(بابُ السواكِ)
اسمٌ للعودِ الذي يُتسوَّكُ به، وكذلك المِسواكُ، بكسر الميم. قال ابنُ فارسٍ: سُمِّيَ بذلك لكونِ الرجلِ يُردِّدُه في فيه ويحرِّكُه. يقالُ: جاءتْ الإبلُ تَسَاوكُ. إذا كانت أعناقُها تضطربُ من الهزالِ. وقيل: من ساكَ، إذا دلَكَ. وهو يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ. وقيل: يُذكَّرُ فقط. وجمعُه: سُوُكٌ ككُتُب. ويقالُ: سُؤكٌ بالهمزِ.
واشتقاقُه: قيل: هو مشتقٌّ من الدَّلكِ. وقيل: من التمايلِ، يقالُ: استاكتْ الإبلُ، إذا تمايلتْ، قال في "المطلع": والأوَّلُ أصحُّ. ويطلقُ السواكَ على الفعلِ (^١).
وهو شرعًا: استعمالُ العودِ في الأسنانِ؛ لإذهابِ التغير ونحوِه.
وأوَّلُ من استاكَ إبراهيمُ الخليلُ ﵇. قاله الحجاويُّ في "الحاشية".
قال في "الفروع" (^٢): السواكُ باعتدالٍ يُطيِّبُ الفمَ والنَّكْهةَ، ويجلو الأسنانَ، ويُقوِّيها، ويَشدُّ اللِّثةَ، قال بعضُهم: ويُسمِّنُها، ويقطعُ البلغمَ، ويجلو البصرَ، ويمنعُ الحفرَ - أي: تقشرُ أصولِ الأسنانِ - ويذهبُ به، ويُصحُّ المعدةَ، ويُعينُ على الهضمِ، ويُشهِّي الطعامَ، ويصفِّي الصوتَ، ويسهِّلُ مجاري الكلامِ، وينشِّطُ، ويطردُ النومَ، ويخفِّفُ عن الرأسِ، وفمِ المعدةِ. انتهى.
_________________
(١) انظر "المبدع" (١/ ٩٨)، "المطلع" ص (١٠).
(٢) "الفروع" (١/ ١٤٧).
[ ١ / ٨٢ ]
يُسن بعودٍ رَطْبٍ لا يتفتَّت.
وهو مسنونٌ مطلقًا، إلَّا بعدَ الزوالِ للصَّائم، فيكره،
قال بعضُهم (^١): وتغذية جائعٍ، ومُضاعفةُ أجرٍ، ورضا ربٍّ، وإرهابُ عدوٍّ، وإرغامُ الشيطانِ، وتذكيرُ الشهادةِ عندَ الموتِ.
(يُسنُّ بعودٍ رطبِ) أي: ليِّن. ولو عَبَّر به "كالمقنع" وغيرِهِ، لكانَ أولى. فيشملُ اليابسَ المندَّى. قالهَ الشيخ منصورٌ في "شرحِه" (^٢). (لا يتفتَّتُ) في الفمِ
(وهو) أي: السواكُ (مسنونٌ) خبَرٌ لـ"السواك" (مطلقًا) جميع الأوقاتِ والأحوالِ؛ لحديثِ عائشةَ: "السواكُ مطهرةٌ للفمِ، مرضاةٌ للربِّ". رواه الشافعيُّ، وأحمدُ، وابنُ خزيمةَ، والبخاريُّ تعليقًا (^٣). ورواه أحمدُ أيضًا عن أبي بكرٍ (^٤) وابنِ عمرَ (^٥). وروى مسلمٌ وغيرُه (^٦) عن عائشةَ: أنه ﵇، كان إذا دخلَ بيتَه بدأَ بالسواكِ.
(إلا بعدَ الزوالِ للصائمِ، فيُكره) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المسكِ". متفقٌ عليه (^٧). وهو إنَّما يظهرُ غالبًا بعدَ
_________________
(١) "غاية المنتهى" (١/ ٦٥).
(٢) "دقائق أولي النهي" (١/ ٧٩).
(٣) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ٢٣ - ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٤ - وأحمد ٤٠/ ٢٤٠، ٣٩٠ (٢٤٢٠٣، ٢٤٣٣٢)، والنسائي (٥)، وابن خزيمة (١٣٥)، وعلقه البخاري عقب (١٩٣٣). وصححه الألباني في الإرواء (٦٦).
(٤) أخرجه أحمد (١/ ١٨٦) (٧).
(٥) أخرجه أحمد (١٠/ ١٠٦) (٥٨٦٥).
(٦) أخرجه مسلم (٢٥٣)، وأحمد (٤٢/ ٣٥٨) (٢٥٥٥٣).
(٧) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١).
[ ١ / ٨٣ ]
ويُسنُّ له قبلَه بعُودٍ يابسٍ، ويباحُ برطْبٍ.
الزوالِ. ولأنَّه أثر عبادةٍ مُستطابٌ شرعًا، فتستحبُّ إدامتُه، كدمِ الشَّهيدِ عليه.
(ويُسنُّ له قبله بعودٍ يابسٍ) للصائمِ قبلَه؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: رأيتُ النبيَّ - ﷺ - ما لا أُحصي، يتسوَّكُ وهو صائمٌ. رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (^١). وعن عائشةَ مرفوعًا: "مِن خيرِ خصالِ الصائمِ: السواكُ". رواه ابنُ ماجه (^٢). وهذان الحديثان محمولان على ما قبلَ الزوالِ؛ لحديثِ البيهقيِّ عن عليٍّ مرفوعًا (^٣): "إذا صمتمْ فاستاكوا بالغداةِ، ولا تستاكوا بالعشيِّ". والرَّطبُ مَظنَّةُ التحلُّلِ منه، فلذلك أُبيحَ السواكُ به، بخلافِ اليابسِ، فيستحَبُّ كما تقدَّمَ (^٤).
(ويباحُ) السواكُ (بـ) عودٍ (رطبٍ): أي: ليِّن، كما عبَّرَ في "الوجيز" وغيرِه. فيشملُ الأخضرَ واليابسَ المندَّى. قال في "الهداية" "وشرحها" للمجد: ويكونُ يابسًا قد نُدِّي بالماءِ. قال: وذلك لخضرةٍ تتحلَّلُ منه أجزاءٌ، واليابسُ من غيرِ بللٍ ربَّما جَرَحَ. فينعكسُ مقصودُ التنظيفِ والتطهيرِ؛ والسواكُ إنَّما هو مطهرةٌ، كما جاءَ الخبرُ. انتهى.
ولا فرقَ بينَ سائرِ الأعوادِ على المذهبِ. وفي "الرعاية الكبرى": من أراكٍ، أو زيتونٍ، أو عُرجُونٍ، واقتصرَ عليها كثيرٌ من الأصحابِ.
وفي "الفروع" (^٥): يُكره بقَصَبٍ كريحانٍ ورمَّانٍ وآسٍ ونحوِها. قال بعضُهم:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٤/ ٤٤٧) (١٥٦٧٨)، وأبو داود (٢٣٦٤)، والترمذي (٧٢٥). وضعفه الألباني.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٦٧٧)، وضعفه الألباني.
(٣) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٧٤) موقوفًا على عليٍّ، وضعفه الألباني في "الإرواء" (٦٧).
(٤) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٨١).
(٥) "الفروع" (١/ ١٤٨).
[ ١ / ٨٤ ]
ولم يُصبِ السنَّة مَنِ استاكَ بغيرِ عُودٍ.
ويتأكَّدُ عند وُضُوءٍ، وصلاةٍ، وقراءةٍ،
ولا يتسوكُ بما يجهلُه؛ لئلا يكونَ من ذلك، أي: المذكور.
"فائدةٌ": يستحبُّ غسلُ ما على السواكِ بسبب التسوكِ، وإن لمْ يغسلْه، ولم يكنْ عليه شيءٌ كثيرٌ، فلا بأسَ، وإن كان سواكَ غيرِه
(ولم يصبِ السنَّةَ من استاكَ بغيرِ عودٍ) كمَن استاكَ بإصبعِهِ أو خرقةٍ؛ لأنَّه لا يحصلُ به الإنقاءُ كالعودِ. ولأنَّ الشرعَ لمْ يردْ به
(ويتأكدُ عندَ وضوءٍ) لحديثِ أحمدَ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "لأمرتهم بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ" وهو للبخاريِّ تعليقًا (^١).
(و) عندَ (صلاةٍ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: " لولا أن أشقَّ على أمتي [لأمرتهم بالسواكِ عند كل صلاة" رواه الجماعة (^٢). وفي لفظ لأحمد] (^٣): "لفرضتُّ عليهم السواكَ، كما فرضتُ عليهم الوضوءَ" (^٤). قال الشافعيُّ: لو كان واجبًا لأمرَهم به، شقَّ أو لمْ يشقَّ.
(و) عندَ (قراءةِ) قرآنٍ؛ تطييبًا للفم، حتى لا يتأذَّى الملَكُ عند تلقِّي
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٢/ ٣٧٤) (٧٤١٢)، وعلقه البخاري قبل حديث (١٩٣٤). وصححه الألباني في "الإرواء" (٧٠).
(٢) أخرجه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢)، وأحمد (٢/ ٢٧٢) (٩٦٧)، وأبو داود (٤٦)، والترمذي (٢٢)، والنسائي (٧)، وابن ماجه (٢٨٧).
(٣) سقط ما بين المعكوفين من الأصل. والتصويب من "دقائق أولي النهى" (١/ ٨٢).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٤) (١٨٣٥) من حديث تمام بن العباس عن أبيه. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٣٠٦٧).
[ ١ / ٨٥ ]
وانتباهٍ من نومٍ، وتغيُّر رائحةِ فَمٍ، وكذا عندَ دخولِ مسجدٍ ومنزلٍ، وإطالةِ سُكُوتٍ، وصُفْرة أسنَانٍ.
ولا بأس أن يتسوَّك بالعودِ الواحدِ اثنان، فصاعِدًا.
فَصْلٌ