تَجِبُ بأوَّلِ ليلةِ العيدِ، فَمَنْ ماتَ أو أَعسَرَ قبلَ الغُرُوبِ، فلا زكاةَ عليهِ،
(بابُ زكاةِ الفطرِ)
هو اسمُ مصدرٍ مِن: أفطَرَ الصَّائمُ إفطارًا، وإضافتُها إلى الفِطرِ مِن إضافةِ الشَّيءِ إلى سببِه؛ لأنَّها تجِبُ به.
والفِطرةُ: الخلقةُ. وبضمِّ الفاءِ: كلمةٌ مُولَّدَةٌ.
وقد (^١) زعَمَ بعضُهم أنَّها مِن لحنِ العامَّةِ. قال في "المبدعِ" (^٢): وليسَت كذلك؛ لاستعمالِ الفُقهاءِ لها. قالَ: والظَّاهرُ أنَّ فرضَها مع رمضانَ في السنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهجرةِ.
(تجِبُ بأوَّلَ ليلةِ العيدِ) طُهرَةً لصائمٍ مِنَ الرَّفَثِ واللَّغوِ، وطُعمةً للمساكينِ. قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]: هو زكاةُ الفِطرِ. قالَ ابنُ قتُيبةَ: وقيلَ لها: فِطرةٌ؛ لأنَّ الفِطرةَ: الخلقَةُ، قالَ تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم:٣٠]. وهذه يُرادُ بها الصدَقةُ عنِ البدَنِ والنَّفسِ
(فمَن ماتَ أو أعسَرَ قبلَ الغُروبِ، فلا زكاةَ عليه) نصًّا؛ لعدَمِ وجودِ سببِ الوجوبِ. وكذا طلاقٌ، وعِتقٌ، أو انتقالُ مِلكٍ، فلا زكاةَ؛ لزوالِ السببِ قبلَ زمَنِ
_________________
(١) سقطت: "وقد" من الأصل.
(٢) "المبدعِ" (٢/ ٣٨٥).
[ ٢ / ٤٤ ]
وبعدَهُ تَستَقِرُّ في ذِمَّته.
وهي واجِبةٌ على كُلِّ مُسلِمٍ، يجِدُ ما يفضُلُ عن قُوتِه وقُوتِ عِيالِه يومَ العيدِ وليلَتهُ، بعدَ ما يحتاجُهُ من مَسكنٍ، وخَادِمٍ، ودابَّةٍ، وثيِابِ بِذْلَةٍ، وكُتُبِ عِلمٍ.
وتلزمُه عن نفسِه، وعمَّن يَمونُه مِنَ المُسلمين
الوجوبِ (وبعدَه) أي: بعدَ الغُروبِ (تستقِرُّ في ذِمَّتِه) فيجِبُ عليه إخراجُها.
(وهي): زكاةُ الفِطرِ (واجبةٌ على كُل مُسلِمٍ) لحديثِ ابنِ عمرَ: فرَضَ رسولُ اللهِ - ﷺ - زكاةَ الفِطرِ مِن رمضانَ، صاعًا مِن تمَرٍ، أو صاعًا مِن شعيرٍ، على العبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأنثَى، والصَّغيرِ والكبيرِ مِنَ المسلمين. رواهُ الجماعةُ (^١). وفي حديثِ ابنِ عباسٍ: "طُهرَةً للصَّائمِ مِنَ الزَفَتِ واللَّغوِ، وطُعمَةً للمساكينِ" (^٢). فلا تجِبُ على كافرٍ، ولو مُرتدًّا
(يجِدُ ما يفضُلُ عن قوتِه وقُوتِ عيالِه يومَ العيدِ وليلَتَه، بعدَ ما يحتاجُه) أي: المُخرِجُ ومَن تلزمُه مؤنتُه (مِن مسكنٍ، وخادمِ، ودابَّةٍ، وثيابِ بَذلَةٍ) بالفتحِ، والكسرُ لُغةٌ، أي: مِهنةٍ في الخدمَةِ. ونحوُ ذلكَ، كفرشٍ وغطاءٍ ووِطاءٍ وماعونٍ. قالَ الموفَّقُ: (وكتُبِ علمٍ) يحتاجُها لنظَرٍ وحِفظٍ.
(وتلزمُه عن نفسِه، وعمَّن يمُونُه مِنَ المسلمينَ) كزوجةٍ، وعبدٍ ولو لتجارةٍ، وولدٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤)، وأحمد (٨/ ٦٦) (٤٤٨٦)، وأبو داود (١٦١١)، والترمذي (٦٧٥)، والنسائي (٢٥٠٠)، وابن ماجه (١٨٢٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وحسنه الألباني.
[ ٢ / ٤٥ ]
فإن لم يجِد لجِميعِهم، بدَأ بنفسِهِ، فزوجَتهِ، فرقِيقِه، فأمِّهِ، فأبيه، فولَدِه،
(فإن لم يجِدْ لجميعِهم، بدأَ بنفسِه) لحديثِ: "ابدأْ بنفسِكَ، ثمَّ بمَن تعولُ" (^١). ولأنَّ الفِطرةَ تنبني على النَّفقةِ، فكما أنَّه يبدأُ بنفسِه في النفقةِ، فكذلك في الفِطرةِ (فزوجَتِه) يعني: أنَّه متى فضلَ عندَه صاعٌ عن فطرةِ نفسِه أخرَجَه عن زوجتِه؛ لأنَّ نفقتَها مُقدَّمةٌ على سائرِ النفقاتِ
(فرقيقِه) يعني أنَّه متَى فضَلَ عندَه شيءٌ عن فِطرتِه وفطرَةِ زوجتِه، أخرَجَه عن رقيقِه، لوجوبِ نفقَتِه مع الإعسارِ، بخلافِ نفقةِ الأقاربِ، فإنَّها صلةٌ لا تجِبُ إلَّا مع اليسارِ.
(فأمِّه) يعني: أنَّه متَى فضَلَ عندَه شيءٌ بعدَ مَنْ تقدَّمَ، أخرَجَه عن أُمِّهِ؛ لأنَّ الأمَّ مُقدَّمَةٌ في البِرِّ، بدليلِ قولِ النبيِّ - ﷺ - للأعرابيِّ حينَ قالَ: مَن أبرُّ؟ قال: "أُمَّك ". قال: ثمَّ مَن؟ قال: "أمَّك". قال: ثمَّ مَن؟ قالَ: "أباكَ" (^٢). ولضعفِها عنِ الكسبِ.
(فأبيهِ) لحديثِ: "أنتَ ومالُك لأبِيكَ" (^٣).
(فولدِه) يعني: أنَّه متَى فضَلَ عندَه شيءٌ بعدَ مَن تقدَّمَ، أخرجَه عن ولدِه. فإن كان له أولادٌ ولم يكفِ لجميعِهم، أَقرَعَ. وقيلَ: يُقدِّمُ الصغيرُ
_________________
(١) هو مركب من حديثين، الأول: أخرجه مسلم (٩٩٧) من حديث جابر، بلفظ: "ابدأ بنفسك". والثاني: أخرجه البخاري (١٤٢٦، ٥٣٥٥)، ومسلم (١٠٤٢/ ١٠٦) من حديث أبي هريرة، بلفظ: "وابدأ بمن تعول". وانظر الإرواء (٨٣٣، ٨٣٤، ٨٣٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٥٨) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أحمد (١١/ ٥٠٣) (٦٩٠٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وصححه الألباني في "الإرواء" (٨٣٨).
[ ٢ / ٤٦ ]
فأقرَبَ في المِيرَاثِ.
وتجبُ على من تبرَّعَ بمؤُنَةِ شَخْصٍ شَهرَ رمضانَ، لا على مَنِ استأجَرَ أجِيرًا بطَعامِه.
وتُسنُّ عن الجَنين.
(فأقرَبَ في الِميراثِ) يعني: أنَّه متَى فضَلَ عندَه شيءٌ بعدَ مَن تقدَّمَ، وله أقاربُ، قدَّمَ الأقربَ فالأقربَ في المِيراثِ؛ لأنَّ الأقربَ أَوْلَى مِنَ الأبعدِ، فقُدِّمَ كالميراثِ.
(وتجِبُ على مَن تبرَّعَ بمؤنةِ شخصٍ شهرَ رمضانَ) نصًّا؛ لعُمومِ حديثِ: "أدُّوا صدقَةَ الفِطرِ عمَّن تمُونونَ" (^١). وروَى أبو بكرٍ، عن عليٍّ: زكاةُ الفطرِ على مَن جرَت عليه نفقَتُك (^٢). وقالَ أبو الخطَّابِ: لا تلزمُه فطرتُه. وصحَّحُه في "المُغني" و"الشَّرحِ"، وحملَ كلامَ أحمدَ على الاستحبابِ (^٣).
وإن تبرَّعَ بمؤنتِه بعضَ الشَّهرِ، أو جماعةٌ، فلا.
و(لا) تجِبُ (على مَن استأجَرَ أجيرًا بطعامِه) لأنَّ الواجبَ هنا الأبرةُ، فلا يُزادُ عليها.
(وتُسنُّ) الفِطرةُ (عنِ الجنينِ) لمَا رُوِيَ أنَّ عثمانَ كانَ يُخرجُها عنِ الجنينِ (^٤). وعن أبي قِلابةَ قالَ: كان يُعجِبُهم أن يُعطُوا زكاةَ الفِطرَةِ عنِ الصَّغيرِ والكبيرِ، حتى عنِ الحملِ في بطنِ أُمِّهِ. رواهُ أبو بكرٍ في "الشَّافي". ولا تجِبُ عنه. حكاهُ ابنُ المُنذرِ إجماعَ مَن يحفَظُ عنه.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٤١) من حديث ابن عمر. وحسنه الألباني في "الإرواء" (٨٣٥، ٨٣٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٨).
(٣) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٢٨٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٣٢).
[ ٢ / ٤٧ ]