لا حَيضَ قبلَ تَمامِ تِسعِ سِنينَ،
(بابٌ)
يُذكرُ فيه حكمُ الحيض، والاستحاضةِ، والنفاسِ، وما يتعلَّقُ بذلك.
الحيضُ لغةً: السَّيلانُ. مصدرُ حاضَ، مأخوذٌ من حاضَ الوادي، إذا سالَ. وحاضتِ الشجرةُ، إذا سالَ منها شبهُ الدَّمِ، وهو الصمغُ الأحمرُ. وتحيَّضتْ: قعدتْ أيامَ حيضِها عن نحوِ صلاةٍ. ومن أسمائِه: الطَّمثُ، والعَراكُ، والضَّحكُ، والإعصارُ، والإكبارُ، والنفاسُ، والفراكُ، والدراسُ.
واستحيضتْ المرأةُ: استمرَّ بها الدمُ بعدَ أيامِها.
وشرعًا: دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، بضمِّ الجيمِ وكسرِها. أي: سجيَّةٍ وخلقةٍ، جبلَ اللهُ بناتِ آدمَ عليه، تُرخيهِ الرِّحِمُ، بفتح الراء وكسرها، مع كسر الحاء وسكونها فيهما: بيتُ منبتِ الولدِ ووعاؤُه، ومخرجُه من قعرِه، يَعتادُ أنثى إذا بلغتْ، في أوقاتٍ معلومةٍ في الغالبِ.
"فائدةٌ": يحيضُ من الحيوانِ أربعٌ: المرأةُ، والضبعُ، والخفاشُ، والأرنبُ. قاله الجاحظُ. وزادَ غيرُه: الحَجْرَة (^١)، والناقةُ، والوزغةُ، والكلبةُ.
(لا حيضَ) للمرأةِ (قبلَ تمامِ تسعِ سنينَ) تحديدًا. رُوي عن عائشةَ: إذا بلغَتِ
_________________
(١) في الأصل: "والحجر" والحجرة: أنثى الخيل.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ولا بعدَ خَمسِينَ سنةً، ولا معَ حَملٍ.
وأقلّ الحيضِ: يومٌ وليلةٌ
الجاريةُ تسعَ سنين، فهي امرأةٌ (^١). ورُوي مرفوعًا عن ابنِ عمرَ. والمرادُ: حكمُها حكمُ المرأةِ، فمتى رأتْ دمًا يصلحُ أن يكونَ حيضًا، حُكِمَ بكونِه حيضًا، وببلوغِها. وإن رأته قبلَ هذا السنِّ، لم يكنْ حيضًا.
(ولا) حيضَ (بعدَ خمسين سنةً) لقولِ عائشةَ: إذا بلغتِ المرأةُ خمسين سنةً، خرجتْ من حدِّ الحيضِ (^٢). وعنها أيضًا: لن ترَى المرأةُ في بطنِها ولدًا بعدَ الخمسين.
(ولا) حيضَ (مع حملٍ) نصًّا، وفاقًا لأبي حنيفةَ. فإذا رأتْ دمًا، فهو دمُ فسادٍ، فلا تتركِ الصَّلاةَ، ولا يُمنعُ زوجُها من وطئِها. ويُستحبّ أن تغتسلَ بعدَ انقطاعِه، نصًا.
(وأقلُّ) مدةِ (الحيضِ) أي: زمنًا يصلُحُ أن يكونَ دمُه حيضًا: (يومٌ وليلةٌ) هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وعنه: يومٌ. اختارَه أبو بكرٍ. قاله في "مجمع البحرين" وغيرِه. قال في " الفصول ": وقد قال جماعة من أصحابِنا: إن إطلاقَ اليومِ يكونُ مع ليلتِه، فلا يختلفُ المذهبُ على هذا القولِ في أنَّه يوم وليلة. انتهى. قلتُ: منهم القاضي في كتاب "الروايتين ".
واختارَ الشيخُ تقيُّ الدين: أنه لا يُقدَّرُ أقلّ الحيضِ ولا أكثرُه، بل كلُّ ما استقرَّ
_________________
(١) أخرجه الترمذي عقب (١١٠٩)، والبيهقي ١/ ٣١٩ تعليقًا بدون إسناد، وانظر الإرواء (١٨٥، ١٨٢٩).
(٢) ذكره ابن الجوزي في "التحقيق في أحاديث الخلاف" (١/ ٢٦٧). وانظر "الإرواء" (١٨٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]
وأكثرُه: خمسَةَ عشَرَ يومًا. وغالِبهُ: لسِتٌّ أو سَبعٌ.
وأقلُّ الطُهرِ بين الحيضَتين: ثلاثةَ عشَرَ يومًا
عادةً للمرأةِ، فهو حيضٌ، وإن نقصَ عن يومٍ، أو زادَ على الخمسةَ عشرَ، أو السبعةَ عشرَ، ما لم تصرْ مستحاضةً. ذكرَهُ في "الإنصاف" (^١).
(وأكثرُه) أي: الحيضِ: (خمسةَ عشرَ يومًا) بليالِيها؛ لقولِ عليٍّ: ما زادَ على خمسةَ عشرَ، استحاضةٌ (^٢). (وغالبُه) أي: الحيضِ. (ست أو سبعٌ) لقولِ النبيِّ - ﷺ - رضي اللَّه تعالى عنها: "تحيَّضِي في علمِ اللهِ، ستةَ أيامٍ، أو سبعةً، ثُمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعةً وعشرين يومًا، أو ثلاثةً وعشرين يومًا، كما تحيضُ النساءُ، وكما يطهرْنَ لميقاتٍ" (^٣).
(وأقلُّ الطُّهرِ بين الحيضتين: ثلاثةَ عشرَ يومًا) لما روى أحمدُ، واحتجَّ به، عن علي، أنَّ امرأةً جاءَته، وقد طلَّقَها زوجُها، فزعمَت أنَّها حاضتْ في شهرٍ ثلاثَ حيضٍ، فقال لشريحٍ: قلْ فيها. فقال شريحٌ: إن جاءَت ببينةٍ من بطانةِ أهلِها ممن يُرضى دينُه وأمانتُه، فشهدتْ بذلك، وإلا فهي كاذبةٌ. فقال عليُ: قالون. أي: جيِّدٌ، بالرُّوميِّةِ (^٤). وهذا لا يقولُه إلا توقيفًا، وانتشرَ، ولم يُعلَمْ خلافُه. ووجودُ ثلاثِ حيضٍ في شهرٍ دليل على أنَّ الثلاثةَ عشرَ طهرٌ يقينًا. قال أحمدُ: لا يُختلفُ أنَّ العدَّةَ يصحُّ أن تنقضي في شهرٍ إذا قامَت به البينةُ.
_________________
(١) " الإنصاف " (٢/ ٣٩٤).
(٢) قال ابن حجر: هذا اللَّفظُ لم أجدْهُ عن عليٍّ. ورُوي مثلُهُ عن عطاءٍ هو عند الدارقطني صحيحٌ، وعلَّقه البخاريُّ أيضًا. "التلخيص الحبير" (١/ ٤٤٢).
(٣) أخرجه أحمد (٤٥/ ٤٦٧) (٢٧٤٧٤)، وأبو داود (٢٨٧)، وحسنه الألباني.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٦٧١)، والدارمي (٨٥٥). وانظر "تغليق التعليق (٢/ ١٧٩).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وغالِبُهُ: بقيَّةُ الشَّهرِ. ولا حَدَّ لأكثَرِه.
ويحرم بالحيضِ أشياءُ، منها:
الوطءُ في الفَرجِ، والطلاقُ،
(وغالبه) أي: الطُّهرِ. (بقيةُ الشهرِ) بعدَ ما حاضتْهُ منه؛ إذ الغالبُ أنَّ المرأةَ تحيضُ في كلِّ شهرِ حيضةً، فمَنْ تحيضُ ستةَ أيامٍ، أو سبعةً من الشهرِ، فغالبُ طهرِها أربعةٌ وعشرون، أو ثلاثةٌ وعشرون يومًا
(ولا حدَّ لأكثرِه) أي: الطّهرِ؛ لأنَّه لم يردْ تحديدُه شرعًا. ومن النساءِ من تحيضُ (^١) الشهرَ. والثلاثَةَ، والستةَ فأكثرَ. ومنهن من لا تحيضُ أصلًا.
(ويحرُمُ بالحيضِ أشياءُ) وهي اثنى عشرَ، عدَّها صاحبُ " المنتهى "، وزادَ في " الإقناع " ثلاثةً (منها) أي:
أحدُها: (الوطءُ في الفرجِ)؛ لقولِه ﵇: "اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاحَ ". رواه مسلمٌ (^٢). إلا لمَنْ به شبقٌ بشرطِه، وهو أنْ لا تندفعَ شهوتُه بدونِ الوطءِ في الفرجِ، ويخافُ تشقُّقَ أُنثييهِ إنْ لَمْ يطأْ، ولا يجدُ غيرَ الحائضِ؛ بأن لا يقدرَ على مهرِ حرَّةٍ، ولا ثمنِ أمةٍ.
(و) الثاني: (الطلاقُ) لما رُوي عن ابنِ عمرَ: أنَّه طلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فذكَرَ عمرُ ذلك للنبيِّ - ﷺ -. فقال: "مره فليراجعْها، ثُمَّ ليطلقْها طاهرًا أو حاملًا". متفقٌ عليه (^٣). ولم يقلِ البخاريُّ: "أو حاملًا". ولأنه إذا طلَّقَها فيه كان محرَّمًا،
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي "دقائق أولي النهى" (١/ ٢٢٨): "من لا تحيض ".
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٢) من حديث أنس.
(٣) أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١).
[ ١ / ٢٠٦ ]
والصلاةُ، والصومُ، والطواف،
وهو طلاقُ بدعةٍ؛ لما فيه من تطويلِ العدَّةِ، مَا لَمْ تسألْه طلاقًا بعوضٍ، أو خلعًا؛ لأنها أدخلَت الضَّررَ على نفسِها، وإنْ سألَته طلاقًا بغيرِ عوضٍ، لَمْ يصحَّ.
قال الشيخُ منصورٌ في شرحِه على "الإقناع" (^١): قلتُ: ولعلَّ اعتبارَ العوضِ؛ لأنها قد تُظهرُ خلافَ ما تُبطنُ. فبذلُ العوضِ يدلُّ على إرادتِها الحقيقيةِ.
(و) الثالثُ: (الصَّلاةُ) ويمنعُ وجوبَ صلاةٍ في زمنه. قال في "الفروع" (^٢): إجماعًا. فلا تقضيها إجماعًا. قيل لأحمدَ في روايةِ الأثرمِ: فإن أحبَّتْ أنْ تقضيَها؟ قال: لا، هذا خلافٌ. أي: بدعةٌ.
وتفعلُ ركعتي طوافٍ؛ لأنَّها نسكٌ، ولا آخرَ لوقتِه. ذكرَه في " الفروع " بمعناه، فيعابا بها. انتهى (^٣).
يعني: إذا طافَت، ثمَّ حاضَت قبلَ أن تصلِّي ركعتي الطواف، فإنها تصلِّيها إذا طَهُرَت؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِها، فتسميتُها قضاءً تجوُّزًا.
(و) الرابعُ: (الصومُ) أي: فعلُ الصومِ؛ لقولِه ﵇ في حديثِ أبي سعيدٍ: "أليسَ إحداكُنَّ إذا حاضَت، لم تصمْ، ولم تصلِّ؟ " قلن: بلى. قال: "ذلك من نقصانِ دينِها". رواه البخاريُّ (^٤). ولا يمنعُ الحيضُ وجوبَه، فتقضيه إجماعًا.
(و) الخامسُ: (الطوافُ) أي: فعلُ الطوافِ؛ لقولِه ﵇ لعائشةَ: "إذا
_________________
(١) "كشاف القناع" (١/ ٤٦٩).
(٢) "الفروع" (١/ ٣٥٢).
(٣) "دقائق أولي النهى" (١/ ٢٢٠).
(٤) أخرجه البخاري (٣٠٤).
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقراءةُ القرآنِ، ومسّ المصُحَفِ، واللُّبثُ في المسجِدِ، وكذا المرورُ فيهِ إن خافَتْ تلويثَه.
حضْتِ فافعلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ حتى تطهُري". متفقٌ عليه (^١). ولأنَّه صلاةٌ، ووجوبُه باقٍ، فتفعلُه إذا طهُرَتْ أداءً (^٢)؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِه. ويسقُطُ عنها وجوبُ طوافِ الوداعِ، كما يأتي.
(و) السادسُ: (قراءةُ القرآنِ) مطلقًا، لقولِه ﵇: " لا تقرأُ الحائضُ ولا الجنبِ شيئًا من القرآنِ". رواه أبو داودَ والترمذيُّ (^٣).
(و) السابعُ: (مسُّ المصحفِ) لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَة: ٧٩].
(و) الثامنُ: (اللبثُ في المسجدِ) لقولِه ﵇: "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ، ولا لجنب ". رواه أبو داودَ (^٤).
(وكذا) التاسعُ: (المرورُ فيه (^٥) إن خافَت تلويثَه) لأنَّ تلويثَه بالنجاسةِ محرَّمٌ، والوسائلُ لها حكمُ المقاصدِ.
هذا ما ذكرَ المصنِّفُ، واقتصرَ عليه. والباقي يأتي في أبوابِه مفصَّلًا، فلا حاجةَ إلى إعادتِه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١).
(٢) في الأصل: "إذًا".
(٣) أخرجه الترمذيُّ (١٣١) من حديث ابن عمر. ولم أجده عند أبي داود. وانظر "تحفة الأشراف" (٨٤٧٤). وضعفه الألباني في " الإرواء " (١٩٢).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٣٢) من حديث عائشة. وضعفه الألبانى.
(٥) سقطت: "فيه" من الأصل.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ويُوجِبُ: الغُسلَ، والبلوغَ، والكفَّارةَ بالوَطءِ فيهِ ولو مُكرَهًا، أو ناسيًا أو جاهِلَ الحيضِ والتحريمِ،
(ويوجبُ) الحيضُ ثلاثةَ أشياءَ:
أحدُها: (الغُسل) لقولِه ﵇: "دعي الصَّلاةَ قدرَ الأيامِ التي كنتِ تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلِي وصلِّي ". متفقٌ عليه (^١).
والثاني: (البلوغُ) لقولِه ﵇: " لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمارٍ". رواه أحمدُ وغيرُه (^٢). فأوجبَ عليها أن تستترَ لأجلِ الحيضِ، فدلَّ على أنَّ التكليفَ حصلَ به.
والثالثُ: (الكفارةُ بالوطءِ فيه) لحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا، في الذي يأتي امرأتَهُ وهي حائضٌ: قال: يتصدَّقُ بدينارٍ، أو نصفِ دينارٍ". رواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ (^٣). وتخييرُه بين الشيءِ ونصفِه، كتخييرِ المسافرِ بين القصرِ والإتمامِ. والدينارُ هنا: المثقالُ من الذهبِ مضروبًا، أو لا. وتجزئُ قيمتُه من الفِضَّةِ فقط. وسواء وطئ أوَّلَ الحيضِ وآخرَهُ، أسودَ كان الدَّمُ أو أحمرَ. وكذا لو جامعَها وهي طاهرةٌ، فحاضتْ، فنزعَ في الحالِ؛ لأنَّ النزعَ جماعٌ. (ولو) كانَ الواطيُّ (^٤) (مُكرَهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، الحيضَ والتحريمَ) لعمومِ الخبرِ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٥)، ومسلم (٣٣٤) من حديث عائشة.
(٢) أخرجه أحمد (٤٣/ ٨٧) (٢٥١٦٧)، وأبو داود (٦٤١) من حديث عائشة. وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٧٣ (٢٠٣٢)، وأبو داود (٢٦٤)، والترمذي (١٣٦)، والنسائي (١/ ١٥٣) من حديث ابن عباس وصححه الألباني.
(٤) في الأصل: " الوطئ ".
[ ١ / ٢٠٩ ]
وهي دينارٌ أو نصفُهُ، على التخيير، وكذا هِيَ إنْ طاوعَتْ.
ولا يُباحُ بعدَ انقطاعِه وقَبلَ غُسلِها أو تَيمُّمِها، غيرُ الصومِ،
وكالوطءِ في الإحرامِ.
(وهي) أي: الكفارةُ: (دينارٌ أو نصفُه على التخيير) وتقدَّمَ الكلامُ عليه.
قال في "الإنصاف" (١): ظاهرُ قولِه: فعليه نصفُ دينارٍ كفارةً. أنَّ المُخرَجَ كفارةٌ، فتُصرَفُ مَصرِفَ سائرِ الكفَّاراتِ، وهو صحيحٌ. قال في " الفروع ": وهو كفارةٌ. قال أكثر الأصحابِ: يجوزُ دفعُها إلى مسكينٍ واحدٍ كنذرٍ مطلَقٍ. وذكرَ الشيخُ تقيُّ الدين وجهًا: أنَّه يجوزُ صرفُه أيضًا إلى مَنْ له أخذُ الزكاةِ للحاجةِ. قال في "شرح العمدة": وكذا الصدقةُ المطلقةُ.
وقال أيضًا في "المنهج ": ونصفُه على التخييرِ نصًّا، كفارة. وتجزئُ إلى مسكينٍ واحدٍ، كنذرٍ مطلقٍ. وتسقطُ بعجزٍ. قال في " الإنصاف " (^٢): وهو ظاهرُ ما قدَّمَه في "الفروع".
(وكذا هي) أي: المرأةُ كالرجلِ في الكفَّارةِ، قياسًا عليه (إنْ طاوعتْ) على الوطءِ، فإنْ أكرَهَها، فلا كفارةَ عليها. وقياسُه: لو كانتْ ناسيةً أو جاهلةً. وهي من المفرداتِ. وعنه: لا كفارةَ عليها.
(ولا يُباحُ بعد انقطاعِه) أي: انقطاعِ الحيضِ (وقبل غُسلِها، أو تيمُّمِها) معَ عدمِ الماءِ (غيرُ الصومِ) لأنَّ وجوبَ الغسلِ لا يمنعُ فعلَه، كالجنابةِ. فلا يباحُ الصَّلاةُ، والطوافُ، والقراءةُ، واللُّبثُ في المسجدِ، ومسُّ المصحَفِ، والوطءُ في
_________________
(١) " الإنصاف " (٢/ ٣٨٢).
(٢) في الأصل: " المنتهى " وانظر " الإنصاف " (٢/ ٣٨٢).
[ ١ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفرجِ بمجرَّدِ انقطاعِه قبلَ الغُسلِ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] إذ المرادُ بقولِهِ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] انقطاعُ الدمِ، وأما قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] يعني: اغتسلنَ بالماءِ. قالَهُ ابنُ عباسٍ. ولأنَّ التطهرَ تفعُّلٌ، وهو يقتضي إيجادَ فِعلٍ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦] ولأنَّ في حملِ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] على الغسلِ، وحملِ قولِهِ تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] على انقطاعِ الدَّمِ؛ حملًا لكلِّ لفظٍ على فائدةٍ. ومعنى ذلك أَوْلى من جعلِهما بمعنًى واحدٍ.
إذا تقررَ هذا: فلابدَّ من حِلِّ الوطءِ وجودُ انقطاعِ الدمِ مع الغُسلِ. وقيسَ على الوطءِ غيرُه. ولأنَّ حدثَ الحيضِ عودٌ قبلَ الاغتسالِ، فوجبَ أن يمنعَ من ذلك.
قال في "الشرح الكبير" (١): وانقطاعُ الدَّمِ الذي تتعلَّقُ به هذه الأحكامُ: الانقطاعُ الكثيرُ الذي يوجبُ عليها الغُسلَ، فأما الانقطاعُ اليسيرُ في أثناءِ الحيضةِ، فلا حكمَ لَهُ. انتهى.
"فائدةٌ": ووطءُ الحائضِ كبيرةٌ، خلافًا لصاحبِ "الإقناع " هنا. ولا كفارةَ بوطءٍ بعد انقطاعٍ، وقبلَ غُسلٍ، ولا بوطءٍ في دُبُرٍ.
" فرعٌ ": لو أرادَ وطأَها، فادَّعَتْ حيضًا، وأمكنَ، قُبِلَ، نَصًّا؛ لأنَّها مؤتمنةٌ. وقال ابنُ حزمٍ: اتفقوا على قبولِ قولِ المرأةِ، تَزُفُّ العروسَ إلى زوجها، فتقولُ: هذه زوجتُك. وفي قولِها: أنا حائضٌ. أو: قدْ طَهُرْتُ.
_________________
(١) "الشرح الكبير" (٢/ ٣٧٣).
[ ١ / ٢١١ ]
والطلاقِ، واللُّبثِ بوضوءٍ في المسجِدِ.
وانقطاعُ الدم؛ بأن لا تتغيَّرَ قُطنةٌ اِحتَشَتْ بها في زمنِ الحيض، طُهرٌ.
وتقضي الحائِضُ والنُّفساءُ الصَّومَ، لا الصلاةَ.
وغيرُ (الطلاق) لأنَّ تحريمَه لتطويلِ العِدَّةِ، وقد زالَ ذلك.
ويُباحُ أيضًا بعدَ انقطاعِهِ لبثٌ بمسجدٍ بوضوءٍ، وتقدَّمَ، وإليه أشارَ بقولِهِ: (واللُّبثِ بوضوءٍ في المسجدِ) لأنَّها أَمِنتْ تلويثَه.
وانقطاعُ الدَّمِ؛ بأن لا تتغيرَ قطنةُ احتشتْ بها في زمنِ الحيضِ) أي: بأنْ لا تتغيرَ قطنةٌ احتشتْ بها: أي: بأنْ لا يخرجَ عليها شيءٌ، أو يخرجُ عليها شيءٌ أبيضُ يُسمَّى: التَّنزيهُ. بخلافِ ما إذا خرجَ عليها شيءٌ كَدِرٌ، أو أحمرُ، أو أصفرُ. (طُهر) فلا يُكره وطؤها إذا انقطعَ دمُها في أثناءِ عادتِها، واغتسلتْ؛ لأنَّه تعالى وصفَ الحيضَ بكونِه: أذىً. فإذا انقطَع واغتسلتْ، فقدْ زالَ الأذى
(وتَقضي الحائضُ والنفساءُ الصومَ) المفروضَ كرمضانَ (لا الصَّلاةَ) لكثرةِ المشقَّةِ بإعادتِها.
[ ١ / ٢١٢ ]