يُسنُّ: إذا أتى بقولٍ مشروعٍ في غير مَحَلِّه سهوًا.
(بابُ سجودِ السهوِ)
قال في "النهاية" (^١): السَّهوُ في الشيءِ: تركُه من غيرِ علمٍ. وعن الشيءِ: تركُه مع العلمِ؛ عمدًا.
وهذا فرقٌ دقيقٌ بين السَّهوِ في الصَّلاةِ الصادرِ منه -ﷺ-، والسَّهوِ عنها المذمومِ فاعلُه.
وقال في "حاشية التنقيح": سها عن الشيءِ سهوًا: ذهلَ وغفلَ قلبُه عنه، حتى زالَ عنه، فلم يتذكَّره. وفرَّقوا بين السَّاهي والنَّاسي: أنَّ النَّاسي إذا ذكَّرَتَه تذكَّرَ، بخلافِ السَّاهي (^٢).
وقال صاحبُ "المشارق": السَّهوُ في الصَّلاةِ: النسيانُ فيها. وقيلَ: هو الغفلةُ. وقيل: النسيانُ: عدمُ ذكرِ ما كان مذكورًا. والسَّهوُ: ذهولٌ وغفلةٌ عمَّا كان مذكورًا، أو عمَّا لم يكنْ، فعلى هذا هو أعمُّ من النسيانِ. انتهى.
(يُسنُّ: إذا أتى بقولٍ مشروعٍ) أي: من جنس الصَّلاةِ (في غيرِ محلِّه) أي: في يخرِ موضعِه؛ حالَ كونِ ذلك (سهوًا) كقراءتِهِ سورةً في الرَّكعتين الأخيرتينِ من رُباعيَّةٍ، أو في ثالثةِ مغربٍ، وقراءتِه قاعدًا أو ساجدًا، أو كتشهُّدِهِ قائمًا؛ لعمومِ
_________________
(١) "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٣٠).
(٢) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٤٦٣).
[ ١ / ٣٤٩ ]
ويُباحُ: إذا تركَ مسنونًا.
ويجبُ: إذا زاد رُكوعًا، أو سُجودًا، أو قِيامًا أو قُعودًا، ولو قَدرَ جَلسةِ الاستراحةِ، أو سلَّمَ قَبلَ إتمامِها،
قولِهِ -ﷺ-: "إذا نسيَ أحدُكم، فليسجدْ سجدتينِ وهو جالسٌ". رواه مسلمٌ (^١). ولأنَّه ذِكْرٌ مشروعٌ أتى به في غيرِ محلِّه سهوًا فيسجدُ له، كالسَّلامِ من نقصانٍ. فإنْ لم يكنْ مشروعًا، كآمين، ربّ العالمين، واللهُ أكبرُ كبيرًا. لم يُشرعْ له سجودٌ؛ لأنَّه ﵇ لم يأمرْ به مَنْ سمِعَه يقولُ في صلاتِه: "الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربّنا ويرضى" (^٢).
(ويُباحُ) أي: سجودُ السَّهوِ (إذا تركَ مسنونًا) قوليًّا أو فعليًّا، فلا يجبُ ولا يُستحبُّ السّجودُ له
(ويجبُ) سجودُ السَّهوِ (إذا زادَ ركوعًا، أو سجودًا) سهوًا (أو قيامًا، أو قعودًا، ولو) كان القعودُ عقبَ ركعةٍ، وكان (قدرَ جَلسةِ الاستراحةِ) أي: ولو كان الجلوسُ الذي زادَهُ يسيرًا قدرَ جلسةِ الاستراحةِ. أما إنْ جلسَ للاستراحةِ قصدًا، فإنَّه لا يسجدُ لها؛ لأنَّه لا سجودَ للعمدِ. ولا تبطلُ الصَّلاةُ بها، كما في "المغني".
(أو سلَّمَ) مصلٍّ (قبلَ إتمامِها) أي: الصَّلاةِ سهوًا، لم تبطلْ، وجازَ له إتمامُها؛ لأنَّ النبىّ -ﷺ- وأصحابَهُ فعلوه، وبنوا على صلاتِهم؛ لأنَّ جنسَه مشروعٌ فيها، أشبَهَ الزيادةَ فيها من جنسِها. لكن تارةً يذكرُ ما بقيَ من صلاتِه قريبًا، وتارة لا يذكره إلا وقد طال الفصل. فإن ذكر ذلك قريبًا، ولو خرجَ من المسجدِ، نصَّ عليه في روايةِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٧٢) من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه مسلم (٦٠٠) من حديث أنس.
[ ١ / ٣٥٠ ]
أو لَحَن لحنًا يُحيلُ المعنَى، أو تَرَكَ واجبًا، أو شكَّ في زيادةٍ وقتَ فعلِها.
وتبطلُ الصلاةُ بتعمُّدِ تركِ سُجُودِ السهوِ الواجِب، إلَّا إنْ تركَ ما
ابنِ منصورٍ، أو شرعَ في صلاةٍ أخرى -وتُقطَعُ التي شرعَ فيها مع قُرْبِ الفصلِ، وعادَ إلى الأولى- أتمَّها، وسجدَ؛ لما روى عمرانُ بنُ حصينٍ قال: سلَّم رسولُ اللهِ -ﷺ- في ثلاثِ ركعاتٍ من العصرِ، ثمَّ قامَ فدخلَ الحُجرةَ، فقامَ رجلٌ بسيطُ اليدين، فقال: أَقَصُرتِ الصَّلاةُ يا رسولَ اللهِ؟ فخرجَ، فصلَّى الرَّكعةَ التي كان تركَ، ثمَّ سلَّمَ، ثمَّ سجدَ سجدتي السهوِ، ثمَّ سلَّمَ. رواه مسلمٌ (^١).
(أو لحنَ لحنًا يُحيلُ المعنى) أي: في السورةِ. أمَّا إنْ لحنَ لحنًا في القراءةِ، يُحيلُ المعنى، سهوًا أو جهلًا، فإنْ عادَ وأتى به على وجهٍ مجزئٍ، صحَّتْ صلاتُه، وإلَّا بطلتْ، كما صرَّحَ به ابنُ قُندسٍ. وإذا صحَّتْ، سجدَ للسهوِ وجوبًا.
(أو ترَكَ واجبًا) أي: تركَه ناسيًا، ثمَّ ذكرَ. والمرادُ بالواجب: ما قابلَ الركنَ (أو شكَّ في زيادةٍ وقتَ فعلِها) بأنْ شكَّ في سجدةٍ وهو فيها، هلْ هي زائدةٌ، أو لا؟ أو في الرَّكعةِ الأخيرةِ كذلك، فيسجدُ؛ لأنَّه أدَّى جزءًا من صلاتِه متردِّدًا في كونِه منها، أو زائدًا عليها، فضعُفَتِ النيةُ، واحتاجَتْ للجبرِ بالسُّجودِ. ومَنْ شكَّ في عددِ الركعاتِ أو غيرِه، فبنى على يقينِه، ثمَّ زالَ شكُّه، وعلمَ أنَّه مصيبٌ فيما فعلَه، لمْ يسجدْ مطلقًا. على ما صحَّحه في "الإنصاف"، وتبِعَه في "الإقناع". وخالفَ العلامةُ الشيخُ تقيُّ الدينِ الفتوحيُّ في "شرحه".
(وتبطلُ الصَّلاةُ بتعمُّدِ تركِ سجود السَّهوِ الواجبِ) للسهوِ (إلا إنْ تركَ ما
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٧٤).
[ ١ / ٣٥١ ]
وجبَ بسلامِه قبلَ إتمامِها.
وإنْ شاءَ سجدَ سجدتَي السَّهوِ قَبلَ السلامِ، أو بعدَهُ، لكِنْ إنْ سجدَهُما بعدَه، تَشهَّدَ وجوبًا وسَلَّم.
وجبَ) من سجودِ السَّهوِ (بسلامِه قبلَ إتمامِها) أي: الصَّلاةِ
(وإنْ شاءَ سجدَ سجدتي السَّهوِ قبلَ السَّلامِ، أو بعدَهُ) ندْبًا؛ لأنَّ الأحاديثَ وردتْ بكلٍّ من الأمرين، فلو سجَدَ للكلِّ قبلَ السَّلامِ أو بعدَهُ، جازَ. لكنْ قال في روايةِ الأثرمِ: أنا أقولُ: كلّ سهوٍ جاءَ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه يسجُدُ فيه بعد السَّلام، فإنَّه يسجُدُ فيه بعدَ السَّلامِ، وسائرُ السهوِ يسجدُ فيه قبلَ السَّلامِ. ووجهُهُ: أنَّه من شأنِ الصُّلاةِ، فيقضيه قبلَ السَّلامِ، كسجودِ صلبِها، إلا ما خصَّهُ الدليلُ
(لكنْ إنْ سجدَهما بعدَهُ) أي: بعد السَّلامِ (تشهدَ وجوبًا) التشهدَ الأخيرَ (وسلَّم) سواءٌ كان محلُّ (^١) السّجودِ قبلَ السَّلامِ، أو بعدَه، لحديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ: أنَّ النبىَّ -ﷺ- صلَّى بهم، فسها، فسجدَ سجدتين، ثمَّ تشهدَ، ثمَّ سلَّمَ. رواه أبو داودَ والترمذيّ (^٢) وحسنَه. ولأنَّ السجودَ بعد السَّلامِ في حكمِ المستقلِّ بنفسِه من وجهٍ، فاحتاجَ إلى التشهدِ، كما احتاجَ إلى السَّلامِ، إلحاقًا له بما قبلَهُ، بخلافِ سجودِ تلاوةٍ وشكرٍ، فليس قبلَهما ما يلحقانِ به، وبخلافِ ما قبلَ السَّلامِ، فهو جزءٌ من الصَّلاةِ بكلِّ وجهٍ، وتابعٌ، فلم يُفردْ له تشهدٌ، كما لا يفردُ بسلامِ.
ولا يتوركُ إذا جلسَ للتشهدِ بعدَ السجودِ في صلاةٍ ثُنائيَّةٍ (^٣)، بلْ يجلسُ مفترِشًا
_________________
(١) في الأصل: "في محل".
(٢) أخرجه أبو داودَ (١٠٣٩)، والترمذيُّ (٣٩٥) قال الألباني: شاذٌّ بذكر التشهد.
(٣) في الأصل: "ثانيةٍ".
[ ١ / ٣٥٢ ]
وإن نَسِيَ السُّجودَ حتَّى طالَ الفصلُ غرفًا، أو أحدَثَ، أو خرَجَ من المَسجدِ، سَقَطَ.
ولا سُجودَ على مأمومٍ دخلَ أوَّل الصلاةِ إذا سَهَا في صلاتِه. وإن سَها إمامُه، لزِمَه متابعتُه في سُجُودِ السَّهوِ،
كتشهدِ نفسِ الصَّلاةِ، فإنْ كانتْ ثلاثيةً أو رُباعيةً، تورَّكَ لما ذكرَ.
وسجودُ السَّهوِ قبلَ السَّلامِ وبعدَه، وما يقالُ فيه من تكبيبر وتسبيحٍ، وما يقالُ بعدَ رفعٍ منه -كـ: ربِّ اغفرْ لي. بين السَّجدتين- كسجودِ صُلْبٍ. وقيلَ: إنْ سجدَ بعد السَّلامِ، كبَّرَ مرةً واحدةً، وسجدَ سجدتين
(وإن نسيَ السَّجودَ حتى طالَ الفصلُ عُرْفًا، أو أحدثَ، أو خرجَ من المسجدِ، سقطَ) أي: لم يقضِه؛ لفواتِ محلِّه، وصحَّت صلاتُه، كسائرِ الواجباتِ إذا تركَها سهوًا. وإنْ لم يوجدْ شيءٌ من هذه، وقضاه، لم يصرْ عائدًا للصَّلاةِ؛ لأنَّ التحلُّلَ منها حصلَ بالسَّلامِ؛ لأنَّه لا يجبُ عليه نيةُ العودِ للصَّلاةِ، فلا تبطلُ بمفسدٍ من نحوِ حدثٍ أو غيرِه، ولا يجبُ الإتمامُ على من يجوزُ له القصرُ، إذا نواه فيه. ولا يصحّ دخولُ مسبوقٍ معه فيه
(ولا سجودَ على مأمومٍ) سها دون إمامِه (دخلَ أوَّلَ (^١) الصَّلاةِ إذا سها في صلاِته) لكونِه مأمومًا (وإنْ سها إمامُه، لزِمَه متابعتُه في سجودِ السَّهوِ) فيسجدُ معه، ولو لم يسْهُ أو يسجدْ بعدَ سلامِه، لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "ليسَ على (^٢) مَنْ
_________________
(١) في الأصل: "من أول".
(٢) سقطت: "على" من الأصل.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فإنْ لم يَسجُد إمامُهُ، وجبَ عليهِ هوَ.
ومن قامَ لركعةٍ زائدةٍ، جلَسَ متى ذكَرَ.
خلفَ الإمامِ سهوٌ، فإنْ سها إمامُه، فعليه وعلى مَنْ خلفَه". رواه الدارقطنيُّ (^١). وقدْ صحَّ عنه ﵇ أنَّه لما سجدَ لتركِ التشهدِ الأوَّلِ، والسَّلامِ من نقصان، سجدَ النَّاسُ معه، ولعمومِ: "وإذا سجدَ، فاسجدوا" (^٢). فيسجدُ (^٣) مأمومٌ؛ متابعةً لإمامِه.
(فإنْ لمْ يسجدْ إمامُه) وقدْ سُهي عليه سهوًا يجبُ السجودُ له (وجبَ) سجودُ السَّهوِ (عليه) أي: على المأمومِ (هو) وعُلِمَ منه: أنَّه لا يسقطُ السجودُ عن المأمومِ بتركِ إمامِه له؛ لأنَّ صلاتَه نقصتْ بنقصانِ صلاةٍ إمامِه، فلزِمَه جبْرُها. هذا إنْ كانَ الإمامُ لا يرى وجوبَه، أو تركَهُ سهوًا، أو كان محلُّه بعدَ السَّلامِ، وإلا فتبطلُ صلاتُه، وتقدَّمَ: تبطلُ صلاةُ مأمومٍ ببطلانِ صلاةٍ إمامِه
(ومَنْ قامَ لركعةٍ زائدةٍ) سهوًا، كثالثةٍ في فجرٍ، ورابعةٍ في مغربٍ، وخامسةٍ في رباعيةٍ (جلسَ) بلا تكبيرٍ (متى ذكرَ) أنَّها زائدةٌ وجوبًا؛ لئلا يعيِّرَ هيئةَ الصَّلاةِ. ولا يتشهدُ إنْ كانَ قدْ تشهدَ قبل قيامِه؛ لوقوعِه موقعَه.
وإنْ كان تشهَّدَ، ولم يُصلِّ على النبيِّ -ﷺ-، صلَّى عليه، وسجدَ للسهوِ، وسلَّمَ. وإنْ لمْ يكنْ تشهدَ قبلَ قيامِه، تشهدَ وسجدَ وسلَّمَ.
فإنْ لمْ يذكر حتى فرغَ منها، سجدَ لها؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ -ﷺ- خمسًا، فلمَّا انفتلَ توشوشَ القومُ بينهم، فقالَ: "ما شأنُكم؟ "
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٧)، وضعفه الألباني في "الإرواء" (٤٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١) من حديث أنس.
(٣) في الأصل: "فليسجد".
[ ١ / ٣٥٤ ]
وإنْ نهَضَ عن تَركِ التشهُّدِ الأوَّلِ ناسيًا، لزِمَه الرجوعُ ليتشهَّدَ، وكُرِهَ إنْ استتمَّ قائمًا، وتلزمُ المأمومَ متابعتُه،
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ فقال: "لا". قالوا: فإنَّكَ صلَّيتَ خمسًا. فانفتلَ، ثمَّ سجدَ سجدتين، ثمَّ سلَّمَ. ثم (^١) قال: "إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم، أنسٌ كما تَنْسَوْن، فإذا نسِيَ أحدُكم، فليسجدْ سجدتين". وفي روايةٍ: "إنَّما أنا بشرٌ مثلُكم، أذكرُ كما تذكرون، وأنسى كما تَنْسَوْن". ثمَّ سجَدَ سجدتين للسهوِ. وفي روايةٍ قال: "وإذا زادَ الرجلُ أو نقصَ، فليسجدْ سجدتين". رواه بطرقِه مسلمٌ (^٢).
(وإن نهضَ) إلى الركعةِ الثالثةِ (عن تركِ التشهدِ الأوَّلِ) مع تركِ الجلوسِ، أو تركِ التشهدِ دونَ الجلوسِ؛ بأنْ جلسَ ونهضَ، ولم يتشهدْ (ناسيًا) لما تركَهُ الزِمَه الرجوعُ ليتشهَّدْ) إنْ ذكَرَ قبلَ أنْ يستَتِمَّ قائمًا، ليتداركَ الواجبَ. ويتابعُه مأمومٌ، ولو اعتدلَ
(وكُرِه) رجوعُه (إن استَتَمَّ قائمًا) لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: "إذا قامَ أحدُكم من الرَّكعتين فلم يستَتِمَّ قائمًا، فليجلس، فإن استَتَمَّ قائمًا، فلا يجلسْ، ويسجدْ سجدتين". رواه أبو داودَ وابنُ ماجه (^٣). وأقلُّ أحوالِ النهي الكراهةُ. ولمْ يمتنعْ عليه الرجوعُ؛ لأنَّ القيامَ غيرُ مقصودٍ في نفسِه؛ لتركِه عندَ العجزِ لا إلى بدلٍ، بخلافِ غيرِه.
(وتلزمُ المأمومَ متابعتُه) أي: متابعةُ الإمامِ في قيامِه ناسيًا؛ لحديثِ: "إنَّما جُعِلَ
_________________
(١) سقطت: "ثم" من الإصل.
(٢) أخرجه مسلم (٥٧٢).
(٣) أخرجه أبو داودَ (١٠٣٦)، وابنُ ماجه (١٢٠٨). وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٥٥ ]
ولا يَرجِعُ إن شَرَعَ في القِراءةِ.
ومَنْ شَكَّ في رُكنٍ، أو عَددِ ركَعَاتٍ، وهوُ في الصلاةِ، بَنَى على اليَقينِ، وهو الأقلُّ،
الإمامُ ليؤتمَّ به" (^١). ولما قامَ ﵇ عن التشهدِ، قامَ النَّاسُ معه. وفعلَه جماعةٌ من أصحابِه.
ولا يلزمُه الرجوعُ إنْ سبَّحوا به بعدَ قيامِه. وإنْ سبَّحوا به قبلَ قيامِه، ولم يرجعْ، تشهَّدوا لأنفسِهم ولم يتابِعوه؛ لأنَّه تركَ واجبًا، فلم يكنْ لهم متابعتُه. وإذا رجعَ قبلَ شروعِه في القراءةِ، لزِمَهم متابعتُه، ولو شرَعوا فيها، لا إنْ رجعَ بعدَها لخطائِه (^٢)، وينوون مفارقتَه.
(ولا يرجعُ إنْ شرعَ في القراءةِ) بلْ يحرمُ رجوعُه؛ لأنَّه شرعَ في ركنٍ مقصودٍ، وهو القراءةُ، فلمْ يجُزْ له الرجوعُ، كما لو شرعَ في الركوعِ. وبطلتْ صلاتُه إنْ رجعَ إذنْ، عالمًا عمدًا، لزيادتِه فعلًا من جنسِها عمدًا، أشبَه ما لو زادَ ركوعًا.
ولا تبطلُ إنْ رجعَ إذنْ، ناسيًا أو جاهلًا تحريمَ رجوعِه. ومتى علم تحريم ذلك (^٣) وهو في التشهدِ، نهضَ ولمْ يتمَّه، وسجدَ للسهوِ
(ومَنْ شكَّ في) تركِ (ركنٍ) بأنْ تردَّدَ في فعلِه، فيُجعلُ كمَنْ تيقنَ تركَه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، وكما لو شكَّ في أصلِ الصَّلاةِ
(أو) شكَّ في (عددِ ركعَاتٍ، وهو في الصَّلاةِ، بنى على اليقينِ، وهو الأقلُّ)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١) من حديث أنس.
(٢) الخطاء -بالمد- كالخطأ: ضد الصواب. "القاموس المحيط": (خطأ).
(٣) سقطت: "ومتى علم تحريم ذلك" من الأصل.
[ ١ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو كانَ الشاكُّ إمامًا.
وعنه: يَبني الإمامُ على غالبِ ظنِّه. حكَاهُ في "الإقناع" (^١). والمنفردُ: على اليَقينِ. ذكَرَ في "المقنع" أنَّ هذا ظاهرُ المذهبِ. وجزمَ به في "الكافي" و"الوجيز". وذكَرَ في "الشرح" أنَّه المشهورُ عن أحمدَ، وأنَّه اختيارُ الخِرَقيِّ. ولأنَّ للإمامِ مَنْ ينبِّهُه ويذكِّرُه إذا أخطأ الصَّوابَ، بخلافِ المنفردِ. إنْ كان المأمومُ أكثرَ من واحدٍ، وإلا، أي: وإنْ لم يكنْ المأمومُ أكثرَ من واحدٍ، بنى الإمامُ على اليقينِ، كالمنفردِ.
فإذا شكَّ: أصلَّى ركعةً أو ركعتين؟ بنى على ركعةٍ. وثنتين أو ثلاثًا؟ بنى على ثنتين. وهكذا. إمامًا كان أو منفردًا؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، فلم يدرِ: صلَّى ثلاثًا، أو أربعًا؟ فليطْرَحِ الشكَّ، وليبْنِ على ما استيقنَ، ثمَّ يسجدْ سجدتين قبلَ أنْ يسلِّمَ، فإنْ كانَ صلَّى خمسًا، شفعْنَ له صلاتَه، وإنْ كان صلَّى أربعًا، كانتا ترغيمًا للشيطانِ". رواه أحمدُ ومسلمٌ (^٢). وحديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه، فليتحرَّ الصَّوابَ، وليتمَّ عليه، ثمَّ يسلِّم، ثم ليسجدْ سجدتين". رواه الجماعةُ (^٣) إلا الترمذيَّ.
فتحرِّي الصَّوابِ فيه: هو استعمالُ اليقينِ؛ لأنَّه أحوطُ، وجمعًا بين الأخبارِ.
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٤٨٩).
(٢) أخرجه أحمدُ (١٨/ ٣٠٥) (١١٧٨٢)، ومسلمٌ (٥٧١).
(٣) أخرجه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢)، وأبو داود (١٠٢٠)، والنسائي (١٢٤٥)، وابن ماجه (١٢١٢).
[ ١ / ٣٥٧ ]
وسجدَ للسَّهو، وبعدَ فراغِها لا أثرَ للشكِّ.
(وسجدَ للسَّهوِ) وسلَّم، فإنْ كان مع إمامِه غيرُه، وشكَّ، رجعَ إلى فعلِ إمامِه ومَنْ معه من المأمومين، كمَنْ نبَّهَهُ اثنانِ فأكثرُ.
(وبعدَ فراغِها) أي: الصَّلاةِ -وكذا سائرُ العباداتِ- (لا أثرَ للشكِّ) بعدَ سلامِه، سواءٌ كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا. وكذا بعدَ فراغِ كلِّ عبادةٍ.
"فائدةٌ": ولا سجودَ إذا شكَّ: هلْ سها، أو لا؟ ولا إذا علِمَ سهوًا ولمْ يعلم: هلْ هو ممَّا يسجدُ له، أولا؟
"تتمةٌ": سجودُ السَّهوِ، وما يقولُه فيه وبعدَ الرَّفعِ منه، كسجودِ الصَّلاةِ. فلو خالفَ، أعادَه بنيةٍ. جزمَ به في " الفروع"، وقدَّمَه في "الرعاية" وقال: وقيل: إنْ سجدَ بعد السَّلامِ، كبَّرَ مرةً واحدةً، وسجدَ سجدتينِ، ثمَّ رفعَ (^١).
* * *
_________________
(١) "الإنصاف" (٤/ ٩٥).
[ ١ / ٣٥٨ ]