وهي: ما يُعدُّ للبيعِ والشِّراءِ؛ لأجلِ الرِّبحِ.
فتُقوَّمُ إذا حَالَ الحَولُ -وأوَّلُهُ: مِن حينِ بُلُوغِ القِيمَةِ نِصَابًا- بالأحَظِّ للمسَاكِين من ذَهبٍ أو فِضَّةٍ.
(بابُ زكاةِ العُروضِ)
أي: عُروضِ التِّجارةِ. واحدُها: عَرْضٌ، بسكونِ الرَّاءِ (وهي) العُروضُ: (مما يُعدُّ للبيعِ والشِّراءِ؛ لأجلِ الرِّبحِ) وسُمِّيَ عَرْضًا؛ لأنَّه يُعرَضُ ليُباعَ ويُشترَى، تسميةً للمفعولِ بالمصدرِ، كتسميةِ المعلومِ علمًا. أو لأنَّه يعرضُ تمَّ يزولُ ويفنَى.
ووجوبُ الزكاةِ في عروضِ التجارةِ قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ. رُوِيَ عن عمرَ، وابنِه، وابنِ عباسٍ (^١). ودليلُه: قولُه تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [لمعَارج: ٢٤]، وقولُه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التّوبَة: ١٠٣]. ومالُ التجارةِ أعمُّ الأموالِ، فكانَ أَوْلَى بالدُّخولِ.
(فتقوَّمُ إذا حالَ الحولُ، وأوَّلُه: مِن حينِ بلوغِ القيمَةِ نِصابًا) مِن أحدِ النَّقدينِ، لا في نفسِ العَرْضِ؛ لأنَّ النِّصابَ مُعتبَرٌ بالقيمةِ، فهي محلُّ الوجوبِ. والقيمةُ إن لم تُوجَدْ عينًا، فهي مُقدَّرةٌ شرعًا (بالأحظِّ للمَساكينِ) يعني: أهلَ الزكاةِ (مِن ذهبٍ أو فضَّةِ) كأنْ تبلُغَ قيمتُها نصابًا بأحدِهما دونَ الآخرِ، فتقوَّمُ به
_________________
(١) = حديث عائشة. قال العقيلي بعده: ولا يثبت في هذا عن النبي - ﷺ - شيء. وقال الألباني في "الإرواء" (٨٢٦): موضوع.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦) عن عمر، وابنه.
[ ٢ / ٤٠ ]
فإن بلَغَت القيمةُ نِصابًا، وَجَبَ رُبُعُ العُشُرِ، وإلَّا فَلا، وكذا أموالُ الصَّيارِفِ.
ولا عبرةَ بقيمةِ آنيةِ الذَّهب والفضَّةِ، بل بوزنِها، ولا بما فيه صِناعةٌ مُحزَمة، فيُقوَّمُ عاريًا عنها.
ومَنْ عِندَه عَرْضٌ للتِّجارةِ، أو وَرِثَهُ، فنواه للقِنيَةِ، ثمَّ نواهُ للتِّجارَةِ، لم يصِرْ عَرْضًا بمُجرَّدِ النِّيةِ، غَيرَ حُلِيِّ اللُّبس.
(فإن بلَغَتِ القيمةُ نصابًا) مِن ذهبٍ أو فضَّةٍ (وجَبَ ربعُ العُشرِ، وإلَّا فلا) يعني: وإن لم تبلُغْ نصابًا، فلا تجِبُ.
(وكذا) تجِبُ الزكاةُ في (أموالِ الصَّيارفِ) ولهذا تجِبُ الزكاةُ في عينِها، لا في قيمَتِها
(ولا (^١) عبرَةَ بقيمةِ آنيةِ الذَّهبِ والفضَّةِ، بل بوزنِها) لتحريمِها. فيُعتبَرُ نصابُها وزنًا (ولا بما فيه صناعة محرَّمة) كالمُغنِّيةِ والضَّاربةِ بآلةِ اللَّهوِ، وغيرِ ذلك (فيقوَّمُ عاريًا) أي: خاليًا (عنها) أي: عن تلكَ الصناعةِ
(ومَن عندَه عَرْضٌ (^٢) للتِّجارةِ، أو ورِثَه، فنَواهُ للقُنيةِ، ثم نواهُ للتِّجارةِ، لم يصِرْ عَرْضًا بمُجرَّدِ النيَّةِ) لأنَّ القُنيةَ الأصلُ، فلا تنتقِلُ عنه بمُجرَّدِ النيَّةِ، لضعفِها. وفارَقَ السائمةَ إذا نوَى علفَها؛ لأنَّ الإسامةَ شرطٌ دونَ نيَّتِها، فلا ينتفِي (^٣) الوجوبُ إلَّا بانتفاءِ السَّومِ.
(غيرَ حُليِّ اللُّبسِ) لأنَّ الأصلَ وجوبُ زكاتِه، فإذا نواهُ للتِّجارةِ، فقد ردَّه إلىَ
_________________
(١) سقطت: "ولا" من الأصل.
(٢) في الأصل: "عروض".
(٣) في الأصل: "يكتفي".
[ ٢ / ٤١ ]
وما استُخِرجَ من المعَادِنِ، ففيهِ بمُجرَّدِ إحرازِه: رُبُعُ العُشُرِ،
الأصلِ، فيكفِي فيه مجرَّدُ (^١) النِّيَّةِ.
(وما استُخرِجَ مِنَ المعادنِ) المَعدِنُ، بكسرِ الدَّالِ، وهو: المكانُ الذي عُدِنَ به الجوهرُ ونحوُه. سُمِّيَ به لعُدونِ ما أنبتَهُ اللهُ فيه، أي: إقامتِه به. ثمَّ سُمِّيَ به الجوهرُ.
وهو: كلّ مُتولِّدٍ في الأرضِ، لا مِن جنسِ الأرضِ، ولا نباتٍ، كذهَبٍ، وفضَّةٍ، وجو هرٍ، وبلَّورٍ، وعقيقٍ، ونُحاسٍ، ورَصاصٍ، وحديدٍ، وكُحْلٍ، وزِرْنيخٍ، وكِبريتٍ، وزِفتٍ، وملحٍ، وزِئبقٍ، وقارٍ، ونِفْطٍ، وياقوتٍ، وزَبَرْجَدٍ، ومُومِيَا، ويَشَمٍ (^٢).
قالَ أحمدُ: كلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ المَعدِنِ، ففيه الزَّكاةُ، حيثُ كان، في مِلكِه أو في البراري.
إذا استُخرِجَ (ففيه الزكاةُ بمجرَّدِ إحرازِه) أي: فيستقِرُّ الوجوبُ في زكافِ بإحرازِه، فلا تسقُطُ بتلَفِه بَعدُ مُطلقًا. وقبلَه بلا فعلِه ولا تفريطِه تسقطُ
(ربعُ العُشرِ) لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]. ولأنَّه مالٌ لو غنِمَه، أخرَجَ خُمُسَه، فإذا أخرَجَه مِن معدِنٍ، وجَبَت زكاتُه، كالذَّهبِ والفضَّةِ، من عينِ نقدٍ، أي: ذهبٍ وفضَّةٍ، ومِن قيمةِ غيرِه، أي: النقدِ. يُصرَفُ لأهلِ الزكاةِ؛ لحديثِ مالكٍ في "الموطأ" وأبي داودَ (^٣): أنَّ النبيَّ - ﷺ - أقطَعَ بلالَ
_________________
(١) في الأصل: "بمجرد".
(٢) في الأصل: "يشيم"، وانظر "دقائق أولي النهى" (٢٤٩١٢). واليَشَمُ: ويقالُ أيضًا: اليَشَبُ، وهُوَ حَجَرٌ مَعْدِنِيٌّ، أَجْوَدُهُ: الزَّيْتِيُّ، فَالأَبْيضُ، فَالأصْفَرُ، ولَهُ خَوَاصُّ. "تاج العروس" (يشم).
(٣) أخرجه مالك (١/ ٢٤٨)، وأبو داود (٣٠٦١) من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن مرسلًا. وضعفه الألباني.
[ ٢ / ٤٢ ]
إن بلغَت القِيمَةُ نصابًا بعدَ السَّبكِ والتَّصفيَةِ.
بنَ الحارثِ المُزَنيَّ المعادِنَ القَبَليَّةَ. وهي من ناحيةِ الفُرْعِ، فتلك المعادنُ لا يُؤخَذُ منها إلَّا الزكاةُ إلى اليومِ. قالَ أبو عُبيدةَ (^١): القبليَّةُ، بلادٌ معروفةٌ بالحِجازِ.
بشرطِ: (إن بلَغَتِ القيمةُ نصابًا بعدَ السَّبكِ والتَّصفيَةِ) كحبٍّ وثمرٍ. فلو أخرج ربع عُشرٍ بترابه قبلَ تَصفيتِه، رُدَّ إن كان باقيًا، وإلَّا فقيمتُه. ويُقبَلُ قولُ آخذٍ في قدرِه؛ لأنَّه غارِمٌ. فإنْ صفَّاه، فكان قدرَ الواجبِ، أجزأَ، وإن زادَ رَدَّ الزيادةَ، إلَّا أن يسمَحَ له بها المُخرِجُ. وإن نقَصَ، فعلَى المُخرِجِ.
"فرعٌ": لا زكاةَ في مِسكٍ وزَبَادٍ (^٢)، ولا في مُخرَجٍ مِن بحرٍ، كسمَكٍ، ولؤلؤٍ، ومَرْجانٍ، ولا في عَنْبرٍ.
"تنبيهٌ": ظاهرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ، وتبِعَهم المُصنِّفُ في "غايةِ المُنتهَى": جوازُ تحليةِ المرأةِ بدراهمَ ودنانيرَ معرَّاةٍ، فلا زكاةَ فيها (^٣).
* * *
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي "دقائق أولي النهي" ٢/ ٢٥٠: "أبو عبيد".
(٢) زَبَادٌ، كسَحاب: طِيبٌ يَتوَلَّد من السِّنَّورِ. "تاج العروس" (زبد).
(٣) انظر "الإنصاف" (٧/ ٤٨)، "غاية المنتهى" (١/ ٣١٨).
[ ٢ / ٤٣ ]