المستنجي قطعَ الأذى عنه باستعمالِ الماءِ. قال ابنُ قتيبةَ (^١): هو مأخوذٌ من النَّجْوَةِ؛ وهي: ما ارتفعَ من الأرضِ؛ لأنَّ مَنْ أرادَ قضاءَ الحاجةِ استترَ بذلك.
وقيل: هو من النجْوِ، وهو: القَشْرُ والإزالةُ، يقالُ: نجوتُ العودَ، إذا قشرتَه، ونجوتُ الجلدَ عن الشاةِ، نجيتُه، إذا سلختَه. وقيل (^٢): أصلُه: نَزعُ الشيءِ من موضعِهِ، وتخليصُه، ومنه: نجوتُ الرطبَ واستنجيتُه، إذا جنيتَه.
ويُسمَّىَ الاستنجاءُ بالحجرِ ونحوِه: استجمارًا؛ من الجِمارِ، وهي: الحجارةُ الصغارُ.
وعبَّرَ بعضُ الأصحابِ عن هذا البابِ بـ"الاستطابةِ"، قال في "القاموس": واستطابَ: استنجَى، كأطَابَ.
والآدابُ: جمعُ أدبٍ، ويأتي معناه في القَضاءِ. والتخلِّي: قضاءُ الحاجةِ مِن البولِ والغائطِ؛ لأنَّه يكونُ منفردًا بذلك.
وشرعًا: (الاستنجاءُ: هو إزالةُ ما خرَجَ) معتادًا وغيرَه (مِن السَّبيلَين) قُبُلٍ أو دُبُرٍ، أصليٍّ (بماءٍ طهورٍ، أو) إزالةُ حُكمِه بما يقومُ مقامَ الماءِ من (حَجَرٍ طاهرٍ
_________________
(١) "غريب الحديث" (١/ ١٥٩)، وانظر "الشرح الكبير" (١/ ١٨٧).
(٢) سقطت: "وقيل" من الأصل. وانظر: "المطلع" ص (٨).
[ ١ / ٦٩ ]
مباحٍ مُنْقٍ.
فالإنقاءُ بالحجرِ ونحوِه: أن يبقَى أثرٌ لا يزيلُه إلا الماء.
ولا يُجزئ أقلُّ من ثلاثِ مَسَحَات تعمُّ كلُّ مسحَةٍ المحلَّ.
مباحِ مُنْقٍ) ونحوِه كخَشبٍ وخِرَقٍ. ويسمَّى: استجمارًا؛ من الجمارِ، وهي: الحَجارةُ الصغارُ.
فلا يَصحُّ بمحرَّمٍ، كمغصوبٍ، وذهبٍ وفضةٍ.
واحترزَ بقولِه: "مباح" أيضًا: عن كلِّ ما يحرُمُ الاستجمارُ به من الرَّوثِ، والعظمِ، والطعامِ، وما له حرمةٌ، والمتصلُ بحيوانٍ، فإنَّ ذلك لا يجزئُه الاستجمارُ به.
وقوله: "طاهر" فلا يَصحُّ بنَجسٍ.
وقوله: "منقٍّ": اسمُ فاعلٍ من: أنقى. أي: قالِعٌ. فلا يجزئُ بأملسَ من زجاجٍ ونحوِه، ولا بشيءٍ رَخْوٍ أو نديٍّ (^١)؛ لأنَّه إذا لمْ ينقِّ، لمْ يحصلِ المقصودُ منه.
ثَمَّ ذكرَ المصنِّفُ الإنقاءَ بقولِهِ: (فالانقاءُ بالحجرِ ونحوِه) كخشبٍ وخِرَقٍ: (أن يبقَى أثرٌ لا يزيلُه إلَّا الماءُ) والإنقاءُ بالماءِ: عودُ خشونةِ المحلِّ كما كان. وظنُّه كافٍ، فلا يُشترطُ التحقُّقُ. قال في "الإنصاف" (^٢): لو أتى بالعددِ المعتبرِ، اكتفى في زوالها (^٣) بغلبةِ الظنِّ. ذكرَهُ ابنُ الجوزيِّ في "المذهبِ". وقال في "النهاية": لا بدَّ من العلمِ بذلك.
(ولا يجزئُ أقلُّ من ثلاثِ مسَحَاتٍ، تعمُّ كلُّ مسحةٍ المحلَّ) إما بحجِرٍ ذي
_________________
(١) في الأصل: "وندي".
(٢) "الإنصاف" (١/ ٢٢٣).
(٣) في الأصل: "إزالتِها".
[ ١ / ٧٠ ]
والإنقاءُ بالماء: عَوْدُ خُشُونة المحلِّ كما كان، وظنُّه كافٍ.
وسُنَّ الاستنجاءُ بالحجر، ثم بالماء، فإن عَكَسَ كُرِه،
شعبٍ، أو ثلاثةِ أحجارٍ.
قال في "الإنصاف" (^١): وكيفما حصلَ إنقاءٌ في الاستجمارِ أجزأَ. وقال القاضي وغيرُه: المستحبُّ أن يُمرَّ الحجرَ الأوَّلَ من مقدَّمِ صفحتِهِ اليمنى إلى مؤخَّرِها، ثم يُديرُه على اليسرى حتى يرجعَ إلى الموضعِ الذي بدأَ منه، ثمَّ يُمرُّ الثاني من مقدَّمِ صفحتِه اليسرى كذلك، ثم يُمرُّ الثالثَ على المسرَبَةِ والصَّفحَتين، فيستوعبُ المحلَّ في كلِّ مرةٍ. انتهى.
(والانقاءُ بالماءِ: عَودُ خُشونة المحلِّ كما كان) قال في "المبدع": الأَوْلى أن يُقال: أن يعودَ المحلُّ إلى ما كان؛ لئلا ينتقضَ بالأمردِ ونحوِه (^٢). ومَشى الشيخُ عليها في "الغاية"، وفي هذا المصنَّفِ تَبعَ فيها صاحبَ الأصلِ.
(وظنُّه كافٍ) أي: الإنقاءُ. فلا يشترطُ التحقُّقُ كما تقدَّمَ.
(وسُنَّ الاستنجاءُ بالحجرِ، ثم بالماءِ) بعدَ الحجرِ؛ لقولِ عائشةَ رضي الله تعالى عنها للنِّساءِ: مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يُتبعوا الحجارةَ بالماءِ، فإني استحييهم، وإنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان يفعلُه. رواه أحمدُ - واحتجَّ به في روايةِ حنبلٍ - والنسائيُّ والترمذيُّ (^٣) وصحَّحَه. ولأنَّه أبلغُ في الإنقاءِ (فإن عْكسَ) فقدَّمَ الماءَ على الحجرِ (كُره) نصًّا؛ لأنَّ الحجرَ بعدَ الماءِ يُقذرُ المحلَّ.
_________________
(١) "الإنصاف" (١/ ٢٢٧).
(٢) "المبدع" (١/ ٩٤).
(٣) أخرجه أحمد (٤١/ ١٨١) (٢٤٦٣٩)، والترمذي (١٩)، والنسائي (٤٦) بلفظ: "أن يغسلوا عنهم" بدل "أن يتبعوا الحجارة بالماء" وصححه الألباني في "الإرواء" (٤٢).
[ ١ / ٧١ ]
ويجزئُ أحدُهما، والماءُ أفضلُ.
ويُكرهُ استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في الاستنجاء.
(ويجزئُ أحدُهما) أي: الحجرُ أو الماءُ، لحديثِ أنسٍ: كان النبيُّ - ﷺ - يَدخلُ الخلاءَ، فأحملُ أنا وغلامٌ نحوي إداوةً مِن ماءٍ، وعَنَزَةً، فيَستنجي بالماءِ. متفقٌ عليه (^١). وحديثُ جابرٍ مرفوعًا (^٢): "إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائطِ، فليستَطِبْ بثلاثةِ أحجارٍ، فإنَّها تجزئُ عنه".
(والماءُ) وحدَهُ (أفضلُ) من الحجَرِ وحده (^٣)؛ لأنَّه يطهِّرُ المحلَّ، وأبلغُ في التنظيفِ. وروَى أبو داودَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: نزلَتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] قال: كانوا يستنجون بالماءِ، فنزلَتْ فيهم هذه الآيةُ (^٤). فإنَّه ينقِّ العينَ والأثرَ.
(ويُكره استقبالُ القبلةِ واستدبارُها) ببولٍ وغائطٍ (في الاستنجاءِ) بفَضَاءٍ، أي: بلا حائلٍ، ولا يُكره في البنيانِ؛ لحصولِ الحائلِ. ويكفي بفَضَاءٍ انحرافُه، ولو يسيرًا، يمنةً أو يَسرَةً؛ لفواتِ الاستقبالِ والاستدبارِ. ويكفي حائلٌ كاستتارِه بدابَّةٍ، وجدارٍ، وجبلٍ، ونحوِه، وإرخاءُ ذيلهِ. قالَ (^٥) في "الفروعِ": وظاهرُ كلامِهم: لا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٢)، ومسلم (٢٧١).
(٢) أخرجه أحمد (٤١/ ٢٨٨) (٢٤٧٧١)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤) من حديث عائشة لا من حديث جابر. وصححه الألباني في "الإرواء" (٤٨).
(٣) في الأصل: "ونحوِه".
(٤) أخرجه أبو داود (٤٤)، وصححه الألباني في "الإرواء" (٤٥).
(٥) في الأصل: "قاله".
[ ١ / ٧٢ ]
ويحرُم بروثٍ، وعظمٍ، وطعامٍ، ولو لبهيمة، فإن فَعَل، لمْ يجزِئْهُ بعدَ ذلك إلا الماء، كما لو تعدَّى الخارجُ مَوضِعَ العادة.
يُعتبرُ قربُه منها، كما لو كان في بيتٍ (^١). ولو (^٢) كان الحائلُ كمُؤْخِرَةِ رَحلٍ؛ لحصولِ السترِ به (^٣).
(ويحرُمُ بروثٍ)، أي: الاستجمارُ، ولو لمأكولٍ (و) يحرُمُ بـ (عظمٍ) ولو من مذكّى؛ لحديثِ مسلمٍ (^٤) عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "لا تستنجُوا بالرَّوثِ ولا بالعظامِ، فإنَّه زادُ إخوانِكم من الجنِّ". والنهيُ يقتضي الفسادَ، وعدمَ الإجزاءِ
(و) يحرُمُ (بطعامٍ، ولو) كان الطعامُ (لبهيمةٍ)؛ لأنَّه ﵇، علَّلَ النهيَ عن الرَّوثِ والعظمِ بأنه زادُ الجنِّ، فزادُنا وزادُ دوابِّنَا أَوْلى؛ لأنَّه أعظمُ حرمةً. وبذي حُرمةٍ، ككُتُبِ فقهٍ وحديثٍ.
وحرُمَ أيضًا بمتصلٍ بحيوانٍ، كذنَبِ البهيمةِ، وما اتصلَ بها من نحوِ شعرٍ وصوفٍ؛ لأنَّ له حرمةً، فهو كالطعامِ، وبجلدِ سمكٍ، أو حيوانٍ مذكَّى، أو حشيشٍ رطبٍ، أو ذهبٍ وفضةٍ، ومتنجسٍ.
(فإنْ فعلَ، لمْ يجزئْه بعدَ ذلك) أي: ما تقدَّمَ. (إلَّا الماءُ، كما لو تعدَّى الخارجُ موضعَ العادةِ) بأن انتشرَ شيءٌ من الخارجِ على شيءٍ من الصَّفْحةِ، أو امتدَّ إلى الحشفةِ امتدادًا غيرَ معتادٍ؛ لأنَّ الاستجمارَ في المحلِّ المعتادِ رخصةٌ لأجل (^٥)
_________________
(١) "الفروع" (١/ ١٢٧).
(٢) سقطت: "لو" من الأصل.
(٣) انظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٦٩).
(٤) أخرجه مسلم (٤٥٠).
(٥) في الأصل: "لأنَّ".
[ ١ / ٧٣ ]
ويجبُ الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ إلَّا الطاهرَ، والنجِسَ الذي لمْ يلوِّثِ المحلَّ.
المشقَّةِ في غسله؛ لتكرارِ (^١) النجاسةِ فيه، بخلافِ غيرِه، كما لو تعدَّتْ لنحوِ يدِه أو رجلِه، فيتعينُ الماءُ لما تعدَّى، ويُجزئ الحجرُ في الذي في محلِّ العادةِ. قال في "الفروعِ": وظاهرُ كلامِهم: لا يمنعُ القيامُ الاستجمارَ ما لمْ يتعدَّ الخارجُ، خلافًا للشافعيِّ، ولا يجبُ الماءُ لغيرِ المتعدي. نصَّ عليه. وقيل: بلى. ويتوجَّه: مع اتصالِه. ولا (^٢) للنادرِ، خلافًا لمالكٍ (^٣). وإن شكَّ في انتشارِ الخارجِ، لمْ يجبْ الغَسلُ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه.
(ويجبُ الاستنجاءُ) بماءٍ، أو نحوِ حجَرٍ. (لكلِّ خارجٍ) من سبيلٍ، ولو نادِرًا كالدودِ؛ لعمومِ الأحاديثِ (إلا الطاهرَ) كالمنيِّ والريحِ، (و) إلا الخارجَ (النجسَ الذي لمْ يُلوِّثِ المحلَّ) قطعَ به في "التنقيح"، خلافًا لما في "الإنصاف"؛ لأنَّ الاستنجاءَ إنَّما شُرِعَ لإزالةِ النجاسةِ، ولا نجاسةَ هنا (^٤).
"فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (^٥): لو كانتْ النجاسةُ على غيرِ السبيلين، أو على السبيلين غيرَ خارجةٍ منهما، صحَّ الوضوءُ قبل زوالِها، على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به أكثرُهم.
_________________
(١) في الأصل: "تكرار".
(٢) سقطت: "ولا" من الأصل.
(٣) "الفروع" (١/ ١٣٧).
(٤) انظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٧٧).
(٥) "الإنصاف" (١/ ٢٣٦).
[ ١ / ٧٤ ]