(بابُ الوضوءِ)
بضمِّ الواو: فِعلُ المتوضئِ من الوضاءَةِ، وهي: النظافةُ والحسنُ؛ لأنَّه ينظفُ المتوضئَ ويحسنُه. وبفَتحِها: الماءُ يُتوضَّأُ به.
فُرِضَ مع الصَّلاةِ. رواه ابنُ ماجه. وذلك قبلَ الهجرةِ بسَنةٍ. وليس من خُصُوصيَّاتِ هذه الأمَّةِ، وإنما الخاصُّ بها الغرَّةُ والتحجيلُ.
وشرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ (^١) في الأعضاءِ الأربعةِ: الوجهِ (^٢)، واليدينِ، والرأسِ، والرجلينِ، على صفةٍ مخصوصةٍ يأتي بيانُها.
ويجبُ بحدَثٍ أي: بسببِه. وفي "الانتصار": بإرادةِ الصَّلاةِ بعده. قال ابنُ الجوزيِّ: لا تجبُ الطهارةُ عن حدثٍ ونجسٍ قبل إرادةِ الصَّلاةِ، بل تُستحبُّ. قال في "الفروع": ويتوجَّهُ: قياسُ المذهبِ: بدخولِ الوقتِ؛ لوجوبِ الصَّلاةِ؛ إذ وجوبُ الشرطِ بوجوبِ المشروطِ. وبه جزَمَ في "الإنصاف" (^٣).
قال في "الفروع": ويتوجَّهُ مثلُه في غُسلٍ، قال الشيخُ تقي الدين: وهو لفظيٌّ. أي: والخلافُ لفظيٌّ، لا في المعنى، فلا يجبُ الوضوءُ ولا الغسلُ إلا بعد دخولِ الوقتِ وإرادةِ الصَّلاةِ.
_________________
(١) في الأصل: "طور".
(٢) في الأصل: "وهي الوجه".
(٣) انظر "الفروع" (١/ ١٩٢)، "الإنصاف" (٢/ ٥).
[ ١ / ٩٠ ]
تجِبُ فيه التسميةُ، وتسقُطُ سهوًا،
لكن ناقَشَ فيه ابنُ نصرِ اللهِ، وابنُ قندسٍ في "حاشية الفروع" بغَسلِ الشَّهيدِ، وغُسلِ الحائضِ لجنابةٍ عليهِما قبله؛ إذ مقتضى ذلك: أنَّ الواجِبَ ثبَتَ بالحدثِ؛ إذ لو كان بإرادة (^١) الصَّلاةِ أو بدخولِ الوقتِ، لما أوجبوه بدونهما.
قلتُ: وهذا غيرُ واردٍ على كلامِ الأصحابِ، إذ هو في وضوءٍ أو غُسلٍ يُرادُ للصلاةِ؛ بدليلِ السِّياقِ. قال المصنِّفُ في "الغاية" (^٢): "ويجبُ بحدثٍ عند إرادةِ ما يَتوقفُ على طهارةٍ" وهذه العبارةُ أحسنُ من غيرِها! أو أنَّه يجبُ وجوبًا موسَّعًا، ويتحتَّمُ بإرادةٍ الصَّلاةِ، أو بدخولِ الوقتِ.
(تجبُ فيه التسميةُ) أي: قولُ: بسمِ اللهِ، لا يقومُ غيرُها مقامَها، كاسمِ الخالقِ، أو بسم الرحمنِ، أو القدوسِ، ونحوِه، أو اللهُ أكبرُ، لمْ يجزئه.
ومحلُّها: اللِّسانُ؛ لأنها ذكرٌ. ومحلُّ كمالِها: عقبَ النيةِ؛ لتشملَ كلَّ مفروضٍ أو مسنونٍ. ومحلُّ الإجزاءِ: عندَ أوَّلِ واجبٍ.
والدليلُ على وجوبِها: ما روى أبو هريرةَ رضي الله تعالى عنه، عن النبيِّ - ﷺ -: "لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمن لمْ يذكرِ اسمَ اللهِ عليه". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه (^٣).
(وتسقطُ سهوًا) نصًّا - قال الشيخُ في "الغاية" (^٤): وتسقطُ جهلًا - لحديثِ:
_________________
(١) في الأصل: "بادرة".
(٢) "غاية المنتهى" (١/ ٧٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٥/ ٢٤٣) (٩٤١٨)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩)، وحسنه الألباني في "الإرواء" (٨١).
(٤) "غاية المنتهى" (١/ ٧٠).
[ ١ / ٩١ ]
وإن ذكَرها في أثنائهِ ابتدأ.
وفروضُه ستَّة:
"عُفي لأمتي عن الخطأِ والنسيانِ" (^١).
(وإن ذكرَها في أثنائِه ابتدأً) الوضوءَ؛ لأنَّه أمكنَه أن يأتيَ بها على جميعِه، فوجبَ، كما لو ذكرها في أوَّلِه. صحَّحه في "الإنصاف"، وحكاه في "الفروع" (^٢). وقيل: يأتي بها حيثُ ذكرَها، ويَبني على وضوئِه. قطعَ به في "الإقناع" (^٣). قال الشيخُ في "الغاية" (^٤): ويتجه: ويَبني معَ ضِيقِ وقتٍ، أو قلَّةِ ماءٍ.
وعنه: أنها فَرضٌ لا تَسقُطُ بحالٍ.
وعُلمَ مما تقدَّمَ: أنه لو لمْ يذكرْها حتى فرَغَ من وضوئِه، لمْ يلزمْه إعادتُه.
وتَكفي إشارةُ أخرسَ ونحوِه كالمعتَقَلِ لسَانُه بها؛ لأنَّ ذلك غَايةُ ما يمكِنُه. قال ابنُ نصرِ اللهِ: وقد يُلحقُ بذلك مَنْ توضأَ في مكانٍ يمتنعُ عليه ذكرُ اللهِ فيه.
والإشارةُ إمَّا بالإصبَعِ، أو بالطَّرفِ، أو برأسِه.
(وفروضُه ستةٌ) أي: الوضوءِ. جَمعُ فرضٍ، وهو: ما يترتبُ الثوابُ على فعلِه، والعقابُ على تركِه. وهو ستةٌ:
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٧٢١٩)، والطبراني (١١٢٧٤)، والبيهقي ٧/ ٣٥٦ من حديث ابن عباس بلفظ: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وأخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) بلفظ: "إن الله وضع … ". وصححه الألباني في "الإرواء" (٨٢).
(٢) انظر "الإنصاف" (١/ ٢٧٧)، "الفروع" (١/ ١٧٣).
(٣) "الإقناع" (١/ ٤١).
(٤) "غاية المنتهى" (١/ ٧٠).
[ ١ / ٩٢ ]
غَسلُ الوجه، ومنه المضمضةُ والاستنشاقُ، وغَسل اليدين مع المِرفقين، ومسحُ الرأس كلِّه،
أحدُها: (غسلُ الوجهِ) لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. (ومنه) أي: من الوجهِ (المضمضةُ والاستنشاقُ) للفمِ والأنفِ؛ لدخولِهما في حدِّه، وكونِهما في حكمِ الظاهرِ؛ بدليلِ غسلِهما من النجاسةِ، وفِطرِ الصائمِ بعَودِ القيءِ بعدَ وصولِ شيءٍ إليهما.
(و) الثاني: (غَسلُ اليدين معَ المِرفَقين) لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وكلمةُ "إلى" تستعملُ بمعنى "مع" كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
فيجبُ إدخالُ المرفقين في الغَسلِ. والمرفق - بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسه - سُمِّيَ به لأنَّه يُرتَفَقُ به في الإتِّكاءِ عليه. وقد روى الدارقطنيُّ (^١) عن جابرٍ قال: كان النبيُّ - ﷺ - إذا توضَّأَ، أدارَ الماءَ على مرْفقيه.
(و) الثالثُ: (مسحُ الرأسِ كلِّه) لقولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والباءُ فيه للإلصاقِ، فكأنَّه قال: امسحوا رؤوسَكم. قال ابنُ بَرهان: من زعمَ أن الباءَ للتبعيضِ، فقد جاءَ أهلَ (^٢) اللغةِ بما لا يعرفونه. ولأنَّ الذين وصفوا وضوءَ النبيِّ - ﷺ - ذكروا أنَّه مسحَ رأسَه كلَّه. وما رُوي أنَّه ﵇ مسحَ مقدَّمَ رأسِه، فمحمولٌ على أن ذلك مع العمامة، كما جاء مفسَّرًا في حديثِ المغيرةِ بنِ
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٨٣)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع".
(٢) في الأصل: "عن".
[ ١ / ٩٣ ]
ومنه الأذنان، وغَسلُ الرجلين مع الكعبين،
شعبةَ (^١)، ونحن نقولُ به. وعَفَى في "المبهج"، و"المترجم" عن يسيرِه، للمشقَّةِ. وصوَّبه في "الإنصاف". قال الزركشي: وظاهرُ كلامِ الأكثرين بخلافِه (^٢).
(ومنه الأذنانِ) الأذُنُ: بضمِّ الهمزة معَ ضمِّ الذال المعجمة، وسكونها. لحديثِ ابنِ ماجه وغيرِه (^٣) من غيرِ وجهٍ مرفوعًا: "الأذنانِ من الرأسِ". فيجبُ مسحُهُما.
(و) الرابعُ: (غسلُ الرجلين معَ الكَعبين) لقولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قُرئ: أرجلَكم. بالنصب، وهي قراءةُ ابنِ عامرٍ، فتكونُ معطوفةً على المغسولِ. وقُرئ بالجرِّ؛ للمجاورةِ. كقولِه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] بالمجاورةِ ليومٍ. مع أنَّه صفةٌ لعذابٍ، وهو منصوبٌ. ورُدَّ بأن الإعرابَ بالمجاورةِ شاذٌّ، فلا ينبغي حملُ الكتابِ العزيزِ عليه.
وقيل: بل بالعطفِ على الممسوحِ، وأنَّ المرادَ: مسحُ الخفين، على قراءةِ الجرِّ، وغسلُ الرجلين على قراءةِ النصبِ.
وإذا احتملتْ الأمرين: وجبَ الرجوعُ إلى فعلِه ﵇؛ لأنَّه مبيِّنٌ، إما بقولِه، وإما بفعلِه، وقد قال ﵇ في حديثِ عمرِو بنِ عبَسة (^٤): ثم غسلَ
_________________
(١) يشير إلى حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله - ﷺ - توضأ، فمسح ناصيتَه، وعمامتَه، وعلى الخفين. أخرجه النَّسَائِيّ (١٠٧)، وصححه الألباني.
(٢) انظر "الإنصاف" (١/ ٣٤٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٤٤). وهو عند أبي داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧) من حديث أبي أمامة. وصححه الألباني في "الإرواء" (٨٤).
(٤) في الأصل: "عشة" والحديث أخرجه أحمد (٢٨/ ٢٣٩) (١٧٠١٩)، وأصله عند مسلم (٨٣٢).
[ ١ / ٩٤ ]
والترتيبُ،
رجليه كما أمرَ اللهُ. فثبَتَ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أمرَ بالغَسلِ، لا بالمسحِ.
ويَحتَمِلُ أنه أرادَ بالمسحِ: الغَسلَ الخفيفَ. قال أبو علي الفارسيُّ: العربُ تسمِّي خفيفَ الغَسلِ: مَسحًا. فيقولون: تمسَّحتُ للصَّلاةِ. أي: توضَّأتُ (^١).
وخُصَّتِ الأرجلُ بذلك دونَ بقيةِ الأعضاءِ؛ لأنها تُقصدُ بصبِّ الماءِ كثيرًا، فهي في مظنَّةِ الإسرافِ المنهيِّ عنه، فلذلك عطفتْ على الممسوحِ؛ تنبيهًا على الاقتصارِ في صبِّ الماءِ. وقيل: إلى الكعبين. ليزولَ وهْمُ مَنْ يظُنُّها ممسوحةً؛ إذ المسحُ لمْ يحددْ في كتابِ اللهِ تعالى، بخلافِ الغَسلِ (^٢). وحينئذٍ معنى القراءتين واحدٌ؛ وهو الغَسلُ.
والمرادُ بالكعبين (^٣): قال الجوهري: الكَعبُ: العظمُ الناتئُ عند ملتقى الساقِ والقَدَمِ. وأنكرَ الأصمعيُّ قولَ الناسِ: إنه في ظَهرِ القَدمِ. قاله في "المطلع" (^٤).
(و) الخامسُ: (الترتيبُ) بين الأعضاءِ، كما ذكرَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه أدخلَ ممسوحًا بين مغسولَينِ، وقطعَ النظير (^٥) عن نظيرِه، وهذه قرينةُ إرادةِ الترتيبِ. وتوضَّأَ رسولُ اللهِ - ﷺ - مرتَّبًا، وقال: "هذا وضوءٌ لا يقبلُ اللهُ الصَّلاةَ إلا به" (^٦) أي: بمثلِهْ
_________________
(١) انظر "الشرح الكبير" (١/ ٢٩٨).
(٢) "شرح الزركشي" (١/ ١٩٥).
(٣) في الأصل: "بالكفَّين".
(٤) "المطلع" ص (١٤).
(٥) في الأصل: "النظر".
(٦) قال الألباني في الإرواء (٨٥): لا أعلم له أصلًا بذكر الترتيب فيه، إلا ما سيأتي من رواية ابن السكن عن أنس - ثم ذكره نقلًا عن الحافظ في "التلخيص" - ثم ضعفه الألباني. والحديث أخرجه ابن ماجه (٤١٩)، والبيهقي ١/ ٨٠ من حديث ابن عمر، وليس فيه ذكر الترتيب.
[ ١ / ٩٥ ]
والموالاةُ.
وما رُوي عن عليٍّ: ما أُبالي إذا أتممت (^١) وضوئي بأيِّ أعضائي بدأتُ (^٢). قال أحمدُ: إنَّما عَنَى به اليُسرى قبلَ اليمنى؛ لأنَّ مخرجَهما في الكتابِ واحدٌ. وروى أحمدُ بإسنادِه: أنَّ عليًّا سُئِلَ، فقيل له: إنَّ أحدَنا يستعجلُ فيغسلُ شيئًا قبل شيءٍ؟ فقالَ: لا، حتى يكونَ كما أمرَ اللهُ تعالى.
وما رُويَ عن ابنِ مسعودٍ ﵁: لا بأسَ أن تبدأَ برجليك قبلَ يديك في الوضوءِ (^٣). فلا يُعرفُ له أصلٌ.
والواجبُ الترتيبُ، لا عدمُ التنكيس. فلو وضَّأه أربعةٌ في حالةٍ واحدةٍ، لمْ يجزئْه. ولو انغمسَ في ماءٍ راكدٍ أو جارٍ، ينوي رفعَ الحدثِ، لمْ يرتفعْ، حتى يخرجَ مرتبًا مع مسحِ رأسِه في محلِّه، على ما تقدَّمَ: أنَّ الجاري كالراكدِ، خلافًا لما ذكرَه جمعٌ هنا. وإن نكَّسَ وضوءَه، لمْ يحتسبْ بما غسلَه قبلَ وجهِه. وإنْ توضَّأَ منكسًا أربَع مراتٍ، صحَّ وضوؤه إذا كان متقاربًا يحصلُ له من كلِّ وضوءٍ غسلُ عضوٍ (^٤). ولو غسلَ أعضاءَه دُفعةً واحدةً لمْ يصحَّ، إلَّا غَسلُ وجهِه.
(و) السادسُ: (الموالاةُ) لحديثِ خالدِ بنِ معدانَ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - رأى رجلًا يصلِّي وفي ظهرِ قَدَمِه لُمعةٌ قدرَ الدرهمِ ولم يصبْها الماءُ، فأمرَه أن يعيدَ الوضوءَ. رواه أحمدُ وأبو داودَ (^٥)، وزادَ: "والصَّلاة". وفي إسنادِه بقيَّةُ، وهو ثقةٌ، روى له
_________________
(١) في الأصل: "غمسْتُ".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣)، والدارقطني (١/ ٨٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣)، والدارقطني (١/ ٨٩).
(٤) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٩٩).
(٥) أخرجه أحمد ٢٤/ ٢٥١ (١٥٤٩٥)، وأبو داود (١٧٥) من حديث خالد بن معدان، =
[ ١ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلمٌ. ولو لمْ تجبْ الموالاةُ، لأمر بغسلِ اللُّمْعَةِ فقط. ولأنَّ الوضوءَ عبادةٌ يفسدُها الحدثُ، فاشترطت (^١) لها الموالاةُ، كالصَّلاةِ. ولم يُنقلْ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه توضَّأَ إلا متواليًا. ولم يُشترطْ في الغُسلِ ترتيبٌ ولا موالاةٌ؛ لأنَّ المغسولَ فيه بمنزلةِ عضوٍ واحدٍ.
وهي: أن لا يؤخِّرَ غَسلَ عضوٍ حتى يجفَّ ما قبله بزمنٍ معتدلٍ، أو قدرِه - أي: قدرِ الزمنِ المعتدلِ - من غيرِه، أي: غيرِ المعتدلِ؛ بأن كان حارًّا أو باردًا.
قال العلامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (^٢): الاعتبارُ في المعتدلِ بما بين ليلٍ ونهارٍ.
وتفوتُ الموالاةُ إن جفَّ عضوٌ، أو بعضُه قبلَ غسلِ ما بعدَهُ، أو بقيَّتِه؛ لاشتغالٍ بتحصيلِ ماءٍ يُتَمِّمُ به وضوءَه، أو إسرافٍ، أو إزالةِ نجاسةٍ، أو إزالةِ وسَخٍ ونحوِه، كجبيرةٍ حلَّها لغيرِ طهارةٍ، بأن كان ذلك في غيرِ أعضاءِ الوضوءِ، فإن (^٣) كان فيها، لمْ يؤثِّرْ؛ لأنَّه إذنْ من أفعالِ الطهارةِ.
ولا يضرُّ اشتغالُه بسنَّةٍ من سننِ الوضوءِ، كتخليلِ لحيةٍ، أو إسباغِ الماءِ، أي: إبلاغِه مواضعَه من الأعضاءِ؛ بأن يوفِّىَ كلَّ عضوٍ حقَّه. وإزالةِ شكٍّ، وإزالةِ وسوسةٍ؛ لأنها شكٌّ في الجملةِ.
_________________
(١) = عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -. وصححه الألباني في "الإرواء" (٨٦).
(٢) في الأصل: "لما اشترطت".
(٣) "غاية المنتهى" (١/ ٧١).
(٤) في الأصل: "بأن".
[ ١ / ٩٧ ]
وشروطُه ثمانية:
انقطاعُ ما يوجبُه، والنيةُ،
ولما انهى (^١) الكلامَ على فروضِ الوضوءِ، شرعَ في شروطِه، فقال:
(وشروطُه) وهي (ثمانيةٌ):
(انقطاعُ ما يوجبُه) مِن سبيلٍ، أو غيرِه كقيءٍ. وهذا التعبيرُ أَوْلى من قولِ صاحبِ الأصلِ: "وفراغُ خروجِ خارجٍ" إذ لا يَشملُ نحوَ لمسٍ ونحوِه.
(و) الثاني: (النيةُ) لخبرِ: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ" (^٢) أي: لا عملَ جائزٌ ولا فاضلٌ إلا بها. ولأنَّ النصَّ دلَّ على الثوابِ في كلِّ وضوءٍ، ولا ثوابَ في غيرِ منويٍّ إجماعًا. قالَه في "الفروع" (^٣). ولأنَّ النيةَ للتمييزِ. ولأنَّه عبادةٌ، ومن شرطِها النيةُ. وأما استقبالُ القبلةِ وسترُ العورةِ، فنيةُ الصَّلاةِ تضمَّنتْهُما؛ لوجودِهما فيها حقيقةً، بخلافِ الوضوءِ فإن الموجودَ منه في الصَّلاةِ حُكمُه، وهو ارتفاعُ الحدثِ، لا حقيقتُه. ولذلك لو حلَفَ لا يتوضَّأُ، وكان متوضِّئًا، ودامَ على ذلك، لمْ يحنثْ، بخلافِ السترةِ والاستقبالِ.
إنَّما اشتُرِطتْ النيةُ لطهارةِ الحدثِ دون طهارةِ الخبثِ؛ لأنَّ طهارةَ الحدثِ بابُها الفعلُ، فأشبهتْ الصَّلاةَ، وطهَارةُ الخبثِ بابُها التركُ، فأشبهتْ تركَ الزنى.
سِوى غُسلِ كِتابيةٍ لزوجٍ أو سيدٍ مسلم (^٤) من حيضٍ أو نفاسٍ. وسوى مسلمةٍ
_________________
(١) في الأصل: "انتهى".
(٢) أخرجه البخاري (١، ٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب.
(٣) "الفروع" (١/ ١٦٣).
(٤) في الأصل: "أو مسلمة".
[ ١ / ٩٨ ]
والإسلامُ، والعقلُ، والتمييزُ، والماءُ الطهور المُباح، وإزالةُ ما يمنعُ وصولَه، والاستنجاء.
ممتنعةٍ من غُسلِ لزوجٍ مِن حيضٍ، حتى إنه لا يطؤها ما دامَت (^١) كذلك. فتُغسَّل قَهرًا من أجلِ حقِّ الزوجِ، ويباحُ له وطؤُها. ولا نيةَ مُشتَرطةٌ هنا؛ للعذرِ. والصحيحُ: لا تصلِّي به، ذكرَهُ في "النهاية".
ويُنوىَ الغُسلُ عن ميتٍ ومجنونةٍ غُسِّلا؛ لتعذّرِ النيةِ منهُما (^٢).
(و) الثالثُ: (الإسلامُ).
(و) الرابعُ. (العَقلُ) سِوى ما تقدَّمَ، وهو: الكتابيةُ والمجنونةُ، إذا اغتَسلتا من نحوِ حيضٍ.
(و) الخامسُ: (التمييزُ) لأنَّه أدنى سنٍّ يعتبرُ قصدُ الصغيرِ فيه شرعًا، فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غسلٌ ممَّنْ لم يميِّزْ.
(و) السادسُ: (الماءُ الطهورُ المباحُ) أي: إباحةُ الماءِ. فلو توضَّأَ أو اغتسلَ بمغصُوبٍ، أو ماءٍ عقدُهُ فاسدٌ، أو وقفٌ للشربِ، أو مِن الآبارِ المحرَّمةِ الاستعمال؛ كآبارِ دِيارِ ثمودَ، غيرِ بئرِ الناقةِ، لم يصحَّ. والظاهرُ: أن المرادَ إن كان عالمًا ذاكرًا، كما صرحوا به في الصَّلاةِ والحجِّ، وإلا فيصحُّ؛ لعدمِ الإثمِ إذنْ.
(و) السابعُ: (إزالةُ ما يمنعُ وصولَه) أي: الماءِ إلى البَشَرةِ؛ ليحصُلَ الإسباغُ المأمورُ به.
(و) الثامنُ: (الاستنجاءُ) أو الاستجمارُ. وتقدَّمَ بيانُهُ.
_________________
(١) في الأصل: "ما دا".
(٢) انظر "معونة أولي النهى" (١/ ٢٥٨).
[ ١ / ٩٩ ]
فَصْلٌ