بابُ الشيءِ: ما يُتوصلُ به إليه، كبابِ الدَّارِ. فبابُ المياهِ: ما يُتوصلُ به إلى الوقوفِ على مسائِلِها. وقد يُطلقُ على الصِّنفِ، فيقالُ: أبوابٌ مبوبةٌ. أي: أصنافٌ مصنَّفةٌ.
وأصلُ باب: بَوَب، لقولهم في الجمع: أبوابٌ، لكن تحرَّكتِ الواو، وانفتحَ ما قبلها، فقلِبتْ ألفًا، فصار بابًا.
والمياهُ: جمعُ ماءٍ. وساغَ جمعُهُ باعتبارِ ما تنوعَ إليه شرعًا.
الماء: جوهرٌ بسيطٌ لطيفٌ سيَّال بطبعِهِ. والمرادُ بالبسيطِ: ما لمْ (^١) يتركبْ من أجزاءٍ مختلفةِ الطبائعِ، كالعناصرِ الأربعةِ. وخرجَ به: ما تركَّبَ منها. وبلطيف: الكثيفُ كالترابِ. وبسيَّال: نحوُ الهواء. وبطبعِه: بقيةُ المائعاتِ، فإنها تسيلُ بالمعالجةِ. وله لونٌ على المشهورِ، لا أنه لا لونَ له، وإنما يتلونُ بلونِ إنائِهِ.
وإنما جُمِعَ جمعَ كثرةٍ، وهو لما فوقَ العشَرةِ -وهلَّا جُمِع جمعَ قِلَّة فقيل: الأمواه. مع أن أنواعه ثلاثةٌ؟ - لوجهين: أحدُهما: أنَّ فِعال بالكسر عند الكوفيين،
_________________
(١) في الأصل: "من لم".
[ ١ / ٤٠ ]
وأقسامُ الماءِ ثلاثةٌ:
أحدُها: طَهُورٌ وهو الباقي على خِلْقَتِه، يرفعُ الحدثَ، ويُزيلُ الخبثَ.
جمع قلةٍ. والثاني: أنه جُمِعَ كذلك، لكثرةِ ما في الدنيا منه.
واستدلَّ بعضُهم على أنَّ له لونًا بقوله ﵊ في الحوضِ: "أشدّ بياضًا من اللبنِ" (^١). ذكرَهُ ابنُ هُبيرةَ.
(وأقسامُ الماءِ ثلاثة) لأنَّه إمَّا أن يجوزَ به الوضوءُ، أو لا. والأولُ: طَهورٌ. والثاني: إمَّا أن يجوزَ شزبُه أو لا. والأولُ: طاهِرٌ. والثاني: نجِسٌ.
(أحدُها: طَهور) بفتح الطاء، وأمَّا بضمِّها، فالمصدرُ. قاله اليَزيديُّ. وحُكي فَتحُهما وضمُّهما. وهو أشرفُ الأنواعِ، ولذلك قدَّمه، ولأنه المقصودُ. قال ثعلبٌ: طَهورٌ - بفتح الطاء -: الطاهِرُ في ذاتِهِ، المُطهِّرُ لغيرِه.
(وهو) أي: الماءُ الطهورُ: (الباقي على خِلقَتِهِ) أي: على الخلقةِ التي خُلِقَ عليها، وهي الطَّهوريةُ، بأن لم يطرأْ عليه وصف يقيَّدُ به فيخرجُه عن الإطلاقِ. وهو: ماءُ البحرِ، وما نزل (^٢) من السماءِ، أو نبعَ من الأرضِ، وذوبُ الثلجِ والبرَدِ.
(يرفعُ) وحده (الحَدَثَ) نَصَّ عليه. وهو: ما أوجبَ وُضوءًا أو غسلًا. وهو اسمٌ للخارِجِ مطلقًا. ويطلقُ أيضًا على المعنى القائمِ بالبدنِ المقتضي للمَنعِ من الصَّلاةِ ونحوِها.
(ويُزيلُ الخَبَثَ) عطفٌ على قولِهِ: "يرفعُ الحدثَ" والخبثُ لغةً: ما يُستقذرُ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٥/ ٢٥٥) (٢١٣٢٧)، ومسلم (٢٣٠٠) من حديث أبي ذر، وأخرجه مسلم (٢٣٠١) من حديث ثوبان.
(٢) في الأصل: "نز".
[ ١ / ٤١ ]
وهو أربعةُ أنواعٍ:
ماءٌ يحرم استعمالُه، ولا يرفعُ الحدثَ ويزيلُ الخبثَ، وهو ما ليس مُباحًا.
وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى لا الرجلِ البالغِ والخُنثى، وهو ما خلتْ به المرأةُ المكلفةُ لطهارةٍ كاملةٍ عن حدثٍ.
وشرعًا: كلُّ مُستقذَرٍ يمنعُ صحةَ الصَّلاةِ، حيثُ لا مُرخِّصَ؛ مخفَّفًا، أو متوسِّطًا، أو مُغلَّظًا، كبولِ صبيٍّ لم يأكلِ الطعامَ لشهوةٍ، وكنجاسةٍ من غير كلبٍ وخنزيرٍ وهو مُغلَّظًا.
(وهو) أي: الماء (أربعةُ أنواعٍ):
(ماءٌ يحرمُ استعمالُه، ولا يرفعُ الحدثَ) مطلقًا (ويزيلُ الخبثَ. وهو ما ليس مباحًا) قال المصنِّفُ: سواءٌ استعملَه ناسيًا أو جاهلًا.
"فائدة": قال في "المُبْدعِ" (^١): واختلفَ الأصحابُ: لو سبَّلَ ماءً للشرب، هل يجوزُ الوضوءُ منه مع الكراهةِ، أو يحرمُ؟ على وجهين. وقيل: يكرهُ الغسلُ لا الوضوء. اختاره الشيخ تقي الدين. وظاهرُ كلامِهم: لا يُكرهُ ما جرى على الكعبة، وصرَّح به غيرُ واحدٍ.
وصحَّح في "الإقناع" (^٢): لا يجوزُ الوضوءُ بالماءِ المسبَّلِ.
(وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى، لا الرجلِ البالغِ) وقيل: وصَبيٍّ (والخُنثَى) إلحاقًا له بالرَّجُلِ احتياطًا (وهو: ما خَلَتْ به المرأةُ المكلَّفةُ) ولو كافِرةً. لا المميِّزَةُ (لطَهارَةٍ) لا لشُربٍ ونحوِه (كامَلَةٍ) وقيل: أو بَعْضِها (عن حَدَثٍ) لا عَن خَبَثٍ، أو طُهْرٍ مُستحبِّ. وأن يكونَ خُلُّوهَا بالماءِ كخَلَوةِ نكاحٍ. فيزولُ حُكمُ الخَلْوةِ
_________________
(١) "المبدع" (١/ ٣٥).
(٢) "الإقناع" (١/ ٣٨).
[ ١ / ٤٢ ]
وماءٌ يكره استعمالهُ معَ عدمِ الاحتياجِ إليه، وهو ماغ بئرٍ بمقبَرَةٍ، وماءٌ اشتدَّ حرُّه أو بردُه،
بمشاهَدةِ مميِّزٍ وكافِرٍ وامرأةٍ، لحديثِ: "نهى النبىِّ - ﷺ - أن يَتوضَّأَ الرجلُ بفَضلِ طهورِ المرأةِ". رواه الخمسةُ (^١). وهو أمرٌ تعبديٌّ لا يُعْقلُ معناه.
"فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (^٢): وظاهرُ ما تقدَّمَ: أنها إذا خلتْ بالترابِ للتَّيمُّمِ، لا تؤثرُ خلوتُها. وهو المذهبُ. وفيه احتمالٌ: أنَّ حُكمَه حكمُ الماءِ.
وظاهِرُه أيضًا: أنه لا تأثيرَ لذلك في إزالةِ الخبثِ به في حقِّ الرجلِ. وهو المذهبُ. وظاهرُه أيضًا: أنه لا تأثيرَ لخَلْوةِ الخُنثى المُشكِلِ بالماءِ القليلِ للطهارةِ. وهو المذهَبُ. وفيه وجهٌ: أنَّه كالمرأةِ.
(وماءٌ (^٣) يُكرَه استعمالُه مع عدمِ الاحتياجِ إليه، وهو: ماءُ بئرٍ بمقبَرةٍ) بتثليث الباء مع فتح الميم. وبفتح الباء مع كسر الميم. أي: يُكره استعمالُ مائِها.
وظاهرُ كلامِ الإمامِ: مطلقًا، في أكلٍ وشربٍ وطهارةٍ وغيرِها. وكذا بئرٌ بغَصبٍ، أو أجرةُ حَفرِهَا غَصبٌ. وكذا ما ظُنَّتْ نجاستُه.
قال في "الفروع" في بابِ الأطعمةِ: وكَرِه أحمدُ ماءَ بئرٍ بينَ القبورِ، وشوكَها، وبقلَها.
(وماءٌ اشتدَّ حرُّه أو برْدُه) قاله ابنُ عبدوس (^٤) في "تذكرته"؛ لأذاه ومنعِه كَمَالَ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧٨٦٥)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي (٣٤٣)، وابن ماجه (٣٧٣) من حديث الحكم الغفاري. وصححه الألباني.
(٢) انظر "الإنصاف" (٩٠١١)، "معونة أولي النهى" (١/ ١٥٨).
(٣) في الأصل: "وأما ماء".
(٤) في الأصل: "قُندس".
[ ١ / ٤٣ ]
أو سُخن بنجاسةِ، أو سُخِّن بمغصُوبٍ، أو استُعمِل في طهارةٍ لم تجب، أو في غُسلِ كافرٍ، أو تغيَّر بمِلحٍ مائيِّ، أو بما لا يُمازِجُه كتغيُّرِه بالعودِ القَماريِّ،
الطهارةِ
(أو سُخِّنَ بنجاسَةٍ) ويُكره ماءٌ سُخِّنَ بنجاسَةٍ، ظُنَّ وصولُهَا إليه أو احتُمِلَ، أو لا، حصينًا كان الحائِلُ أو غَيرَ حَصينٍ، ولو بَرَدَ. ويُكره إيقادُ النَّجِسِ. وإنْ عَلِمَ وصولَ النجاسةِ إليه، وكان يَسيرًا، فنَجِسٌ. وعنه: لا يكره. اختارَه الشريفُ وابنُ عقيلٍ، وصحَّحه الأزْجىُّ.
ومحلُّ كراهتِهِ: إن لمْ يُحتَجْ إليه؛ لأنَّ كراهتَهُ من طريقِ الورَعِ، ومعَ الحاجةِ إليه يتعيَّنُ وجوبُ استعمالِهِ.
(أو سُخِّنَ بمغصُوبٍ) ونحوِه كمسروقٍ، أو ثمنُه محرَّمٌ. ذكره في "الرعاية" (أو اسْتُعمِلَ في طهارةٍ لم تجبْ) كتجديدِ وضوءٍ، أو غُسلٍ مسنونٍ، والغَسلَةِ الثانيةِ والثالثةِ في الوضوءِ أو الغُسلِ الواجِبين، حيثُ تمَّتْ الأُولى.
(أو في غُسْلِ كافرٍ) لأنَّه لم يرفعْ حدثًا (^١)، ولم يُزِلْ نجَسًا. والكافرُ - ولو شملَ الذميَّةَ التي تغتسلُ من الحيضِ والنفاسِ؛ لحلِّ وطئهِا لزوجِها المسلمِ - لا يَسلبُه الطهوريَّةَ؛ لأن الكافرَ ليس من أهلِ النيةِ؛ لأنَّه غُسل مُبيحٌ لا رافِعٌ.
(أو تغيَّرَ بمِلحٍ مائيٍّ) أي: أصلُه الماءُ؛ لأنَّه منعقدٌ من الماءِ، بخلافِ المعدنيِّ، فيسلبُه الطهوريَّةَ (أو بما لا يمازِجُه) أي: يخالِطُه (كتغيُّرِهِ بالعُودِ القَماريِّ) بفتح القَاف؛ نِسبةً إلى قَمَار: بَلدَة بالهندِ. وقال في "المطلع": بكَسرِ القاف. إذا كان
_________________
(١) في الأصل: "حدثه".
[ ١ / ٤٤ ]
وقِطَعِ الكافُورِ، والدُّهن.
قِطَعًا، ولم يتغيَّرِ الماءُ بتحلُّلِ أجزاءٍ منه فيه. قال صاحبُ "الرعايةِ": وإن دُقَّ أو طُحِنَ طحنًا (^١) ناعِمًا، أو انماع (^٢) فيه، فهو كزَعفَرَانٍ، وخَل (وقِطَعِ الكافُورِ) لأنَّ فيه دُهنيَّةً يتغيَّرُ بها الماءُ.
ووجهُ الكراهةِ: أن القياسَ: تغيُّرُ الماءِ بالطاهِرِ يَسلبُه الطهوريَّةَ. لكنْ لمَّا كان هذا التغيُّرُ عن مجاورةٍ، لا عن ممازجةٍ اغتُفِرَ.
قال شارحُ الأصلِ (^٣): وفي معناه: ما تَغيَّرَ بالقَطِرَانِ والزِّفتِ والشَّمعِ؛ لأنَّ فيه دُهنيةً يتغيرُ بها الماءُ.
إذا كان قِطعًا: احترزَ به عن المسحوقِ، فإنه يَسلبُ الماءَ طَهوريتَهُ، لتحلُّلِ أجزائه فيه واختلاطِهِ به.
(والدُّهنِ) أي: مِن زيتٍ ونحوِه، على اختلافِ أنواعِهِ. قال الجدُّ الشهابُ: وظاهرُ كلامِهم: سواءٌ كان مُطيَّبًا أو لا. وقيَّده بعضُ الشافعيةِ بكونِه غيرَ مُطيَّبٍ. وهو قويٌّ. انتهى.
قال ابنُ نصرِ اللهِ: الإطلاقُ يقتَضي أنَّه لا فرقَ بين تغيرِ اللَّونِ والطعمِ والرائحةِ. وفي تغيُّرِ اللَّونِ والطعمِ من غيرِ تمازجِهِ نظرٌ!.
وقال ابنُ قُندسٍ: وعلَّلوه بأنَّه تغيرُ مجاورةٍ لا مخالطةٍ، فلم يغيرْ. وهذا التعليلُ إنَّما يصحُّ إذا غيَّرَ ريحَه فقط. قاله في "حاشية المحرر". وقال في "حاشيةِ
_________________
(١) سقطت: "طحنًا" من الأصل.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل، ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) "معونة أولي النهى" (١/ ١٦٠).
[ ١ / ٤٥ ]
ولا يكره ماءُ زمزمَ إلا في إزالةِ الخَبَثِ.
وماءٌ لا يكره، كماءِ البحرِ، والآبارِ، والعيونِ، والأنهار، والحمَّام، والمسخَّنِ بالشَّمسِ،
الفروعِ" (^١): يمكنُ أن يقالَ بالفرقِ بين الدُّهنِ وقطعِ الكافورِ؛ لتحللِ الأجزاءِ من الثاني دون الأوَّلِ.
(ولا يُكرَهُ ماءُ زمزمَ) أي: ولا يُكرهُ الوضوءُ به، ولا الغُسلُ؛ لأنَّه ﵇ وأصحابُه توضَّئوا منه (^٢). ويُقاسُ عليه: الغُسلُ. وأما قولُ العباسِ (^٣): لا أُحِلُّها لمغتَسلٍ. محمولٌ على مَن يُضيِّقُ بالاغتِسالِ به على الشُّرَّابِ عنه؛ للكثرةِ (^٤) والزحامِ. وقال النوويُّ (^٥): ما يقالُ عن العباسِ من النهيِّ عن الاغتسالِ من ماءِ زمزمَ، ليس بصحيحٍ.
"فائدةٌ": لا يُكرهُ ما جرى على الكعبةِ، في ظاهرِ كلامِهم، قالَه في "الإقناعِ" (^٦).
ويُكرهُ ماءُ زمزمَ في إزالةِ الخبثِ، وإليه أشارَ بقولِهِ: (إلَّا في إزالةِ الخبثِ) تعظيمًا له. وقيلَ: يحرمُ
(وماءٌ لا يُكرهُ، كماءِ البحرِ، والآبارِ، والعيونِ، والأنهارِ، والحمَّامِ، والمسخَّنِ بالشمسِ) سواءٌ كان في قِطرٍ حارٍّ أو باردٍ، وسواءٌ سخنَ قصدًا أو اتفاقًا، وسواءٌ كان في إناءٍ صغيرٍ ونحوِه أو لا. وما حُكِيَ أنَّه يورثُ البرصَ، غيرُ صحيحٍ عن
_________________
(١) "حاشية الفروع" (١/ ٥٩).
(٢) رواه عبد اللَّه في زوائد (المسند) (٥٦٤) من حديث علي. وحسنه الألباني في "الإرواء" (١٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٥/ ١١٤).
(٤) في الأصل: "الكثرة".
(٥) انظر "المجموع" (١/ ٩١).
(٦) "الإقناع" (١/ ٦).
[ ١ / ٤٦ ]
والمتغيِّرِ بطُولِ المُكْثِ أو بالرِّيح من نحو ميتةٍ، أو بما يشُقُّ صونُ الماءِ عنه كطُحْلُبٍ، وورقِ شجرٍ، ما لم يوضَعا.
أهلِ الطبِّ. وأما الحديثُ (^١): "فإنه يورثُ البرصَ" فقالَ الدارقطنىُّ: يرويه خالدُ بن إسماعيلَ، وهو متروكُ الحديثِ.
(والمتغيرِ بطولِ المُكثِ) في أرضٍ، أوآنيةٍ من أَدَمٍ أو نحاسٍ أو غيرِها؛ لمشقَّةِ الاحترازِ منه. ورُوي أنه - ﷺ -: "توضأَ من بئرٍ كأنَّ ماءَه نُقاعةُ الحنَّاءِ" (^٢).
(أو بالريحِ) بسبَبِ حَملِها الرائحَةَ الخبيثةَ إلى الماءِ، فيتروَّحُ بها؛ للمشقَّةِ (مِن نحوِ ميتةٍ) ولو نجِسَةً.
(أو ما يَشقُّ (^٣) صونُ الماءِ عنه، كطُحْلُب) بضمِّ الطاءِ وفتحِها: خُضرَةٌ تعلو الماءَ الراكدَ بسببِ الشمسِ غالبًا.
(ووَرقِ شجرِ (^٤» لمشقَّةِ الاحترازِ عنه. سقَطَ فيه بغَيرِ فعلِ آدميٍّ. وكذا ما نَبَتَ في الماءِ، والسمكُ ونحوُه، والجرادُ ونحوُه، وما تلْقيه الرياحُ والسيولُ، وما تغيرَ بممرِّه أو مقرِّه، كمعدنِ كِبريتٍ أو نحوِه، فكلّه غيرُ مكروهٍ.
قال الشيخُ تقىُّ الدينِ رحمَه اللهُ تعالى: تخصيصُ ورقِ الشجرِ، مفهومُه: أنَّه لو وقعَتْ ثمارُ الأشجارِ في الماءِ أنَّه يسلبُه الطهوريَّة، قولًا واحدًا، فإنه لا يشقُّ التحرُّزُ من ذلك. وقَلَّ ما يوجدُ من الثمارِ على حافاتِ الأنهارِ. (مَا لَمْ يوضعَا) أي: عن قَصدٍ.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٨)، والبيهقي (١/ ٦) من حديث عائشة. قال الألباني: موضوع. "الإرواء" (١٨).
(٢) لم أجده بهذا اللفظ.
(٣) في الأصل: "أو ما يشق".
(٤) في الأصل: "الشجر".
[ ١ / ٤٧ ]
الثاني: طاهرٌ يجوز استعمالُه في غيرِ رفعِ الحدثِ وزوالِ الخبثِ، وهو ما تغيَّر كثيرٌ مِنْ لونِه، أو طعمِه، أو ريحه بشيءٍ طاهرٍ،
القسمُ (الثاني) مِن أنواعِ المياهِ: (طاهرٌ) غيرُ مطهِّرٍ. وحكْمُهُ: أنه يجوزُ استعمالُهُ في العاداتِ دونَ العباداتِ. فيجوزُ شرْبُهُ والطبخُ والعجْنُ ونحوُ ذلك، ولا يرفعُ حدثًا، ولا يزيلُ خبثًا، ولا يُستعملُ في طهارةٍ مندوبةٍ.
(يجوزُ استعمالُهُ في غيرِ رفعِ الحدثِ وزوالِ الخبَثِ) أي: كلِّ مُستَقْذَرٍ.
(وهو) أي: الطاهرُ (ما تغيَّرَ كثيرٌ مِن لونِهِ، أو طعمِهِ، أو ريحِهِ، بشيءٍ طاهرٍ) من غيرِ جنسِ الماءِ، لا يشقُّ صونُ الماءِ عنه، سواءٌ بطبخٍ فيه، كمَرَقِ الباقِلاءِ أو الحمِّصِ ونحوِه، أو لم يطبخْ، كما لو سقَطَ فيه زَعفَرانٌ أو نحوُه فتغيَّرَ به؛ لأنَّه زالَ إطلاقُ اسمِ الماءِ عنه، وزالَ عنه أيضًا معنى (^١) الماءِ؛ لأنَّه صارَ لا يُطلبُ شرْبُه.
وعنه: ما تغيَّرَ أحدُ أوصافِه بغيرِ طبخٍ، باقٍ على طهوريتِهِ.
ورُدَّ: بأنه تغيرَ بممازجٍ طاهرٍ يمكنُ صونُه عنه، أشبَهَ المتغيرَ بالطبخِ.
وعنه: أنه يرفعُ الحدثَ مع عدمِ غيرِه.
وعُلمَ منه: أنَّ ما تغيرَ جميعُ أوصافِهِ، أو كلُّ صفةٍ منها بطاهرٍ، أو غلبَ عليه، طاهرٌ بالاُولى. وأنَّ يسيرَ صفةٍ لا يسلبُه الطهوريَّةَ؛ لحديثِ أحمدَ، والنسائيِّ (^٢)، عن أمِّ هانئٍ: أنه ﵇ اغتسلَ هو وزوجتُه ميمونةُ، من قَصعةٍ فيها أثرُ العجينِ.
_________________
(١) في الأصل: "اسمُ".
(٢) أخرجه أحمد (٤٤/ ٤٦٥) (٢٦٨٩٥)، والنسائي (٢٤٠)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٤٨ ]
فإن زال تغيُّره بنفسه عاد إلى طَهوريَّته.
ومن الطاهرِ: ما كان قليلًا واستُعمل في رفعِ حدثٍ،
(فإنْ زالَ تغيُّرُه بنَفسِه، عادَ إلى طَهوريَّتِه. ومِن الطاهرِ: ما كان قليلًا، واستُعمِلَ في رفعِ حدثٍ) أكبرَ أو أصغرَ. قال في "الفروعِ": اختارَه الأكثر (^١). ودليلُه: قولُه - ﷺ -: "لا يغتسلْ أحدُكم في الماءِ الدائمِ وهو جنبٌ" رواه مسلمٌ (^٢).
وعنه (^٣): أنه باقٍ على طهوريتهِ. اختارَه ابنُ عقيلٍ، وأبو البقاءِ، والشيخُ تقيُّ الدينِ.
ولا يَصيرُ مُستعملًا إلَّا بانفِصَالِه، أي: بأوَّلِ جُزءٍ انفصَلَ. فعلى هذا: هو طهورٌ قبل انفصالِ جزءٍ من المنغمسِ فيه.
وكذا يَسلبُه الطهوريَّةَ اغترافُه بيدِه أو فمِه، أو وضعُ رجلِه أو غيرِها في قليلٍ بعدَ نيةِ غُسلٍ واجِبٍ، لا اغترافُه بيدِه لوضوءٍ، ولو بعدَ غسلِ وجهِهِ. وهو المذهبُ. لمشقَّةِ تكررِهِ. ما لمْ ينوِ غسلَها فيه.
قال في "الإنصافِ" (^٤): ويصيرُ الماءُ مستعملًا في الطَّهارَتَين بانتقالِه من عضوٍ إلى آخرَ بعدَ زوالِ اتصالِهِ، لا بتردُّدِهِ على الأعضاءِ المتَّصلةِ، على الصحيحِ.
ولا يُشترطُ نيةُ الاغترافِ عندَ محلِّ غسلِ الواجبِ، خلافًا للشافعيَّةِ. واحتُرِزَ به عن الكثيرِ المستعملِ في رفعِ الحدثِ، فإنَّه طهورٌ.
_________________
(١) "الفروع" (١/ ٧١).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) في الأصل: "غير" وانظر "معونة أولي النهى" (١٦٤).
(٤) انظر "الإنصاف" (١/ ٧٩)، "الإقناع" (١/ ٩).
[ ١ / ٤٩ ]
أو انغمسَتْ فيه كلُّ يدِ المسلمِ المكلَّف، النائمِ ليلًا نومًا ينقض الوضوءَ، قَبلَ غسلِها ثلاثًا
(أو انغمسَتْ فيه) أي: في الماءِ القليلِ (كُلُّ يدِ المسلمِ المكلَّفِ، النائمِ ليلًا، نومًا ينقضُ الوضوءَ، قبلَ غسلِها ثلاثًا) هو مَعطوفٌ على قولِهِ: "قليلًا واستُعمِلَ (^١) " فلا يَسلبُه غَمسُ بعضِها فيه. والمرادُ باليدِ هنا: إلى الكُوعِ؛ لأنَّه المفهومُ عندَ الإطلاقِ في لغةِ العربِ. والإجماعُ على ذلك في قولِه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ولم يفرَّقْ بين كونِ اليدِ نوى غسلَها بالغمسِ أو الحصولِ، أو لا؛ لعمومِ الخبرِ. وقوله (^٢): "ثلاثًا" فلا يَكفِي مرَّةً، أو مرَّتَين.
وخُصَّ الحكمُ بالمسلمِ المكلَّفِ؛ لأنَّ الصحابةَ المكلَّفين همُ المخاطبون بذلك. وبنومِ الليلِ: من قولِه: "باتت" والمبيتُ لا يكونُ إلَّا بالليلِ. وخُصَّ النومُ بما ينقضُ؛ لأنَّ غيرَهُ لا أثرَ لَهُ.
والأصلُ في ذلك حديثُ: "إذا استيقظَ أحدُكم من نومِهِ فليغسلْ يديه قبلَ أن يُدخِلَها في الإناءِ ثلاثًا، فإنَّ أحدَكم لا يدري أين باتتْ يدُهُ". رواه الشيخان (^٣)، إلَّا أنَّ البخاريَّ لمْ يذكرْ "ثلاثًا".
والمرادُ بالليلِ: إلى طلوعِ الفَجرِ. وخُصَّ الحكمُ بنومِ الليلِ؛ لأنَّه يطولُ، فيكونُ احتمال إصابةِ النجاسةِ.
_________________
(١) في الأصل: "وقليل استعمل".
(٢) أي: في الخبر.
(٣) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٥٠ ]
بنيةٍ، وتسميةٍ، وذلك واجبٌ.
(بنيةٍ وتَسميةٍ، وذلك) أي: النيةُ والتسميةُ (واجِبٌ) وهو تَعبُّديٌّ. ولو باتتْ مكتوفةً، أو بجِرابٍ - بكسرِ الجيمِ - ونحوِه ككيسٍ صفيق (^١).
ولا يفرَّقُ بين المطْلَقةِ والمشدودةِ بنحو جِرابٍ؛ لعمومِ الخبرِ، ولأنَّ الحكمَ إذا عُلِّقَ (^٢) على المظنَّةِ، لمْ تُعتَبر حقيقةُ الحكمةِ، كالعِدَّةِ لاستبراءِ الرحمِ من الصغيرةِ والآيسةِ.
ويُستَعملُ الماءُ الذي غُمسَ فيه كلَّ اليدِ في الوضوءِ والغُسلِ، وإزالةِ النجاسةِ. وكذا ما غَسَلَ به ذكرَه وأنثييه؛ لخروجِ مذي - إن لمْ يوجدْ غيرُه؛ لقوةِ الخلافِ. والقائلون بطهوريتِه أكثرُ من القائلين بسلبِها، مع تيممٍ وجوبًا؛ لأنَّ الحدثَ لمْ يرتفعْ؛ لكونِ الماءِ غيرَ طهورٍ. فإن تركَ استعمالَه أو التيممَ بلا عذرٍ، أعادَ ما صلَّى به؛ لتركِهِ الواجبَ عليه، وإنْ كانَ لعذرٍ، فلا، كما يُعلمُ من كلامِهم فيما يأتي. ولا أثرَ في غمسِها في مائعٍ طاهرٍ، لكن يُكرَهُ غمسُها في مائعٍ، وأكلُ شيءٍ رطبٍ بها. قاله في "المبدعِ" (^٣).
ولو استيقظَ محبوسٌ من نومِه فلا يدري: أهو نومُ ليلٍ أو نهارٍ؟ لمْ يجبْ غسلُهما. فعلى هذا: لا يُسلبُ الماءُ الطهوريَّةَ بغمسِ يدِه فيه. ويُستعملُ الماءُ الذي غُمسَ فيه يدُ النائمِ من نومِ الليلِ في نحوِ أكلٍ وشربٍ.
وظاهرُ كلامِ صاحبِ الأصلِ (^٤): أنَّه يجوزُ تقديمُ استعمالِهِ على التيممِ
_________________
(١) في الأصل: "ضيق".
(٢) في الأصل: "تعلق".
(٣) "المبدع" (١/ ١٠٩).
(٤) انظر "منتهى الإرادات مع حاشية عثمان" (١/ ١٧).
[ ١ / ٥١ ]
الثالثُ: نجسٌ يحرمُ استعمالُه إلَّا لضرورةٍ، ولا يرفعُ الحدثَ، ولا يُزيلُ الخبثَ، وهو ما وقعت فيه نجاسةٌ وهو قليلٌ، أو كان كثيرًا وتغيَّر بها أحدُ أوصافِه.
فإن زال تغيُّره بنفسه،
وعكسُه. وفي "الإقناع" (^١): استعملَه ثمَّ تيمَّمَ.
وطهورٌ منعَ منه لخَلْوةِ المرأةِ المكلَّفةِ لطهارةٍ كاملةٍ عن حدثٍ أولى بالاستعمالِ، معَ عدمِ غيرِه، من هذا الماءِ؛ لبقاءِ طهوريَّتِه، ويَتيمَّمُ بعدَ استعمالِ هذا الماءِ.
(الثالثُ) من أنواعِ المياهِ: (نجسٌ) بتثليثِ الجيمِ، وسكونِها، وهو ضِدُّ الطاهرِ. ولا يجوزُ استعمالُه إلَّا لضرورةٍ، كلُقمَةٍ غَصَّ بها وليس عندَه طهورٌ ولا طاهرٌ، أو لعَطشِ معصومٍ من آدميٍّ وبهيمةٍ، سواءٌ كانتْ تؤكلُ أو لا، ولكنْ لا تُحلَبُ قَريبًا، أو لطفءِ حريقٍ مُتلِفٍ، أو لبَلِّ الترابِ وجعلِه طينًا يُطيَّنُ به ما لا يُصلَّى عليه، لا نحوَ مسجدٍ (^٢).
وهو لغةً: الشَّيءُ المستقذرُ (يحرمُ استعمالُه) مع عدمِ الضرورةِ.
(ولا يرفعُ الحدثَ، ولا يُزيلُ الخبثَ، وهو ما وقعَتْ فيه نجاسَةٌ وهو قَليلٌ، أو كان كثيرًا) إجماعًا، حكاه ابنُ المنذرِ (وتغيَّرَ بها أحدُ أوصافِهِ) من لونِهِ، أو طعمِهِ، أو ريحِهِ، عن ممازجةٍ أو مجاورةٍ؛ تغيُرًا يسيرًا أو كثيرًا.
(فإنْ زالَ تغيرُه بنفسِه) أي: بلا وضعِ شيءٍ فيه من ترابٍ، أو مسكٍ، أو جامدٍ، أو مائعٍ، أو غيرٍ ذلك، فإنَّه لا يَطهُرُ بذلك.
_________________
(١) "الإقناع" (١/ ٨).
(٢) انظر "الإنصاف" (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٥٢ ]
أو بإضافة طَهورٍ إليه، أو بنزحٍ منه ويبقى بعده كثيرٌ، طهُر.
والكثيرُ قُلَّتانِ: تقريبًا،
(أو بإضافةِ طَهورٍ إليه، أو بنَزحٍ منه، ويبقَى بعدَهُ كثيرٌ) وهو قُلَّتانِ فصاعدًا (طَهُرَ) يعني: أنَّ الماءَ المنزوحَ الذي زَالَ تغيُّرُ الماءِ بنَزحِهِ، وبَقيَ بعدَهُ قُلَّتانِ فأكثرُ، طَهورٌ، بشَرطِ زوالِ التغيُّرِ منه، وأن يكونَ قُلَّتين فأكثرَ، أو زالَ تغيُّرُه بإضافةِ كَثيرٍ إليه.
"تنبيهٌ": قال ابنُ نصرِ اللهِ: تطهيرُ الماءِ النجسِ على خلافِ القياسِ من وجهين: أحدُهما: أنَّ شرطَ التطهيرِ أن يكونَ بمطهِّرٍ ينفَصِلُ عن المحلِّ، وهذا لا يشترط فيه ذلك
الثاني: أن جميع المائعات لا يُطهَّرُ نَجِسُهَا، وهذا مائعٌ، فقياسُه: أنَّ لا يُتصوَّرَ تَطهيرُه. انتهى.
(والكثيرُ: قُلَّتان تَقريبًا) أي: لا تحديدًا، فلا يضرُّ نقصٌ يسيرٌ، كرِطلٍ عراقيٍّ أو رِطلَين.
يتفرَّعُ على ذلك: أنه لو وقعَتْ نجاسةٌ في ماءٍ قدرُه (^١) قلتان فقط، فغرفَ منه بإناءٍ، فالذي في الإناءِ طهورٌ، والباقي نجسٌ، إن قلنا: القُلَّتان تحديدًا؛ لأنَّه ماءٌ يسيرٌ فيه نجاسةٌ. وإن قلنا بالتَّقريبِ، لمْ ينجسْ، إلا أن يكونَ الإناءُ كبيرًا يُخرِجُه عن التقريبِ. وإن ارتفعَتْ النجاسةُ في الإناءِ، فالماءُ الذي في الإناءِ نجسٌ، والباقي طهورٌ (^٢).
_________________
(١) في الأصل: "قدر".
(٢) انظر: "فتح وهاب المآرب" (١/ ٨١).
[ ١ / ٥٣ ]
واليسير: ما دونهما. وهما خُمسمائِة رِطلٍ بالعراقيِّ، وثمانون رِطلًا وسُبُعانِ ونصفُ سُبع رطلٍ بالقُدسيِّ،
"بقلال هَجَر" (^١): قال في "القاموسِ": قَريةٌ كانت قُربَ المدينةِ، إليها تُنسبُ القِلالُ. والقُلَّةُ: الجرَّةُ العظيمةُ (^٢)؛ لأنَّها تُقلُّ بالأيدي. أي: تُرفعُ بها. وهَجَر: بفتحِ الهاءِ والجيمِ.
(واليسيرُ: ما دونَهما) أي: دونَ القلَّتين.
(وهما) أي: القلَّتان: (خمسمائةُ رطلٍ بالعراقيِّ)، بفتحِ الراءِ وكسرِها. قال في "الإنصاف" (^٣): وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
ووجهُ المذهبِ: ما روَى ابنُ جريجٍ قال: رأيتُ قِلالَ هجرَ، فرأيتُ القُلَّةَ تسَعُ قِربتين، أو قربتين وشيئًا. والقِربةُ: مائةُ رطلٍ بالعراقيِّ، باتفاقِ القائلين بتحديدِ الماءِ بالقِرَبِ، والاحتياطُ أن يُجعَلَ الشيءُ نِصفًا. فكانت القلتان بما ذكرْنا: خمسمائةِ رطلٍ بالعراقيِّ، (وثمانون رطلًا وسُبعانِ ونصفُ سُبعِ رطلٍ بالقدسيِّ) وما وافقَه في قدرِهِ كالنابلسيِّ والحمصيِّ. وأربعمائةٌ وستةٌ وأربعون رطلًا، وثلاثةُ أسباعٍ رطلٍ مصريٍّ، وما وافقَه من البلدانِ كالمكيِّ، ومائةٌ وسبعةُ أرطالٍ، وسبعُ رطلٍ دمشقيٍّ، وما وافقَه، كالصَّفدي - ودِمَشق: بكسرِ الدالِ مع فتحِ الميمِ وكسرِها - وتسعةٌ وثمانون رطلًا، وسبعَا رطلٍ حلبيٍّ، وما وافقَه كالبيروتي.
_________________
(١) "بقلال هَجَر" ليست في الأصل أضفتها لضرورة السياق. وانظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٤٢).
(٢) في الأصل: "الكبيرة" وصحِّحت على هامشه.
(٣) "الإنصاف" (١/ ١٢٠).
[ ١ / ٥٤ ]
ومساحتُهما ذِراعٌ وربعٌ طولًا وعرضًا وعمقًا.
(ومساحتُهما) أي: مساحةُ ما يَسَعُ القُلَّتَينِ من الماءِ حَالَ كَونِهِ مُربَّعًا: (ذراعٌ وربعٌ؛ طولًا وعرضًا وعمقًا) قال في "التنقيحِ": قاله ابنُ حمدان وغيرُه.
فإنْ قلتَ: ما المرادُ بالذراعِ؟ قال في "التنقيح": المرادُ: ذراعُ اليدِ. قاله القَمُوليُّ الشافعيُّ.
قال في الأصلِ (^١): فيسَعُ كلُّ قيراطٍ عشرةَ أرطالٍ وثُلثي رطلٍ عراقيٍّ. هذا في المربَّعِ.
وطريقُ معرفةِ ذلك: أن تضربَ البسطَ في البسطِ، والمخرجَ في المخرجِ، وتقسمَ حاصلَ البسطِ على حاصلِ المخرجِ، يخرجُ ذرعُه، فتحفظُ قراريطَه، فتقسمُ عليها الخمسمائة، يخرجُ ما ذكرَ، فبسطُ الذراعِ والربع خمسةٌ، وقد تكرَّرَ ثلاثًا؛ طولًا وعرضًا وعمقًا، فإذا ضربتَ خمسةً في خمسةٍ، والحاصلَ في خمسةٍ، بلغَ مائةً وخمسة (^٢) وعشرين، والمخرجُ أربعةٌ، وقد تكرَّرَ أيضًا ثلاثًا، فإذا ضَربت - كما تقدَّمَ - بلغَ أربعةً وستين، وهي سهامُ الذراعِ، فتقسم عليها الحاصلَ الأوَّلَ، يخرجُ ذراعٌ وسبعةُ أثمانِ ذراعٍ، وخمسةُ أثمانِ ثمنِ ذراعٍ.
فإذا بسطت ذلك قراريطَ، وجدْتَهُ سبعةً وأربعين قِيراطًا إلَّا ثمنَ قيراطٍ، فاقسمْ عليها الخمسمائةَ، يخرجُ ما ذُكِرَ.
قلتُ: ولم يذكرِ الشارحُ (^٣) قِيراطَ المدوَّرِ، وذلك بأنْ تقسمَ قيراطَ الخمسمائةِ
_________________
(١) "منتهى الإرادات" (١/ ٢٢).
(٢) سقطت: "وخمسة" من الأصل.
(٣) يعني: الفتوحي، صاحب "معونة أولي النهى".
[ ١ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ستين، يحصلُ ثمانية وثلث، وذلك باعتبارِ تكرارِ الذراعِ.
بيان ذلك: وهو أن تقسمَ البسطَ، وهو مائةٌ وخمسةٌ وعشرون على المخرجِ، وهو أربعةٌ وستون، فيخرجُ من الأربعةِ والستين واحدٌ، ويبقى من المائةِ والخمسةِ والعشرين واحد وستون (^١). تنسبها لها، يخرجُ سبعةُ أثمانِ قيراطٍ، وخمسةُ أثمانِ ثمنِ قيراطٍ، فإذا بسطتها جعلت الواحد ذراعًا بأربعةٍ وعشرين قيراطًا، يبقَى من الأربعةِ والستين أحدٌ وستون بسبعةِ أثمانِ ذراعٍ، وخمسةُ أثمانِ ثمن ذراعٍ، فتحطها قراريطَ، تكونُ سبعةَ أثمانٍ بأحدٍ وعشرين قيراطًا؛ لأنَّ ثمنَ القيراطِ ثلاثةٌ في سبعةٍ، فتضمها إلى قراريط الذراعِ الأربعةِ والستين، تكونُ خمسةً وأربعين، وبقي معك خمسةُ أثمانِ الثمنِ، فثمنُ القيراطِ ثلاثةٌ في خمسةٍ بخمسةَ عشرَ، فتأخذُ منها ثمانيةً بواحدٍ، وتضمُّه إلى الخمسةِ والأربعين، فيصيرُ مجموعُها ستةً وأربعين، فاقسمْ عليها الخمسمائةَ، فيخرجُ لكلِّ واحدٍ من الستةِ وأربعين عشرةٌ، وبقيَ سبعةُ أثمانٍ، لو كانتْ ثمانيةً لحضها من الأربعين الباقيةِ من الخمسمائةِ، عشرةٌ، لكنها تعْجِزُ ثمنًا، وثمن واحدٍ وربعٍ، فمحضها ثمانيةٌ وثلاثةُ أرباعٍ، يبقَى من الأربعين ثلاثون وواحدٌ وربعٌ، فتأخذُ الثلاثين ويبقَى الواحدُ وربعٌ، وتأخذ من الستةِ والأربعين واحدًا، وتقسمُ الثلاثين على الخمسةِ والأربعين، يخرجُ ثلثان، وبقي معنا واحد من الستةِ والأربعين وسبعةُ أسباعٍ، فتجعلُ الواحدَ ثمانيةً، وتضمُّ إليه السبعة أسباعٍ، يصيرُ خمسةَ عشرَ، فتقسمُ عليها ما بقي من الثلاثين؛ وهو واحدٌ وربعٌ، فتجعلُ الواحدَ ثمانيةً، والربعُ اثنان، فتصيرُ عشرةً، تقسمُها على الخمسةَ عشرَ، يخرجُ أيضًا
_________________
(١) في الأصل: "أحد وستين".
[ ١ / ٥٦ ]
فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيرًا، ولم يتغيَّر بالنَّجاسة، فهو طَهورٌ ولو مع بقائها فيه، وإن شَكَّ في كثرته، فهو نجس.
ثلثان، ومنها تصِحُّ. انتهى.
(فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيرًا، ولم يتغيَّرْ بالنجاسةِ، فهو طهورٌ) أي: فهو باقٍ على خِلْقَتِهِ التي خُلِقَ عليها. قال في "التنقيحِ": اختارَهُ أكثرُ المتأخرين، وهو أظهرُ. ولو مع قيامِ النجاسةِ فيه، ولم يتغيرْ بها، وإليه أشارَ بقولِهِ: (ولو مع بقائِها فيه) أي: في الماءِ الطهورِ (وإن شكَّ في كثرتِه، فهو نجسٌ) أي: كثرةِ (^١) الماءِ. يعني: أنَّه لو سقطَ فيه نجاسةٌ، ولم تغيرْه، ولم يعلمْ: هل هو قَليلٌ أو كثيرٌ؟ يعملُ باليقينِ؛ وهو جعلُه قليلًا، فينجسُ الماءُ بما سقطَ فيه؛ لأنَّ الأصلَ نقصُ الماءِ.
"فائدةٌ": ولا يلزمُه السؤالُ عن الماءِ. وكذا لو أصابَهُ ماءُ ميزابٍ، ولا أمارةَ تدلُّ على نجاستِهِ، فيُكرَهُ سؤالُهُ، ولا يلزمُ جوابُهُ. "فروع" (^٢).
لو استعملَ من ماءٍ فيه نجاسةٌ وظنَّه كثيرًا، فوجدَهُ قليلًا، فالأصلُ: القِلَّةُ. أو في نجاسةٍ، فالأصلُ: طهارتُهُ. أو في طهارتِهِ بعدَ العلمِ بنجاستِهِ، فالأصلُ: بقاؤُه عليها. فيُعملُ بالأصلِ في ذلك.
قال في "الرعاية": ولو توضَّأَ في ماءٍ قليلٍ وصلَّى، ثمَّ وجدَ فيه نجاسةً، أو توضَّأَ من ماءٍ كثيرٍ، ثمَّ وجدَهُ متغيرًا بنجاسةٍ وشكَّ: هلْ كانَ قبلَ وضوئِهِ أو بعدَه، فالأصلُ: صحةُ طهارتِهِ وصلاتِهِ. وإن علِمَ ذلك قبلَ وضوئِهِ بأمارةٍ، أعادَ.
_________________
(١) في الأصل: "كثر".
(٢) "الفروع" (١/ ٩٥).
[ ١ / ٥٧ ]
وإن اشتبه ما تجوز به الطهارةُ بما لا تجوز، لمْ يتَحرَّ، ويتيمَّم بلا إراقةٍ.
ويلزمُ من عَلِمَ بنجاسةِ شيءٍ إعلامُ من أراد أن يستعملَه.
(وإن اشتبَهَ ما تجوزُ به الطهارةُ بما لا تجوزُ، لمْ يتحرَّ). أي: لمْ ينظر أيُّهُما يَغلبُ على ظنِّه (ويتيمَّمُ بلا إراقةٍ)، أي: بلا إعدامٍ - خلافًا للخرقيِّ - لأنَّه غيرُ قادرٍ على استعمالِ الماءِ الذي تجوزُ به الطهارةُ، كمنْ عند بئرٍ لا يمكنُه وصولُ مائِهِ
(ويلزمُ من عَلِمَ بنجاسةِ شيءٍ إعلامُ مَنْ أرادَ أن يستعملَهُ) أي مَنْ علِمَ بنجاسةٍ في مذهبِ المستعمِلِ. وظاهرُهُ: ولو كان يريدُ استعمالَهُ في غيرِ الطهارةِ كالشربِ، أو كان غيرَ الماءِ. وكذا يجبُ إعلامُ مَنْ أرادَ استعمالَ الحرامِ، كما في "الرعاية".
* * *
[ ١ / ٥٨ ]