وهِيَ تِسعَةٌ:
الإسلامُ، والعَقلُ، والتميِيِزُ، وكذا الطهارةُ معَ القدرَة.
(بابُ شروطِ الصَّلاةِ)
الشروطُ: جمعُ شرطٍ، كفُلُوسٍ وفَلسٍ. والشَّرائطُ: جمعُ شريطةٍ، كفرائضَ وفريضةٍ. والأشراطُ: جمعُ شَرَطٍ، كأقمارٍ وقمرٍ. ومعناه (^١) لغةً: العلامةُ.
والضرطُ في الاصطلاحِ: ما لا يوجدُ المشروطُ عند عدمِه، ولا يلزمُ أنْ يوجدَ عند وجودِه.
وهو عقليٌّ: كالحياةِ للعلمِ. ولغويٌّ: إنْ قمتَ فلك درهمٌ. وشرعيٌّ: كالطَّهارةِ للصَّلاةِ
(وهي تسعة):
أحدُها: (الإسلامُ).
(و) الثاني: (العقلُ).
(و) الثالثُ: (التمييزُ).
(و) الرابعُ: (كذا الطَّهارةُ مع القدرةِ) لحديث: "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ". رواه مسلمٌ (^٢).
_________________
(١) في الأصل: "وهذا معناه ".
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٤) من حديث عبد اللَّه بن عمر.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الخامسُ: دخُول الوقتِ.
فوقتُ الظُّهرِ:
(الخامسُ: دخولُ الوقتِ) لصلاةٍ مؤقتةٍ. وهذا المقصودُ هنا. وعبَّرَ عنه بعضُهم بالمواقيتِ. قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسرَاء:٧٨].
قال ابنُ عباسٍ: دلُوكُها: إذا فاءَ الفيءُ (^١).
وقال عمرُ: الصَّلاةُ لها وقتٌ، شرطَهُ اللهُ تعالى لها، لا تصحُّ إلَّا به (^٢). وهو حديثُ جبريلَ حين أمَّ النبيَّ - ﷺ - بالصلواتِ الخمسِ، ثمَّ قال: "يا محمدُ، هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِكَ" (^٣).
والوقتُ أيضًا سببُ وجوبِ الصَّلاةِ؛ لأنَّها تضافُ إليه. يعني: إلى الوقتِ فيقالُ: صلاةُ الظهرِ، صلاةُ العصرِ، صلاةُ المغربِ، صلاةُ العشاءِ، صلاةُ الفجرِ. وهي -يعني: الإضافةَ- تدلُّ على السببيةِ، وتتكررُ بتكرُّرِه، وشرطٌ للوجوبِ كالأداءِ، بخلافِ غيرِه من الشروطِ، شرطٌ للأداءِ فقط.
(فوقتُ الظهرِ) وهي الأولى؛ لبُداءةِ جبريلَ بها لما صلَّى بالنبيِّ - ﷺ -. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّينَ ظهرَ أمرُه، وسطعَ نورُه. وختمَ بالفجرِ؛ لأنَّه وقتُ ظهورٍ فيه ضعفٌ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٤).
(٢) أخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢/ ٢٣٩) من طريق الضحاك بن عثمان، أن عمر بن الخطاب قال في خطته بالجابية .. فذكره.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠) (٣٠٨١)، وأبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩) من حديث ابن عباس. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٤١٧).
[ ١ / ٢٣٧ ]
مِنَ الزَّوالِ
وهو لغةً: الوقتُ بعد الزوالِ. وشرعًا: صلاةُ هذا الوقتِ. مشتقٌّ من الظهورِ؛ لأنَّ فعلَها يكونُ ظاهرًا وسطَ النهارِ. وتُسمَّى أيضًا: الهجيرَ؛ لفعلِها وقتَ الهاجرةِ.
وهو: (من الزوالِ) وهو ميلُها عن وسطِ السماءِ. أجمعَ العلماءُ على أنَّ أوَّلَ وقتِ الظهرِ، إذا زالتِ الشمسُ. وهو ابتداءُ طولِ الظلِّ، بعدَ تناهي قصرِه؛ لأنَّ الظلَّ يكونُ طويلًا عند ابتداءِ طلوعِ الشمسِ، وكلَّما ارتفعتْ قصُرَ إلى أنْ تنتهي، فإذا أخذتْ في النزولِ مُغرِبةً، طالَ؛ لمحاذاةِ المنتصبِ قرصَها. فهذا أوَّلُ وقتِ الظهرِ. ويَقْصرُ الظلُّ في الصيفِ؛ لارتفاعها إلى الجوِّ، ويطولُ في الشتاءِ.
والظلُّ أصلُه: السترُ، ومنه: أنا في ظلِّ فلانٍ. ومنه: ظلُّ الجنَّةِ، وظلُّ شجرِها. وظلُّ الليلِ: سوادُه. وظلُّ الشمسِ: ما سترَ الشخوصَ من سقطِها. ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ. قال: والظلُّ يكونُ غدوةً وعشيةً، من أوَّلِ النهارِ وآخرِه. والفيءُ لا يكونُ إلا بعدَ الزوالِ؛ لأنَّه فاءَ. أي: رجعَ من جانبٍ إلى جانبٍ (^١).
"فائدةٌ": قال ابنُ رجبٍ في "شرح البخاري" (^٢): اختُلفَ في المعنى الذي لأجلِه أُمِرَ بالإبرادِ:
فمنهم مَنْ قالَ: هو حصولُ الخشوعِ فيها، فلا فرقَ بين مَنْ يصلِّي وحدَهُ أو في جماعةٍ.
ومنهم مَنْ قال: هو خشيةُ المشقَّةِ على مَنْ (^٣) بعُدُ من المسجدِ بمشيِه في
_________________
(١) انظر " كشاف القناع " (٢/ ٨٦).
(٢) " فتح الباري " لابن رجب (٣/ ٦٧).
(٣) سقطت: " مَنْ " مِن الأصل، والمثبت من "فتح الباري".
[ ١ / ٢٣٨ ]
إلى أن يصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه، سِوَى ظِلِّ الزِّوال.
ثم يليه الوقتُ المختارُ للعصرِ
الحرِّ، فيختصُ بالصَّلاةِ في مساجدِ الجماعةِ التي تُقصدُ من الأمكنةِ المتباعدةِ
ومنهم مَنْ قال: هو وقتُ تنفُّسِ جهنَّمَ، فلا فرقَ بين مَنْ يصلِّي وحدَهُ، أو في جماعةٍ. انتهى.
(إلى أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه) أي: يمتدُّ وقتُ الظهرِ إلى أنْ يصير ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه (سوى ظلِّ الزوالِ) أي: بعدَ الظلِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، إنْ كان ثمَّ ظلٌّ زالتْ عليه. فتضبطُ ما زالتْ عليه الشمسُ من الظلِّ، ثمَّ تنظر الزيادةَ عليه، فإذا بلغتْ قدرَ الشخصِ، فقد انتهى وقتُ الظهرِ.
(ثمَّ يليه) أي: وقتَ الظهرِ (الوقتُ المختارُ للعصرِ) وهي الصَّلاةُ الوسْطى. قال في " الإنصاف " (^١): نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، وقطعَ به الأصحابُ، ولا أعلمُ عنه ولا عنهم خلافًا.
وفي "الصحيحين" (^٢): "شغلونا عن الصَّلاةِ الوسطى، حتى غابتِ الشمسُ ".
ولمسلمٍ: "شغلونا عن الصَّلاةِ الوسطى؛ صلاةِ العصرِ".
وعن ابنِ مسعودٍ وسمرةَ قالا: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "الصَّلاةُ الوسطى: صلاةُ العصرِ" (^٣). قالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (^٤).
_________________
(١) " الإنصاف " (٣/ ١٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧) من حديث عليٍّ.
(٣) أخرجه الترمذي (١٨١، ١٨٢)، وصححه الألبانى.
(٤) وضع هذا الحديث في الأصل بعد الحديث الآتي: "وقتُ العصرِ ما لم تصفرَّ الشمسُ" بعد أسطر! وموضعه المناسب هنا، كما في "كشاف القناع" (٢/ ٩٠).
[ ١ / ٢٣٩ ]
حتى يَصيِرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، سِوَى ظِلِّ الزَّوالِ،
وذكرَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (^١) فيها عشرين قولًا، وهي: صلاةُ العصرِ، صلاةُ المغربِ، صلاةُ العشاءِ، صلاةُ الفجرِ، صلاةُ الظهرِ، جميعها، واحدةٌ غيرُ معيَّنةٍ، التوقُّفُ، الجمعةُ، الظهرُ في الأيامِ والجمعةُ في يومِها، الصبحُ أو العشاءُ أو العصرُ (^٢)، الصبحُ أو العصرُ على التردُّدِ (^٣)، وهو غيرُ الذي قبلَهُ، صلاة الجماعة (^٤)، صلاةُ الخوفِ، صلاةُ عيدِ النَّحرِ، صلاةُ عيدِ الفطرِ، الوترُ، صلاةُ الضحى، صلاةُ الليلِ.
ويمتدُّ الوقتُ المختارُ للعصرِ (حتى يصير ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيه، سوى ظلِّ الزوالِ) أي: ظلِّ الشاخصِ الذي زالتِ الشمسُ عليه، إنْ كان؛ لأنَّ جبريلَ صلَّاها بالنبيِّ - ﷺ - في اليومِ الثاني حين صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثْليه (^٥)، سوى ظلِّ الزوالِ.
وبعدَ ذلك وقتُ ضرورةٍ إلى غروبِها، فتقعُ الصَّلاةُ فيه أداءً، ويأثمُ فاعلُها بالتأخير إليه بغير عذرٍ.
وتعجيلُها أفضلُ بكلِّ حالِّ، في الحرِّ والغيمِ وغيرِهما.
وعنه: إلى اصفرارِ الشمسِ (^٦). اختارَهُ الموفقُ، والمجدُ، وجمعٌ. قال في "الفروع ": وهي أظهرُ. وصحَّحها في "الشرح "، وابن تميم، وجزمَ بها في
_________________
(١) انظر "فتح الباري" (٨/ ٤٤)، " الإنصاف " (٣/ ١٤١).
(٢) في الأصل: "الصبح أو العصر".
(٣) في الأصل: " الترديد ".
(٤) سقطت: "صلاة الجماعة" من الأصل.
(٥) تقدم تخريجه قريبًا.
(٦) أي: آخر وقتها المختار إلى اصفرار الشمس.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ثمَّ هو وقتُ ضَرورةٍ إلى الغُروبِ.
ثم يليه وقتُ المَغرِبِ،
"الوجيز"، لما روى ابنُ عمروٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "وقتُ العصرِ ما لم تصفرَّ الشمسُ ". رواه مسلمٌ (^١).
قال ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعَ العلماءُ على (^٢) أنَّ مَنْ صلَّى والشمسُ بيضاءُ نقيةٌ، فقدْ صلَّاها في وقتِها. وفي هذا دليلٌ على أنَّ مراعاةَ المثلين عندَهم استحبابٌ، ولعلَّهما متقاربانِ (^٣).
(ثمَّ هو) أي: الوقتُ بعدَ أنْ يصيرَ ظلُّ كلَّ شيء مثلَيه، سوى ظلِّ الزَّوالِ (وقتُ ضرورةٍ إلى الغروبِ) مصدر غربتِ الشمسُ، بفتحِ الرَّاءِ وضمِّها، فتكونُ الصَّلاةُ فيه أداءً؛ لحديثٍ: "مَنْ أدركَ من العصرِ ركعةً قبلَ أنْ تغرُبَ الشمسُ، فقدْ أدرَكَها ". متفقٌ عليه (^٤). ولا فرقَ بين المعذورِ وغيرِه، إلا في الإثمِ وعدمِه، فيحرُمُ التأخيرُ إليه بلا عذرٍ.
وحقيقةُ الغروبِ: هو سقوطُ قُرْصِ الشمسِ. قالَ في "المبدع" (^٥): ويُعرفُ الغروبُ في العمرانِ بزوالِ الشعاعِ من رؤوسِ الجبالِ، وإقبالِ الظلامِ من المشرقِ.
(ثمَّ يليه) أي: وقتَ الضرورةِ للعصرِ: (وقتُ (^٦) المغربِ) لما في الحديث:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦١٢).
(٢) سقطت: "على" من الأصل.
(٣) الشرح الكبير" (٣/ ١٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨) من حديث أبي هريرة.
(٥) "المبدع" (١/ ٣٤٣).
(٦) في الأصل: "الوقت وقت ".
[ ١ / ٢٤١ ]
حتَّى يغيبَ الشَّفَقُ الأحمَرُ.
"ثمَّ أتاني جبريلُ حينَ سقطَ القرصُ" فقالَ: قثم فصلِّه. رواه الدارقطنيُّ (^١).
وهي لغةً: تطلقُ على وقتِ الغروبِ، وعلى مكانِه، فسُمِّيتْ صلاةُ المغربِ بذلك، لفعلِها في هذا الوقتِ. وهي وترُ النَّهارِ، لاتصالِها به، فكأنَّها فُعِلتْ فيه. وليس المرادُ الوترَ المشهورَ، بلْ إنَّها ثلاثُ ركعاتٍ.
ولا يُكره تسميتُها بالعشاءِ. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ. وتسميتُها بالمغربِ أَوْلى.
ولها وقتانِ. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقتُ اختيارٍ، وهو إلى ظهورِ النجومِ. قال في " النصيحة " للآجري: من أخَّرَ حتى يبدوَ النجمُ، أخطأ. وما بعدَه، أي: بعد ظهورِ النجمِ وقتُ كراهةٍ.
وتعجيلُها أفضلُ، قال في " المبدع ": إجماعًا (^٢).
ويمتدُّ وقتُها (حتى يغيبَ الشفقُ الأحمرُ) أي: في الحضرِ والسفرِ. وخرجَ بالأحمرِ؛ الأصفرُ والأبيضُ، إذ الشمسُ أوَّلُ ما تغربُ يعقبُها شعاعٌ، فإذا بعُدَتْ عن الأفقِ قليلًا، زالَ الشعاعُ وبقيتْ حمرةٌ. ثمَّ ترقُّ الحمرةُ وتنقلبُ صفرةً، ثمَّ بياضًا على حسبِ البعدِ، لحديثِ ابنِ عمرو (^٣) مرفوعًا: "وقتُ المغربِ ما لمْ يغبِ الشفقُ ". رواه مسلمٌ.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٥٩) من حديث ابن عمر.
(٢) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٩٣،٩٢).
(٣) في الأصل: "عمر" والمثبت من "صحيح مسلم" (٦١٢).
[ ١ / ٢٤٢ ]
ثمَّ يليه الوقتُ المختارُ للعشاءِ إلى ثُلُثِ اللِّيل،
(ثمَّ يليه) أي: وقتَ المغربِ: (الوقتُ المختارُ للعشاءِ) وهو أوَّلُ الظلامِ. وعرفًا: صلاةُ هذا الوقتِ. ويقالُ لها: عشاءُ الآخرةِ. ويمتدُّ وقتُها المختارُ (إلى ثلثِ الليلِ) لأنَّ جبريلَ صلَّاها بالنبيِّ - ﷺ - في اليومِ الأوَّلِ حين غاب الشفقُ، وفي اليومِ الثاني حينَ كانَ ثلثُ الليلِ الأوَّلُ، ثمَّ قالَ: "الوقتُ فيما بينَ هذينِ ". رواه مسلمٌ (^١). وعن عائشةَ قالتْ: كانوا يصلُّونَ العتمةَ فيما بينَ أنْ يغيبَ الشفقُ إلى ثلثِ الليلِ. رواه البخاريُّ (^٢).
وصلاتُها آخرَ الثلثِ الأوَّلِ من الليلِ أفضلُ؛ لقولِه ﵇: "لولا أنْ أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم أنْ يؤخِروا العشاءَ إلى ثلثِ الليلِ، أو نصفِه" رواه الترمذيُّ (^٣) وصحَّحَهُ.
ويُكره النَّومُ قبلَ صلاةِ العشاءِ، ولو كان له مَنْ يُوقِظُه، ويُكره الحديثُ بعدَها إلا يسيرًا مع أهلٍ أو ضيفٍ، فلا يُكره.
ولا يُكره (^٤) تسميتُها بالعتمةِ، لقولِ عائشةَ: كانوا يصلُّون العتمةَ فيما بين أنْ يغيبَ الشفقُ إلى ثلثِ الليلِ. رواه البخاريُّ (^٥). والعتمةُ: شدَّةُ الظلمةِ، في اللغةِ. والأفضلُ أنْ تُسمَّى العشاءَ. قالَهُ في "المبدع ".
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦١٤) من حديث أبي موسى.
(٢) أخرجه البخاري (٨٦٤).
(٣) أخرجه الترمذي (١٦٧) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني.
(٤) في الأصل: " ويكره ".
(٥) تقدم قريبًا.
[ ١ / ٢٤٣ ]
ثم هو وقت ضرُورةٍ إلى طلوع الفَجر.
ثمَّ يليه وقتُ الفَجرِ إلى شرُوقِ الشَّمس.
(ثمَّ هو) أي: الوقتُ بعدَ ثلثِ الليلِ (وقتُ ضرورةٍ إلى طلوعِ الفجرِ) الثاني؛ لحديثِ: "ليس في النَّومِ تفريطٌ، إنَّما التفريطُ في اليقظةِ، أنْ يؤخَّرَ الصَّلاةُ إلى أنْ يدخلَ وقتُ صلاةٍ أخرى". رواه مسلمٌ (^١).
والفجرُ: البياضُ المعترضُ بالمشرقِ، ولا ظلمةَ بعدَهُ. ويقالُ له: الفجرُ الصادقُ. والفجرُ الأوَّلُ يقالُ له: الفجرُ الكاذبُ، وهو مستطيل بلا اعتراضٍ، أزرقُ له شعاعٌ، ثمَّ يظلمُ. ولدقَّتِه يُسمَّى: ذنبَ السِّرْحانِ، وهو الذئبُ.
(ثمَّ يليه) أي: وقتَ الضرورةِ للعشاءِ: (وقتُ الفجرِ) إجماعًا. ويمتدُّ (إلى شروقِ الشمسِ) لحديثِ ابنِ عمروِ مرفوعًا: "وقتُ الفجرِ ما لمْ تطلعِ الشمسُ". رواه مسلمٌ (^٢).
وتعجيلُها أفضلُ مطلقًا، أي: صيفًا وشتاءً. وأما حديثُ: "أسْفِرُوا بالفجرِ، فإنَّه أعظمُ للأجرِ". رواه أحمدُ وغيرُه (^٣). وحَكى الترمذيُّ عن الشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ أنَّ معنى الإسفارِ: أنْ يُضيءَ الفجرُ، فلا يُشكُّ فيه.
وسُنَّ جلوسُه بمصلَّاه بعد عصرٍ إلى الغروبِ، وبعدَ فجرٍ إلى الشروقِ، بخلافِ بقيَّةِ الصَّلواتِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة.
(٢) أخرجه مسلم (٦١٢).
(٣) أخرجه أحمد (٥١٨/ ٢٨) (١٧٢٨٦)، والترمذي (١٥٤) من حديث رافع بن خديج. وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ويُدرَكُ الوقتُ بتكبيرةِ الإحرامِ.
ويُكره الحديثُ بعدَ صلاةِ الفجرِ في أمرِ الدنيا، حتى تطلعَ الشمسُ. ذكرهُ في "الإقناع" (^١).
ويُكره تأخيرها بعد الإسفارِ بلا عذرٍ. قالَهُ في "الرعاية"، وتبِعَهُ في "الإقناع ". ومقتضى كلامِ الأكثرِ: لا كراهَة (^٢).
"فائدةٌ": وقتُ العشاءِ (^٣) في الطولِ والقصرِ، يتبعُ النَّهارَ، فيكونُ في الصيفِ أطولَ، ووقتُ الفجرِ يتبعُ الليلَ؛ فيكونُ في الشتاءِ أطولَ؛ لأنَّ النورين تابعانِ للشمس، هذا يتقدَّمُها، وهذا يتأخرُ عنها. فإذا كان في الشتاءِ، طالَ زمنُ مغيبِها، فيطولُ زمنُ الضوءِ التابعُ لها، وإذا كان في الصيفِ، طالَ زمنُ ظهورِها، فيطولُ زمنُ النُّورِ التابعُ لها.
(ويُدرَكُ) بالياء للمفعول. أي: يدرِكُ المصلِّي (الوقت) أي: وقت تلك المكتوبةِ، سواءٌ أخَّرَها (^٤) لعذرٍ، كحائضٍ تطهرُ، أو مجنونٍ يَفيقُ (بتكبيرةِ الإحرامِ) يأتي بها في تلك الصَّلاةِ؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعًا: "مَنْ أدركَ سجدةً من العصرِ قبلَ أنْ تغرُبَ الشمسُ، أو من الصبحِ قبلَ أنْ تطلُعَ الشمسُ، فقدْ أدرَكَها" (^٥) رواه مسلمٌ (^٦). وللبخاريِّ: "فليتمَّ صلاتَه" (^٧). وكإدراكِ المسافرِ صلاةَ المقيمِ،
_________________
(١) " الإقناع " (١/ ١٢٨).
(٢) انظر " كشاف القناع " (٢/ ١٠٢).
(٣) كذا في الأصل. ولعل الصواب: " المغرب " وانظر: " كشاف القناع " (٢/ ١٠٢).
(٤) في الأصل: "أخر".
(٥) كتب على هامش الأصل: "أي: أدركها أداء".
(٦) أخرجه مسلم (٦٠٩).
(٧) أخرجه البخاري (٥٥٦) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
ويحرمُ تأخيرُ الصلاةِ عن وقتِ الجوازِ.
ويجوزُ تأخيرُ فِعْلِها في الوقتِ مع العَزمِ عليه. والصلاةُ أوَّلَ الوقتِ أفضلُ،
وكإدراكِ الجماعةَ.
ولو كانتِ المكتوبةُ جمعةً، وأدركَ منها تكبيرةَ الإحرامِ وفي وقتها، فقد أدركَها أداءً، كباقي (^١) المكتوباتِ.
(ويحرُمُ تأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِ الجوازِ) أي: ولا يجوزُ تأخيرُ الصَّلاةِ التي لها وقتُ اختيارٍ ووقتُ ضرورةٍ، أو تأخيرُ بعضِها، إلى وقتِ الضرورةِ، ما لمْ يكنْ عذرٌ. قال في "المبدع ": ذكرَهُ الأكثر (^٢). ومحلُّه: إنْ كان ذاكرًا لها، قادرًا على فعلِها.
(ويجوزُ تأخيرُ فعلِها) لمَنْ وجبتْ عليه (في الوقتِ) أي: وقتِ وجوبِها (مع العزمِ عليه) أي: على فعلِ الصَّلاةِ في الوقتِ المختارِ، كقضاءِ رمضانَ ونحوِه مما وقتُه موسَّعٌ، ما لمْ يظنَّ مانعًا من فعلِ الصَّلاةِ، كموتٍ، وقتلٍ، وحيضٍ، فيجبُ عليه أنْ يبادرَ بالصَّلاةِ قبل ذلك.
(والصَّلاةُ أوَّلَ الوقتِ، أفضلُ) لقولِهِ تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البَقَرَة: ١٤٨] وقولِ عائشةَ رضي اللَّه تعالى عنها: ما صلَّى رسولُ الله - ﷺ - صلاةً لوقتِها الآخرِ مرتين. رواه (^٣) أحمدُ والدارقطنيُّ (^٤). ولأنَّ المبادرةَ لامتثالِ الأوامرِ أَوْلى عند العقلاءِ، وأحوطُ في تحصيلِ المأمورِ به، لكثرةِ آفاتِ التأخيرِ.
_________________
(١) في الأصل: "كما في".
(٢) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٩٨).
(٣) تكررت: " رواه " في الأصل.
(٤) أخرجه أحمدُ (٤١/ ١٦١) (٢٤٦١٤)، والدارقطنيُّ (١/ ٢٤٩). وصححه الألباني في " المشكاة " (٦٠٨).
[ ١ / ٢٤٦ ]
وتحصُل الفضيلة بالتأهُّبِ أوَّلَ الوَقتِ.
ويجبُ قضاءُ الصلاةِ الفائتةِ مرتَّبةً فَورًا،
قال الشيخُ تقيُّ الدين (^١): الصَّلاةُ في أوَّلِ الوقتِ، أفضلُ، إلا إذا كانَ في التأخيرِ مصلحةٌ راجحةٌ، كما في هذا البابِ مفَصَّلًا، وكما ذكَرَهُ في بابِ التيممِ: أنَّه يؤخِّرُ إذا رجى وجودَ الماءِ في آخرِ الوقتِ.
(وتحصلُ الفضيلةُ بالتأهبِ) للصَّلاةِ (أوَّلَ الوقتِ) بأنْ يشتغَلَ بالطَّهارةِ ونحوِها عندَ دخولِهِ
(ويجبُ) على مكلَّفٍ بلا مانغٍ به (قضاءُ الصَّلاةِ الفائتةِ) من الخمسِ (مرتَّبةً فورًا) لحديثِ أحمدَ (^٢): أنَّه ﵇ عامَ الأحزابِ صلَّى المغربَ، فلمَّا فرغَ، قالَ: "هلْ عَلِمَ أحدٌ منكم أنِّي صليتُ العصرَ؟ " قالوا: يا رسول اللهِ، ما صلَّيتَها. فأمرَ المؤذِّنَ، فأقامَ الصَّلاةَ، فصلَّى العصرَ، ثمَّ أعادَ المغربَ. وقدْ قالَ: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (^٣). وكالمجموعتين. ولو كثرتِ الفوائتُ، كما لو قلَّتَ.
فإنْ تركَ ترتيبَها بلا عذرٍ، لم تصحَّ؛ لأنَّه شرطٌ، كترتيبِ الركوعِ والسجودِ. إلا إذا خَشِيَ إنْ رتَّبَ فواتَ صلاةٍ حاضرةٍ، بخروجِ وقتِها، فيقدِّمُها؛ لأنَّها آكَدُ، وتركُه أيسرُ من تركِ الصَّلاةِ، في الوقتِ. أو خشِيَ خروجَ وقتِ اختيارٍ لصلاةٍ ذاتِ وقتينِ، فيصلِّي الحاضرةَ في وقتِها المختارِ؛ لأنَّه كالوقتِ الواحدِ، في أنَّه يجوزُ التأخيرُ إليه
_________________
(١) انظر "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣١٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢٨/ ١٨٠) (١٦٩٧٥) من حديث حَبِيبِ بن سِبَاعٍ. وضعفه الألباني في " الإرواء " (٢٦١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ولا يَصِحُّ النَّفل المُطلقُ إذَنْ.
بلا عذرٍ. فإنْ صلَّى الفائتةَ مع خشيةِ فوت (^١) الوقتِ، صحَّتْ نصًّا.
قال في "الإقناع" (^٢): ولا يسقطُ بخشيةِ فوتِ الجماعةِ. وعنه: يسقطُ، اختارَهُ جماعةٌ.
(ولا يصحُّ النفلُ المطلقُ إذن) أي: عند ضيقِ الوقتِ، أو وقتِ الاختيارِ؛ لتحريمِه، كأوقاتِ النهي. أي: ابتداءُ نفلٍ. فلا مناقضةَ لقولِه (^٣): وإلا أتمَّها نفلًا.
واحترزَ بالمطلقِ: عمَّا لَهُ سببٌ، كالرواتبِ، والتراويحِ، والوترِ، والكسوفِ، والاستسقاءِ. قال الشيخُ مرعي (^٤): ويتجه احتمالٌ: ونحوِ ضُحىً، وتحيةِ مسجدٍ.
"فائدةٌ": ولا تسقطُ الفائتةُ بحجِّ، ولا تضعيفِ صلاةٍ في المساجدِ الثلاثِ، ولا غير ذلك. واختارَ الشيخ تقيُّ الدينِ: أنَّ تاركَ الصَّلاةِ عمدًا إذا تابَ، لا يُشرعُ له قضاؤُها، ولا تصحُّ منه، بلْ يُكثرُ من التطوعِ، وكذا الصومُ (^٥).
قال ابنُ رجبٍ في "شرح البخاري" (^٦): ووقعَ في كلامِ طائفةٍ من أصحابِنا المتقدمين أنَّه لا يجزئُ فعلُها إذا تركَها عمدًا، منهم الجوْزَجانيُّ، وأبو محمدٍ البربهاريُّ، وابنُ بطةَ.
وقولُه: "فورًا" مقيدٌ بما إذا لمْ يتضرَّرْ في بدنِه، أو في معيشةٍ يحتاجُها. فإنْ
_________________
(١) سقطت: " فوت " من الأصل.
(٢) " الإقناع " (١/ ١٣١).
(٣) في الأصل: " قوله ".
(٤) "غاية المنتهى" (١/ ١٣٧).
(٥) انظر " الإنصاف " (٣/ ١٨٢).
(٦) " فتح الباري " (٣/ ٣٥٥)، وانظر " الإنصاف " (٣/ ١٨٢).
[ ١ / ٢٤٨ ]
ويسقُطُ الترتيبُ بالنسيانِ، وبضيِقِ الوَقتِ، ولو للاختيَارِ.
تضررَ بسببِ ذلك، سقطتِ الفوريةُ، نصَّ عليه. قالَهُ في "الإنصاف" (^١).
(ويسقطُ الترتيبُ بالنسيانِ) لأنَّه لا أمارةَ على المنسيَّةِ تُعلمُ بها، فجازَ أنْ يؤثِّرَ فيها النسيانُ، كالصيامِ، بخلافِ المجموعتين، فإنَّه لابدَّ من نيةِ الجمعِ، وذلك متعذرٌ مع النسيانِ.
وكذا لو نسيَ الترتيبَ بين حاضرةٍ وفائتةٍ حتى فرغَ من الحاضرةِ، فلا يلزمُه إعادتُها، نصًّا. وأما حديثُ صلاةِ النبيِّ -ﷺ- عامَ الأحزابِ السابقِ، فيحتملُ أنَّه ذكرَها في الصَّلاةِ.
ولا يسقطُ الترتيبُ إنْ جهِلَ وجوبَهُ
(و) يسقطُ الترتيبُ (بضيقِ الوقتِ) يعني: يسقطُ الترتيبُ إنْ ضاقَ وقتُ الحاضرةِ، كما لو ذكرَ فائتةً إمامٌ أحرمَ بمكتوبةٍ حاضرةٍ، لم يضقْ وقتُها. أي: الحاضرةِ عنها وعن الفائتةِ، بأنْ اتَّسعَ لهما الوقتُ، قَطَعَ الإمامُ الحاضرةَ التي أحرمَ بها وجوبًا؛ لأنَّه لو لمْ يقطعْها كانت نفلًا، والمأمومونَ مفْترِضون خلْفَهُ، ثمُّ يستأنِفُها المأمومون. فإنْ ضاقَ وقتُ الحاضرةِ، أتمَّها الإمامُ وغيرُه، لسقوطِ الترتيبِ إذًا.
(ولو للاختيارِ) أي: خروجُ وقتِ الاختيارِ لصلاةٍ ذاتِ وقتين، فيصلِّي الحاضرةَ في وقتِها المختارِ؛ لأنَّه كالوقتِ الواحدِ في أنَّه لا يجوزُ التأخيرُ إليه بلا عذرٍ، فإنْ صلَّى الفائتةَ مع خشيةِ فوت (^٢) الوقتِ، صحَّتْ.
_________________
(١) "الإنصاف" (٣/ ١٨٢).
(٢) سقطت: "فوت" من الأصل.
[ ١ / ٢٤٩ ]
السادس: سترُ العَورةِ -مع القدرةِ-
(السادسُ) من شروطِ الصَّلاةِ: (سترُ العورةِ) السَّتْرُ بفتح السين، مصدر ستَرَ، وبكسرِها: ما يُسترُ به.
والعورةُ لغةً: النقصانُ، والشيءُ المستقبحُ، ومنه: كلمةٌ عوراء (^١). أي: قبيحةٌ.
وشرعًا: سوأةُ الإنسانِ، أي: قُبُلُهُ ودُبُرُه. وسُمِّيَا سوأةً؛ لأنَّ كشْفَهما يسوءُ صاحبَهما.
"تنبيهٌ ": قدْ تُطلقُ العورةُ على ما يجبُ سترُه في الصَّلاةِ، وعلى ما يحرُمُ النظرُ إليه في الجملةِ. وهو: كلُّ ما يُستحيى منه إذا نُظِرَ إليه.
(مع القدرةِ) فلا تصحُّ صلاةٌ من مكشوفِها مع القدرةِ على الاستتارِ، لقولِ النبيِّ -ﷺ-: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمارٍ" (^٢). وعن سلمةَ بنِ الأكوعِ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أكونُ في الصَّيد (^٣)، فأصلِّي في القميصِ الواحدِ؟ قال: "نعمْ، وازرُرْه ولو بشوكةٍ" (^٤) رواهما ابنُ ماجه والترمذيُّ. وقالَ فيهما: حسنٌ صحيحٌ.
وقال ابنُ عبدِ البر (^٥): أجمعوا على فسادِ صلاةِ مَنْ تركَ ثوبَهُ، وهو قادرٌ على الاستتارِ به، وصلَّى عُريانًا.
ويتفرعُ على اشتراطِ سترها عن نفسِه في الصَّلاةِ: لو صلَّى في قميصٍ واسعِ
_________________
(١) في الأصل: "عورة".
(٢) أخرجه ابن ماجه (٦٥٥)، والترمذي (٣٧٧) من حديث عائشة. وصححه الألباني.
(٣) في الأصل: "الصلاة".
(٤) لم أجده عند ابن ماجه والترمذي. وقد أخرجه أبو داود (٦٣٢). وحسنه الألباني.
(٥) "التمهيد" (٦/ ٣٧٩).
[ ١ / ٢٥٠ ]
بشيءٍ لا يَصِفُ البَشرَةَ.
فعَورةُ الذَّكَرِ البالِغِ عشرًا، والحرَّةِ المميِّزةِ، والأمَةِ ولو مبعَّضةً: ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبَةِ.
الجيبِ، ولم يزررْه، ولم يشدَّ وسطَهُ، وكان بحيثُ يَرَى عورتَه في قيامِه، أو ركوعِه، أو سجودِه، لم تصحَّ صلاتُه، كما لو رآها غيرُه.
ويشترطُ في السَّترِ الواجبِ: (بشيءٍ لا يصفُ البشرةَ) أي: لونَها، من بياضِ أو حمرةٍ أو سوادَ؛ لأنَّ السترَ إنما يحصلُ بذلك. لا أن لا يصفَ حجمَ العضوِ؛ لأنَّه لا يمكنُ التحرزُ منه، ولو كان الساترُ ضعيفًا.
(فعورةُ الذَّكَرِ) والخُنثى؛ حرَّين كانَا، أو رقيقين، أو مبعَّضَّين (البالغِ عشرًا) من السنين (والحرَّةِ المميِّزةِ) أي: تمَّ لها سبعُ سنين (والأمةِ ولو مبعَّضةً) وأمِّ الولدِ، والمدبَّرةِ والمكاتبةِ، ومَنْ بعضُها حرُّ وبعضُها رقيقٌ: (ما بين السُرَّةِ والرُّكْبةِ) لمفهومِ حديثِ: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمارٍ" (^١).
وعُلِمَ منه: أنَّ السُرَّةَ والرُّكبةَ ليسا من العورةِ. وهذا كلُّه في الصَّلاةِ.
والمرادُ بالحائضِ: البالغُ. فتعلُّق صحَّةِ صلاتِها على سترِها بالخمارِ، دليلٌ على وجوبِ سترِ باقيها فيها.
ولأنَّه ﵇ نهى عن الطوافِ بالبيتِ عُريانًا. فالصَّلاةُ أَوْلى بذلك؛ لأنَّها آكدُ منه.
قال في "المبدع" (^٢): والأحسنُ في الاستدلالِ: أنَّه انعقدَ الإجماعُ على الأمرِ
_________________
(١) تقدم قريبًا.
(٢) "المبدع" (١/ ٣٥٩).
[ ١ / ٢٥١ ]
وعورَةُ ابنِ سَبعٍ إلى عَشرٍ: الفرجان.
والحرَّةُ البالغةُ كلُّهَا عورةٌ في الصَّلاةِ إلَّا وجهَهَا.
به في الصَّلاةِ، والأمرُ بالشيءِ نهيٌ عن ضدِّه، فيكونُ منهيًا عن الصَّلاةِ مع كشفِ العورةِ، والنهيُ يدلّ على الفسادِ.
والحكمةُ (^١) في وجوبِ السترِ فيها: ما جرتْ عادةُ مَنْ يريدُ التمثيلَ بين يدي كبيرٍ، التجمُّلِ بالسَّتْرِ، والمصلِّي يريدُ التمثيلَ بين يدي ملكِ الملوكِ، فالتجمُّلُ له بذلك أَوْلى.
(وعورةُ) ذكرٍ وخنثى (ابنِ سبعِ) سنينَ (إلى عشرِ) سنينِ: (الفرجانِ) لقصورهِ عن ابنِ عشرٍ؛ لأنَّه لا (^٢) يمكنُ بلوغُه. وعُلِمَ منه: أنَّ مَنْ دونَ سبعٍ لا حكمَ لعورتِهِ، لأنَّ حكمَ الطفوليَّةِ منجرٌّ عليه إلى التمييزِ. وظاهرُه: أنَّ هذه عورتُه في الصَّلاةِ وخارجِها.
(والحرَّةُ البالغةُ كلُّها عورة في الصَّلاةِ) حتى ظُفرُها وشعرُها، نصًّا (إلا وجهَهَا) قال جمعٌ: وكفيها. [لحديث: "المرأةُ عورةٌ ". رواه الترمذيُّ] (^٣)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. وهو عامٌّ في جميعِها، تُرِكَ في الوجهِ للإجماعِ، فيبقى العمومُ فيما عداهُ.
وقولُ ابنِ عباسٍ، وعائشةَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ
_________________
(١) في الأصل: "والحمكة".
(٢) سقطت: "لا" من الأصل.
(٣) ساقط ما بين المعكوفين من الأصل. والمثبت من " دقائق أولي النهى " (١/ ٣٠٠)، والحديث أخرجه الترمذي (١١٧٣) من حديث ابن مسعود. وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وشُرِطَ في فرضِ الرَّجُلِ البالِغ سَترُ أحَدِ عاتقَيه بشَيءٍ مِنَ اللِّباسِ.
ومن صلَّى في مغصُوبٍ،
مِنْهَا﴾ [النُّور: ٣١]: قالا: الوجهُ والكفين (^١). خالفَهُما ابنُ مسعودٍ فقال: الثيابُ (^٢). ولأنَّ الحاجةَ لا تدعو إلى كشفِ الكفينِ، كما تدعو إلى كشفِ الوجهِ، وقياسًا لهما على القدمين.
وأما عورتُها خارجَ الصَّلاةِ، فكلُّها عورةٌ، حتى وجهَها بالنسبةِ إلى الرجلِ والخنثى، وبالنسبةِ إلى مثلِها عورتُها: ما بين السُرَّةِ والرُّكبةِ.
(وشُرِطَ في فرضِ) ظاهرُه: ولو فرضَ كفايةٍ، مع سترِ عورةٍ (الرَّجُلِ المالغِ: سترُ أحدِ عاتقيه) أي: الرُّجلِ، ومثلُه الخنثى (بشيءِ من اللِّباس)، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يصلِّي الرَّجلُ في الثوبِ الواحدِ، ليس على عاتِقِه منه شيءٌ". رواه الشيخان (^٣). والعاتقُ: موضعُ الرداءِ من المنكب (^٤). ولا فرقَ في اللباسِ بين أنْ يكونَ مما سترَ به عورتَه، أو غيرَه. ولو وصفَ البشرةَ، لعمومِ قولِه ﵇: "ليس على عاتِقِه من شيءٌ" فإنَّه يعمُّ ما يسترُ البشرةَ، وما لا يسترُ.
(ومَنْ صلَّى في مغصوبٍ) عينًا أو منفعةً. ومثلُه مسروقٌ، وما ثمنُه حرامٌ. ولو كان الثوبُ المغصوبُ لا يليَ عورتَه، كما لو كان فوقَ ثويه غيرُ مغصوبٍ. ثوبًا كان المغصوبُ، كلُّه أو بعضُه، أو بقعةً، لم تصحَّ.
_________________
(١) أخرجه البيهقي عنهما في "الكبرى" (٢/ ٢٢٥، ٢٢٦).
(٢) أخرجه الطبراني (٩/ ٢٢٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦).
(٤) في الأصل: "المتكئِ".
[ ١ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويلحقُ به لو صلَّى في ساباطٍ لا يحلُّ إخراجُه. أو غصبَ راحلةً وصلَّى عليها، أو لوحًا فجعلَه سفينةً. أو حجَّ بمالٍ مغصوبٍ، أو على حيوانٍ مغصوبٍ، عالمًا بأنَّ ما صلَّى فيه أو حجَّ به مُحرَّمٌ، ذاكرًا له وقتَ العبادةِ، لم يصحَّ ما فعله؛ لحديثِ عائشةَ مرفوعًا: "مَن عملَ عملًا ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌّ" أخرجوه (^١). ولأحمدَ (^٢): "من صنعَ أمرًا على غيرِ أمرِنا، فهو مردودٌ ". ولأنَّ الصَّلاةَ والحجَّ قربةٌ وطاعةٌ، وقيامُه وقعودُه ومسيرُه بمحرَّمٍ، منهي عنه، فلا يكونُ متقربًا بما هو عاصٍ به، ولا مأمورًا بما هو منهيٌّ عنه.
فإنْ كانَ جاهلًا، أو ناسيًا للغصبِ ونحوِه، صحَّ. ذكرَهُ المجدُ إجماعًا.
"فائدةٌ": يصحُّ الوضوءُ، والأذانُ، وإخراجُ الزكاةِ، والصومُ، والعقدُ، في مكانٍ غصبٍ، على الصحيحِ.
وكذا عبادةُ مَنْ تقوَّى عليها بمحرَّمٍ. وقال أحمدُ في بئرٍ حفرتْ بمالٍ غصبٍ: لا يتوضَّأُ منها. وعنه: إنْ لمْ يجدْ غيرَها: لا أدري.
وكذا: صلاةُ من طُولِبَ بردِّ (^٣) وديعةٍ، أو غصبٍ، قبلَ دفعِه إلى ربِّه، على الصحيحِ. قالَهُ في "الإنصاف" (^٤).
وفيه أيضًا (^٥): لا بأسَ بالصَّلاةِ في أرضِ غيرِه أو مصلَّاه بلا غصبٍ، بغيرِ إذنِه، على الصحيحِ من المذهبِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٢) أخرجه أحمد (٤٠/ ٥٠٧) (٢٤٤٥٠) من حديث عائشة.
(٣) سقطت: (برد) من الأصل.
(٤) "الإنصاف" (٢٢٧/ ٣).
(٥) "الإنصاف" (٣/ ٣٠٤).
[ ١ / ٢٥٤ ]
أو حريرٍ -عالمًا ذاكرًا- لم تصِحَّ.
ويُصلِّى عُريانًا مع غَصْبٍ، وفي حرَيرٍ، لعدَمٍ، ولا يُعيدُ، وفي نَجِسٍ، لعدَمٍ، ويُعيدُ.
ويحرُمُ على الذُّكُورِ -لا الإناثِ- لُبسُ منسوجٍ ومموَّهٍ بذَهَبٍ
وإنْ غيرَ هيئةَ مسجدٍ غصبَهُ، فكغصبٍ
(أو حريرٍ) كلِّه. أو فيما غالبُه حريرٌ، حيث حرُمَ، لم تصحَّ، ولم يكنْ الحريرُ لحاجةٍ. أو صلَّى في منسوجٍ بذهبٍ أو فضةٍ (عالمًا) بأنَّ ما صلَّى فيه محرَّمٌ (ذاكرًا) له وقتَ العبادةِ (لم تصحَّ) تلك العبادةُ.
(ويصلِّي عُريانًا مع) ثوبٍ (غصبِ) لأنَّه يحرمُ استعمالُه بكلِّ حالٍ، ولأنَّ تحريمَه لحقِّ آدميٍّ، أشبَه مَنْ لم يجدْ إلا ماءً مغصوبًا (وفي) ثوبٍ (حريرٍ؛ لعدمِ) غيرِه، ولو مُعارًا؛ لأنَّه مأذونٌ في لبسِه في بعضِ الأحوالِ، كالحكةِ، وضرورةِ البردِ، وعدمِ سُترةِ غيرِه. فقدْ زالتْ علةُ تحريمِ الصَّلاةِ فيه (ولا يعيدُ) مَنْ صلَّى عُريانًا مع غصبٍ، أو في حريرٍ لعدمٍ؛ لما تقدَّمَ
(وفي نجسٍ؛ لعدمِ) غيرِه، مع عجزٍ عن تطهيرِه في الوقتِ؛ لأنَّ السترَ آكدُ من إزالةِ النجاسةِ؛ لوجوبِه في الصَّلاةِ وخارجِها، ويتعلّقِ حقُّ الآدميِّ به. (ويعيدُ) مَنْ صلَّى في ثوبٍ نجسٍ لعدمٍ؛ لأنَّه قادرٌ على اجتنابِه في الجملةِ، وإنما قُدِّمَ الآكدُ عند التزاحمِ، فإذا زالَ المزاحِمُ بوجودِ ثوبٍ طاهرٍ، وجشا الإعادةُ؛ لاستدراكِ ما حصلَ من الخللِ، بخلافِ المحبوسِ بمكانٍ نجسٍ، فإنَّه عاجزٌ عن الانتقالِ عنه بكلِّ حالٍ. ومَنْ عندَهُ ثوبانِ نجسانِ، صلَّى في أقلِّهما.
(ويحرُمُ على الذُّكُور، لا الإناثِ، لُبْسُ منسوجٍ) بذهبٍ أو فضةٍ (ومموَّهٍ بذهبٍ
[ ١ / ٢٥٥ ]
أو فِضَّةٍ، ولُبْسُ ما كلُّه أو غالِبُهُ حَريرٌ.
أو فضَّةٍ، ولُبْسُ ما كلُّه) حريرٌ، (أو) ما (غالبُه) ظهورًا، كما في "التنقيح ". وظاهرُه: ولو قلَّ وزنًا. وقيل: الاعتبارُ بالغالبِ في الوزنِ. قدَّمَه في "الرعاية"، وأطلَقَه في "الفروع" و"الآداب" و"الفائق" وابنُ تميمٍ في "الحواشي". (حريرٌ) ولو كان بطانةً؛ لحديثِ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ -ﷺ-: "لا تلْبَسوا الحريرَ، فإنَّ مَنْ لبسَه في الدنيا، لم يلبسْه في الآخرةِ". متفقٌ عليه (^١).
قال في " الفروع " (^٢): حتى تِكَّةٌ (^٣) وشَرَّابةٌ (^٤)، نصَّ عليه. والمرادُ: شرَّابةٌ مفردةٌ، كشرَّابةِ البريدِ، لا تبَعًا. انتهى.
وحرُمَ افتراشُه، واستنادٌ إليه، وتعليقُه. ويدخلُ فيه بَشَخانةٌ، وخيمةٌ، ونحوهُما. وحرَّم الأكثرُ استعمالَه مطلقًا، فدخلَ فيه: تِكَّةٌ، وشَرَّابةٌ مفردةٌ، وخيطُ مَسْبَحةٍ.
وحرمَ كتابةُ مهرٍ فيه. وحرُمَ سترُ جُدُرٍ به، غيرِ الكعبةِ المشرَّفةِ، زادَها اللهُ تعظيمًا وتشريفًا، فيجوزُ سترُها بالحريرِ. وكلامُ أبي المعالي يدُلُّ على أنَّه محلّ وفاقٍ.
ومحلُّ تحريمِ استعمالِ الحريرِ: إذا كان بلا ضرورةٍ، كبردٍ، وقملٍ. أو لم يجدْ غيرَه (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٣٤)، ومسلم (٢٠٦٩).
(٢) " الفروع " (٢/ ٦٦).
(٣) التِّكَّةُ بالكسرِ: رِباطُ السَّراويلِ. " القاموس المحيط " (تكك).
(٤) الشَّرَّابَةُ: ضمة من خيوط توضع على طرف الحزام، أو الثوب، أو على الطربوش؛ للزركشة. "معجم الألفاظ العامية" (شرب).
(٥) في الأصل: "أو لم يجدْ غيرَه، وقملٍ ".
[ ١ / ٢٥٦ ]
ويُباحُ ما سُدِّيَ بالحريرِ وأُلحِمَ بغيرِه، أو كانَ الحريرُ وغيرُهُ في الظُّهُورِ سِيَّان.
قولُه: "أو غالبُه حريرٌ" هذا إذا سُدِّي بالحريرِ وغيرِه، وأُلحمَ بهما، أو بالحريرِ وحدَه، أو سُدِّي بالحريرِ وحدَه، وأُلحمَ بهما، كما سيأتي من جوازِ الخزِّ.
(ويُباحُ ما سُدِّي بالحريرِ، وأُلحم بغيرِه) من نحوِ صوفٍ، أو قطنٍ، أو كتانٍ. قال في "الإنصاف" (^١): والصحيحُ من المذهبِ إباحةُ الخزِّ، نصَّ عليه. وفرَّقَ الإمامُ أحمدُ بأنَّه لبسُ الصَّحابةِ، وبأنَّه لا سرَفَ فيه ولا خيلاءَ. وجزمَ به في "الكافي" و"المغني" و"الشرح".
قال المجدُ في "شرحه" وغيره: الخزُّ: ما سُدِّي بالإبْرِيْسَم، وأُلحمَ بوبرٍ، أو صوفٍ ونحوِه؛ لغلبةِ اللُّحمةِ على الحريرِ.
(أو كان الحريرُ وغيرُه في الظُّهورِ سِيَّان) أي: ساوى الحريرُ غيرَه في الظُّهورِ؛ لما روى ابنُ عباسٍ أنَّه قال: إنمَّا نهى النبي -ﷺ- عن الثوبِ المُصمتِ من الحريرِ، وأمَّا العلَمُ وسَدَى الثوبِ، فليسَ به بأسٌ. رواه أبو داودَ (^٢)، والأثرمُ.
ولأنَّ الحريرَ إذا ساوى غيرَه في الظهورِ، لم يكنْ أغلبَ، وإذا نُفي دليلُ الحرمةِ، بقي أصلُ الإباحةِ، ولو زادَ الحريرُ وزنًا، فلا يحرُمُ.
"فروعٌ": يُكره لبسُ ما فيه شهرةٌ، وخلافُ زيِّ بلدهِ من اللِّباسِ، على الصحيحِ من المذهبِ.
ولا يجوزُ لبسُ ما فيه صورةُ حيوانٍ، في أحدِ الوجهين، وهو المذهبُ. صحَّحه
_________________
(١) "الإنصاف" (٣/ ٢٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠٥٧)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في "التصحيح" و"النظم". وجزمَ به في "الهداية" و"المذهب" و"مسبوك الذهب ".
ولو أُزيلَ من الصورةِ ما لا تبقى معه الحياةُ، زالتِ الكراهةُ، على الصحيحِ من المذهبِ، نصَّ عليه. وقيلَ: الكراهةُ باقيةٌ. ومثلُ ذلك صورُ الشجرِ ونحوه، وتمثالٌ.
"فائدةٌ": يحرُمُ تصويرُ ما فيه روحٌ، ولا يحرُمُ تصويرُ الشجرِ ونحوِه، والتمثالِ مما لا يشابِهُ ما فيه روحٌ، على الصحيحِ من المذهبِ. وأطلقَ بعضُهم تحريمَ التصويرِ، وهو من المفرداتِ. وقال في "الوجيز": ويحرُمُ التصويرُ، واستعمالُه. وكَرِه الآجريُّ وغيرُه الصَّلاةَ على ما فيه صورةٌ.
ويحرمُ تعليقُ ما فيه صورةُ حيوانٍ. وسترُ الجُدُرِ به.
ويُكره الصليبُ في الثوبِ ونحوِه، على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ويحتملُ تحريمُه. وهو ظاهرُ نقلِ صالحٍ. وقالَ في "الإنصاف": وهو الصوابُ (^١).
ويباحُ العلَمُ الحريرُ في الثوبِ، إذا كان أربعَ أصابعَ، فما دون. يعني: مضمومةً. وهذا المذهبُ، نصَّ عليه. وقدَّمه في "الفروع"، وجزمَ به في "المغني" و"الشرح"
وقال ابنُ أبي موسى: لا بأسَ بالعلَمِ الدقيقِ (^٢) دون العريضِ. وقال أبو بكر: يباحُ، وإن كان مُذَهَّبًا. وهو روايةٌ عن أحمدَ، اختارَها المجدُ، والشيخُ
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٣/ ٢٥٧).
(٢) في الأصل: "الرقيقِ".
[ ١ / ٢٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقي الدين (^١).
ويُكره للرجلِ المُزعفرُ والمعصفرُ. هذا المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ. وجزمَ به في "المغني".
وذكَرَ الآجريّ والقاضي وغيرُهما تحريمَ المُزعفرِ. وفي المزعفرِ وجهٌ: يُكره في الصَّلاةِ فقطْ. وهو ظاهرُ ما في "التلخيص". قالَهُ في "الآداب".
فعلى القولِ بالتحريمِ: لا يُعيدُ مَنْ صلَّى في ذلك، على الصحيحِ من المذهبِ.
وكذا لو كان لابسًا ثيابًا مُشبلَةً، أو خُيلاءَ ونحوَه. وعليه الجمهورُ. وقيل: يعيدُ. واختارَهُ أبو بكرٍ.
ويُكره للرجلِ لبسُ الأحمرِ المُصْمَتِ، ولو بطانةً، على الصحيحِ من المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه الجمهورُ، وهو من المفرداتِ.
ويُسنُّ لبسُ الثيابِ البيضِ، والنظافةُ في ثوبه وبدنِه. ويباحُ لبسُ السوادِ مطلقًا، على الصحيحِ من المذهبِ (^٢).
"فائدةٌ": ما حرُمَ استعمالُه، حرُمَ بيعَه وخياطتُه وأجرتُها، نصَّ عليه.
"فائدةٌ": لا بأسَ بالتطيبِ في بدنِه وثوبه. والذؤابةِ وإرسالِها خلفَهُ. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: وإطالتُها كثيرًا من الإسبالِ (^٣).
وسُنَّ لمَنْ لبسَ ثوبًا جديدًا قولُ: الحمدُ للهِ الذي كساني هذا، ورزَقَنيهِ من غيرِ
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٣/ ٢٧٠).
(٢) انظر " الإنصاف" (٣/ ٢٧١) فما بعدها.
(٣) في الأصل: "الإرسالِ".
[ ١ / ٢٥٩ ]
السَّابعُ: اجتنابُ النَّجاسةِ
حولٍ منِّي ولا قوةٍ. وأنْ يتصدَّقَ بالخَلَقِ العتيقِ النَّافعِ.
ولا بأسَ بلبسِ الفِراء، بكسر الفاء، إذا كانتْ من جلدِ مأكولٍ مباحٍ مذكَّى. وتصحُّ الصَّلاةُ فيها، كسائرِ الطَّاهراتِ.
ولا تصحُّ الصَّلاةُ في غيرِ ذلك، أي: غيرِ جلدِ مأكولٍ مذكَّى، كجلدِ ثعلبٍ، وسَمُّورٍ (^١)، وفَنَكٍ، وقاقمٍ، ومِشَّورٍ، وسِنْجابٍ، ونحوِه، كذئبٍ ونمرٍ، ولو ذُكِّيَ، أو دُبغَ؛ لأنَّه لا يطْهُرُ بذلك، كلحمِه.
ويُكره في الثيابِ ما تظنُّ نجاستُه لتربيةٍ -كثيابِ المرأةِ المربيةِ للأطفالِ- ورضاعٍ، وحيضٍ، وكثرةِ مُلابستِها للنجاسةِ ومباشرتِها، وقلَّةِ التحرُّزِ منها في صنعةٍ وغيرِها (^٢).
ولا بأسَ بلبسِ الأصوافِ، والأوبارِ، والأشعارِ، من حيوانٍ طاهرٍ؛ حيًّا كان أو ميتًا، لقولِه تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النّحل: ٨٠].
"تتمةٌ": قال عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الأنصاريُّ: ينبغي للفقيهِ أنْ تكونَ له ثلاثةُ أشياءَ جديدةٍ: سراويلُه، ومَداسُه، وخرقةٌ يصلِّي عليها (^٣).
ولا بأسَ بالصَّلاةِ على ما عُمِلَ من القطنِ، والكتانِ، والصوفِ، والشعرِ، والحُصرِ.
(السابعُ) من شروطِ الصَّلاةِ: (اجتنابُ النجاسةِ) وهي لغةً: ضدُّ الطَّهارةِ.
_________________
(١) سمور: كتَنُّورٍ: دابَّةٌ يُتَّخَذُ من جِلْدِها فِراءٌ مُثْمِنَةٌ. "القاموس المحيط" ص (٥٢٥).
(٢) انظر " كشاف القناع " (٢/ ١٨٣).
(٣) انظر "كشاف القناع" (٢/ ١٨٧).
[ ١ / ٢٦٠ ]
لِبَدَنِهِ، وَثَوبِه،
وشرعًا: عينٌ أو صفةٌ منعَ الشرعُ منها بلا ضرورةٍ، لا لأذىً فيها طبعًا، ولا لحقِّ اللهِ تعالى، أو غيرِه شرعًا.
فقوله: " عينٌ " وهي النجاسةُ العينيةُ، كالروثِ.
وقولُه: "أو صفةٌ" كأثرِ بولٍ بمحل طاهرٍ، وهي الحكميةُ الطارئةُ على محلٍّ طاهرٍ. و"أو" هنا للتقسيمِ والتنويعِ، لا للترديدِ. يعني: أنَّ النجاسةَ قسمانِ: عينيةٌ: وهي كلُّ عينٍ منعَ الشرعُ منها .. إلى آخرِ الحدِّ. وحكميةٌ: وهي صفة تطرأ على عين طاهرة فيمنع الشرع منها .. إلى آخر الحد.
وقوله: "منعُ الشرعُ منها، بلا ضرورةٍ" يعني: إنما منعَ الشرعُ من تناولِها عند عدمِ الاضطرارِ إليها، ولهذا جازَ تناولُها عند الضرورةِ، كالماءِ النجسِ، فإنَّه يُباحُ شربُه عند عدمِ غيرِه، وكالميتةِ النجسة عند الاضطرارِ.
وقولُه: "لا لأذى فيها طبعًا" ليخرجَ السمومَ وغيرَها بما يضرُّ في عقلٍ، أو بدنٍ، فإنَّ الشرعَ منعَ من تناولِ ذلك لأذاه، بخلافِ النجاسةِ.
قولُه: "ولا لحقِّ اللهِ تعالى" بخلافِ النجاسةِ.
وقولُه: "أو غيرِه شرعًا" احترزَ عن مالِ الغيرِ بغيرِ إذنِه، فيحزمُ تناولُه؛ لمنعِ الشرعِ منه لحقِّ مالِكِه.
زادَ بعضُهم: "ولا لحرمتِها" احترازٌ عن ميتةِ الآدمي. "ولا لاستقذارِها" احترازٌ عن نحوِ منيٍّ ومخاطٍ ونحوِهما.
(لبدنِه، وثوبِه) أي: بدنِ مصلِّ وثوبِه، من نجاسةٍ غيرِ معفوٍ عنها. شرطٌ لصحةِ الصَّلاةِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. وقولِه ﵇:
[ ١ / ٢٦١ ]
وبقعتِه، مَعَ القُدرَةِ.
فإن حُبِسَ ببقُعَةٍ نجِسَةٍ وصلَّى، صحَّتْ، لكنْ يُومِئُ بالنَّجاسةِ الرَّطْبَةِ غايةَ ما يُمكِنُهُ، ويجلِسُ على قدمَيه.
وإنْ مسَّ ثوبُه ثوبًا نجِسًا، أو حائطًا لم يستَنِدْ إليه، أو صلَّى على طاهِرٍ
"تنزَّهوا من البولِ، فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه" (^١). وقولِه، وقدْ سُئِلَ عن دمِ الحيضِ يكونُ في الثوبِ: "اقْرصيه، وصلِّي فيه" رواه أبو داود (^٢) من حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ. وأمرِه ﵇ بصبِّ ذَنوبٍ من ماءٍ على بولِ الأعرابيِّ، إذ بالَ في طائفةِ المسجدِ (^٣). ولا يجبُ ذلك في غيرِ الصَّلاةِ، فتعيَّنَ أن يكونَ شرطًا فيها، إذ الأمرُ بالشيءِ نهيٌّ عن ضدِّه. والنهيُّ في العباداتِ يقتضي الفسادَ.
(وبقعتِه) أي: موضعِ صلاتِهِ. وهو محلُّ بدنِه وثويه، وهو الموضعُ الذي يقعُ عليه أعضاؤُه وثيابُه. (مع القُدرةِ) على إزالتِها
(فإنْ حُبِسَ ببقعةٍ نجسةٍ وصلَّى، صحَّتْ) صلاتُه الكنْ يُومِئُ بالنَّجاسةِ الرَّطْبةِ، غايةَ ما يمكنُه، ويجلسُ على قدميه) ولا إعادةَ عليه.
(وإنْ مسَّ ثوبُهُ ثوبًا نجسًا، أو حائطًا) نجسًا (لمْ يستندْ إليه) في حالِ قيامِه، أو قعودِه، أو ركوعِه وسجودِه، صحَّتْ صلاتُه؛ لأنَّه يصيرُ كالبقعةِ له.
(أو صلَّى على طاهرٍ) من حصرٍ، أو بساطٍ
_________________
(١) أخرجه الدارقطني ١/ ١٢٧ من حديث أنس. وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (١٥٩). وانظر "الإرواء" (٢٨٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٠)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٤) من حديث أنس.
[ ١ / ٢٦٢ ]
طَرَفُهُ متَنجِّسٌ، أو سقطَت عليه النَّجاسةُ فزالَت، أو أزالَها سريعًا، صحَّتْ.
(طَرَفُه متنجسٌ) فتصحُّ، ولو تحرَّكَ المتنجسُ بحركتِه، من غيرِ متعلِّقٍ ينجَزُ به.
وكذا لو كان تحتَ قدمِه حبلٌ طاهرٌ مشدودٌ في نجاسةٍ؛ لأنَّه ليسَ بحاملٍ للنجاسةِ، ولا مصلٍّ عليها، أشبَهَ ما لو صلَّى على أرضٍ طاهرةٍ متصلةٍ بأرضٍ نجسةٍ.
فإنْ كان النجسُ متعلِّقًا بالمصلِّي، بحيثُ ينجرُّ معه إذا مشيَ، كما لو كان بيدِه أو وسطِه حبلٌ مشدودٌ في نجاسةٍ، أو حيوانٍ نجسٍ، أو سفينةٍ صغيرةٍ فيها نجاسةٌ، بحيثُ تنجرُّ معه إذا مشى، لم تصحَّ صلاتُه؛ لأنَّه مستتبعٌ للنجاسةِ، أشبَه ما لو كان حامِلَها.
فإن كانتْ السفينةُ كبيرةً، أو الحيوانُ كبيرًا لا يقدرُ على جرِّه إذا استعصَى عليه، صحَّتْ صلاتُه؛ لأنَّه ليس بمستتبعِ لها.
قال في "الفروع": وظاهرُ كلامِهم: أَنَّ ما لا ينجرُّ تصحُّ لو انجر. ولعلَّ المرادَ خلافُه، وهو أَوْلى. ولو كان بيدِه حبلٌ، طرفُه على نجاسةٍ يابسةٍ، فمقتضى كلامِ الموفقِ: الصحَّةُ. وفي "الإقناع": لا تصحُّ.
(أو سقطتْ عليه النَّجاسةُ، فزالتْ، أو أزالَها سريعًا، صحَّتْ) صلاتُه. ومحلُّه: إذا كانتْ يابسةً؛ لحديثِ أبي سعيدٍ: بينا رسولُ اللهِ -ﷺ- يصلِّي بأصحابِه؛ إذ خلعَ نعليه، فوضعَهما عن يسارِه، فخلعَ الناسُ نعالَهم. فلمَّا قضى رسولُ اللهِ -ﷺ- صلاتَه، قال: "ما حملَكُمْ على إلقائِكم نعالَكم؟ " قالوا: رأينَاكَ ألقيت نعليك (^١)، فألقينا نعالَنا. قال: "إنَّ جبريلَ أتاني، فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا ". رواه أبو داودَ (^٢). ولأنَّ من النجاسةِ ما يُعفى عن يسيرِها، فعفي عن يسيرِ زمنِها، ككشفِ العورةِ.
_________________
(١) سقطت: "ألقيت نعليك" من الأصل.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٥٠)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وتَبطُلُ إنْ عَجَزَ عن إزالتِها في الحالِ، أو نَسيَهَا، ثمَّ عَلِمَ.
ولا تصحُّ الصلاة في الأرضِ المغصُوبَةِ، وكذا
(وتبطلُ إن (^١) عَجَزَ عن إزالتِها في الحالِ) أي: عجزَ عن إزالتِها سريعًا. فإنْ صلَّاها، لا تصحُّ؛ لإفضاءِ ذلك إلى أحدِ أمرينِ؛ إمَّا استصحابُ النجاسةِ في الصَّلاةِ زمنًا طويلًا. وإمَّا أنْ يعملَ فيها عملًا كثيرًا يبطلُ للصَّلاةِ.
(أو نسيَها ثمَّ علِمَ) بعد فراغِ الصَّلاةِ، أي: فلا تصحُّ.
أو جهِلَ (^٢) عينَها. أي: هلْ هي نجاسةً، أو لا، كما لو كانتْ روثًا، وجهِلَ: هلْ هو روثٌ طاهرٌ أو نجسٌ؟ ثمَّ بعدَ الفراغِ علِمَ أنَّه روثُ حمارٍ.
أو جهِلَ حكْمَها. أي: بأنْ علِمَ أنَّها نجاسةٌ، لكنْ كان عاميًّا يجهلُ عدمَ صحةِ الصَّلاةِ معها، ثمَّ أُخبرَ بذلك بعد فراغِها.
أو كان يظنُّ أنَّها نجاسةٌ معفوٌ عنها، ثمَّ أُخبرَ بعدمِ العفوِ بعد فراغِها.
أو جهلَ أنَّها كانتْ في الصَّلاةِ، ثمَّ علِمَ أنَّها كانتْ في الصَّلاةِ بعدَ (^٣) أنْ صلَّى جاهلًا وجودَها في الصَّلاةِ.
فإنَّ صلاتَه (^٤) لا تصحُّ في هذه الصورِ كلِّها؛ لأنَّ اجتنابَ النجاسةِ في الصلاةِ شرطٌ لصحتِها، فلمْ يسقطْ بالنسيانِ، ولا بالجهلِ، كطهارةِ الحدثِ. وفي ذلك روايةٌ بالصِّحةِ.
ثمَّ ذكر المصنِّفُ الأماكنَ التي لا تصحُّ الصَّلاة فيها، فقال:
(ولا تصحُّ الصَّلاةُ) فرضٌ ولا نفلٌ، تعبَّدًا (في الأرضِ المغصوبةِ، وكذا
_________________
(١) في الأصل: "عن".
(٢) في الأصل: "وجهل".
(٣) في الأصل: "ثم بعد".
(٤) في الأصل: "فإنْ صلَّاها، فإنَّ صلاتَه".
[ ١ / ٢٦٤ ]
المقبَرةُ، والمجزَرةُ، والمزبلَةُ، والحُشُّ، وأعطانُ الإبِلِ،
المقبَرةُ) أي: فلا تصحُّ في المقبرةِ -بتثليث الباء- بُني لفظُها من لفظِ القبرِ؛ لأنَّ الشيء إذا كثرَ بمكانٍ، جازَ أنْ يُبنى له اسمٌ من اسمِه، كقولِهم: مَسبَعةٌ: لمكانٍ كثيرِ السباعِ. ومَضبَعةٌ (^١): لمكانٍ كثرَ فيه الضباعُ (^٢).
والدليلُ على منعِ صحةِ الصَّلاةِ في المقبرةِ: ما روى سمرةُ بنُ جندبٍ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "لا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإنِّي أنهاكم عن ذلك ". رواه مسلمٌ (^٣).
ولا يضرُّ قبرانِ، ولا ما دفنَ بدارِه، ولا ما أُعدَّ لذلكِ ولمْ يدفنْ فيه. وظاهرهُ: لم تصحَّ بمحلٍّ فيه ثلاثة قبورٍ.
(و) لا تصحُّ تعبَّدًا في (المجزرةِ) وهي المكانُ المعدُّ للذبحِ. قال بعضُهم: ولا فرقَ بين الموضعِ الطاهرِ منها والنجسِ.
(و) لا تصحُّ تعبَّدًا في (المزبلةِ) وهي موضعُ مرمى الزبالةِ، بفتح الباء وضمها.
(و) لا تصحُّ تعبَّدًا في (الحُشِّ) بفتح الحاء وضمها. ولو (^٤) مع طهارتِه من النجاسةِ. وهو لغةً: البستانُ، ثمَّ أُطلِقَ على محلِّ قضاءِ الحاجةِ؛ لأنَّ العربَ كانوا يقضون حوائِجَهم في البساتين، وهي الحشوشُ، فسُمِّيتِ الأخليةُ في الحضرِ حُشوشًا لذلك.
(و) لا تصحُّ تعبَّدًا في (أعطانِ الإبلِ): واحدُها: عطَنٌ -بفتح الطاء- وهي المعاطنُ. وهي: ما تقيمُ فيها الإبلُ، وتأوي إليها. قاله الإمامُ أحمدُ رضي اللَّه تعالى
_________________
(١) في الأصل: "ومَصبَعةٌ ".
(٢) في الأصل: "الصباغ" وانظر: "دقائق أولي النهى" (١/ ٣٣٢).
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٢).
(٤) سقطت "ولو" من الأصل.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وقارِعة الطريقِ، والحمَّامُ،
عنه. وقيل: مكانُ اجتماعِها إذا صدرتْ عن المنهلِ.
أما منعُ الصَّلاةِ في الحش: فإنَّه لما منعَ الشرعُ من ذكرِ اللهِ تعالى، والكلامِ فيه، كان منعُ الصَّلاةِ فيه من بابِ أَوْلى.
وأما منعُها في أعطانِ الإبلِ: فلِما روى البراءُ بنُ عازبٍ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "صلُّوا في مرابضِ الغنمِ، ولا تصلُّوا في مباركِ الإبلِ ". رواه أحمدُ وأبو داودَ (^١). ولا فرقَ في المعاطنِ بين أنْ يكونَ فيها إبلٌ عند الصَّلاةِ أو لا، ولا كونِ المعاطنِ طاهرةً أو نجسةً. فأمَّا المواضعُ التي تبيتُ فيها الإبلُ في مسيرِها، أو تُناخُ فيها لعلفِها، أو ورودِها الماءَ، فلا يُمنعُ من الصَّلاةِ فيها.
(و) لا تصحُّ تعبُّدًا في (قارعةِ الطريقِ) أي: المكانِ التي تقرعُها الأقدامُ من الطريقِ، لما روى ابنُ عمرَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "سبعُ مواطنَ لا تجوزُ فيها الصَّلاةُ: ظهرُ بيتِ اللهِ، والمقبرةُ، والمزبلةُ، والمجزرةُ، والحمامُ، وعطنُ الإبلِ، ومحجَّةُ الطريقِ ". رواه ابنُ ماجه والترمذيّ (^٢)، وقال: ليس إسنادُه بالقويِّ. وقدْ رواه الليثُ بنُ سعدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ العُمريِّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا
(و) لا تصحُّ تعبُّدًا في (الحمَّام) وما يتبعُه في بيعٍ، لتناولِ الاسمِ له.
ولا فرقَ بين مكانِ الغسلِ، والمَسلَخ (^٣)، والأَتُّونِ (^٤)، وكلِّ ما يُغلقُ عليه بابُ
_________________
(١) أخرجه أحمدُ (٣٠/ ٦٣١) (١٨٧٠٣)، وأبو داودَ (١٨٤)، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه ابنُ ماجه (٧٤٦)، والترمذيُّ (٣٤٦)، وضعفه الألباني.
(٣) المسلخ: الذي تنزعُ فيه الثياب. "المطلع" ص (٤٢).
(٤) الأتون: المَوقَدُ الكبيرُ، كموقَد الحمَّام، والجصَّاص، وتشدد التاء. "المعجم الوسيط": (أتن).
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأسطحةُ هذهِ مثلُها.
ولا يصحُّ الفرضُ في الكعبةِ
الحمامِ. والدليلُ على عدمِ صحةِ الصَّلاةَ في المقبرةَ والحمامِ، قولُ النبيِّ -ﷺ-: "الأرضُ كلُّها مسجدٌ، إلا الحمامَ والمقبرةَ". رواه أبو داودَ (^١).
(وأسطحةُ هذه مثلُها) أي: أسطحةُ المواضعِ التي قلنا بعدمِ الصِّحةِ فيها، فإنَّ أسطحةَ مواضعِ النهي، كهي عندَ أحمدَ، وأكثرِ الأصحابِ؛ لأنَّ الهواءَ تابعٌ للقرارِ؛ بدليلِ أنَّ الجنبَ يُمنعُ من اللبثِ على سطحِ المسجدِ، ويحنثُ بدخولِ سطحِ الدارِ الذي حلف لا يدخلُها (^٢).
وما في المتنِ هو المذهبُ، واختارَه أكثرُ الأصحابُ. وعنه: تصح على أسطحتِها، وإنْ لمْ نصحِّحها في داخلِها.
(ولا يصحُّ الفرضُ في الكعبةِ) وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: يصحُّ؛ لأنَّه مسجدٌ، ومحلٌّ لصَّلاةِ النفلِ، فكانَ محلًّا للفرضِ، كخارجِها. وهو أيضًا روايةٌ عن أحمدَ.
ولنا على المذهبِ: قولُه ﷾: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤] والشطرُ: الجهةُ. والمصلِّي فيها، أو على سطحِها، غيرُ مستقبلٍ لجهتِها. ولأنَّه يكونُ مستدبرًا من الكعبةِ ما لو استقبلَهُ منها وهو خارجُها صحَّتْ صلاتُه. ولأنَّ النهيَ عن الصَّلاةِ على ظهرِها قدْ وردَ صريحًا في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فيما سبقَ (^٣)، وفيه تنبيهٌ على النهي عن الصَّلاةِ فيهما؛ لأنَّهما سواءٌ في المعنى.
_________________
(١) أخرجه أبو داودَ (٤٩٢) من حديث أبي سعيدٍ. وصححه الألباني.
(٢) انظر "المبدع" (١/ ٣٩٦).
(٣) يشير إلى حديث ابن عمر المتقدم: "سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها .. إلخ ".
[ ١ / ٢٦٧ ]
-والحِجْرُ مِنها- ولا على ظَهرِهَا، إلَّا إذا لم يَبْقَ وراءَة شيءٌ.
والجدارُ لا أثرَ له؛ إذ المقصودُ: البقعةُ، بدليلِ أنَّه يصلِّي إلى البقعةِ حيث لا جدارَ.
(والحِجرُ منها) أي: من الكعبةِ. نصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ رضيَ اللهُ تعالى عنه. وقدرُه: ستةُ أذرعٍ وشيءٌ.
قال الشيخُ تقيُّ الدينِ (^١): والحِجرُ جميعُه ليسَ من البيتِ، وإنَّما الداخلُ في حدِّ البيتِ، ستَّةُ أذرعٍ وشيءٌ. فمنِ استقبلَ ما زادَ على ذلك، لم تصحَّ صلاتُه إليه.
قال ابنُ قندس: وما ذكروه في الطوافِ من أنَّه إذا طافَ على جدارِ الحِجرِ، أنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّه لم يكنْ طافَ بجميعِ البيتِ. ويجيءُ على قولِ ابنِ العباسِ، أنَّه لو تركَ من الحِجرِ القدرَ الزائدَ على الستةِ أذرعٍ وشيءٍ في الطوافِ، أنَّه يصحُّ. وهذا قدرُ الحِجرِ من جهةِ البيتِ إلى مقابلِهِ، أما من الجهتين الأخيرتين، فهو على مسامتةِ البيتِ.
ويصحّ التوجُّهُ إليه مطلقًا. أي: سواءٌ كان المتوجِّهُ مكِّيًا أو غيرَه، وسواءٌ كانتْ نفلًا الصَّلاةُ، أو فرضًا. وقيلَ: لا يصحُّ التوجُّه إليه مطلقًا. وجزمَ به أبو المعالي في المكيِّ.
والفرضُ في الحِجر كداخلِها. قال أحمدُ رضي اللَّه تعالى عنه: الحِجرُ من البيتِ
(ولا) تصحُّ الصَّلاةُ (على ظهرِها) لأنَّه لم يصلِّ إليها. (إلا إذا لم يبقَ وراءَه شيءٌ) أي: المصلِّي على ظهرِها. أو وقفَ خارجَها، وسجدَ فيها، فإنَّ صلاةَ
_________________
(١) "الاختيارات الفقهية" ص (٤٩).
[ ١ / ٢٦٨ ]
ويصحّ النَّذرُ فيها، وعليها، وكذا النفلُ، بل يُسنُّ فيها.
الفرضِ صحيحةٌ على الصحيحِ من المذهبِ.
(ويصحُّ النذرُ فيها، و) يصحُّ (عليها) ولو لم يكنْ بين يديه شاخصٌ متصلٌ بها. قال بعضُهم: وظاهرُه: لا يصحُّ فيها النذرُ المطلقُ.
(وكذا) يصحُّ (النفلُ، بل يُسنُّ فيها) أي: في الكعبةِ. ووجهُ الصحةِ: ما روى ابنُ عمرَ رضي اللَّه تعالى عنهما قال: دخلَ رسولُ اللهِ -ﷺ- البيتَ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وبلالٌ، وعثمانُ بنُ طلحةَ، فأغلقوا عليهم، فلمَّا فتحوا، كنتُ أوَّلَ مَنْ ولَجَ، فلقيتُ بلالًا، فسألتُه: هلْ صلَّى رسولُ اللهِ -ﷺ- في الكعبةِ؟ قال: ركعتينِ بين الساريتينِ، عن يسارِكَ إذا دخلتَ، ثمَّ خرجَ فصلَّى في وجهِ الكعبةِ ركعتين. رواه الشيخان (^١)، واللفظُ للبخاريِّ.
فإن قيل: روى الشيخان (^٢) عن أسامةَ، والبخاريُّ (^٣) عن ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يصل في الكعبةِ.
فالجوابُ: أنَّ الدخولَ كان مرتين، فلثم يصل في الأولى، وصلَّى في الثانيةِ. كذا رواه الإمامُ أحمدُ في "مسنده". وذكرَه (^٤) ابنُ حبانَ في "صحيحه".
وعلى القولِ بصحةِ صلاةِ النافلةِ فيها وعليها، محلُّه: ما لمْ يسجدْ على منتهاها، فلا تصحُّ صلاتُه مطلقًا؛ لأنَّه لم يصل إلى شيءٍ من الكعبةِ.
لكنْ إنْ كان النفلُ بما يشرعُ له الجماعةُ، وكانتْ تفوت بفعلِ ذلك فيها، فإن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩٧)، ومسلم (١٣٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٣٠) من حديث أسامة. ولم أجده عند البخاري.
(٣) أخرجه البخاري (٣٩٨).
(٤) في الأصل: "وذكر".
[ ١ / ٢٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلها خارجها أفضل، وإلا كان الأفضل فعله فيها.
وظاهرُه: لا فرقَ بين النذرِ المطلقِ والمقيدِ. وفي "الاختيارات": النذرُ المطلقُ يُحذَى به حَذْوَ الفرائضِ.
"فائدةٌ": تُكره الصَّلاةُ بأرضِ الخسفِ. وكذا كلّ بقعةٍ نزلَ بها عذابٌ، وأرضُ بابلَ، ومسجدُ الضِّرارِ.
وتُكره الصَّلاةُ أيضًا في مقصورةٍ تُحمى، نصّ على ذلك. قال ابنُ عقيلٍ: إنما كَرِه المقصورةَ؛ لأنَّها كانت تختصُّ بالظلمةِ وأبناءِ الدنيا، فكُرِه الاجتماعُ بهم. قال: وقيل: كرِهَها، لقصورِها على أتباعِ السلطانِ، ومنعِ غيرِهم، فتصيرُ كالموضعِ الغصبِ.
وتصحّ بأرضِ السِّباخِ، على الصحيحِ من المذهبِ، نصَّ على ذلك. قال في "الرعاية": مع الكراهةِ. وعنه: لا تصحّ. قال في "الرعاية": إنْ كانتْ رطبةً.
"فائدةٌ ثانيةٌ": وتصحّ الصَّلاةُ في البِيعَةِ والكنيسةِ، بلا كراهةٍ. قال في "الإنصاف" (^١): وله دخولُ بِيعَةٍ وكنيسةٍ، والصَّلاةُ فيهما، من غيرِ كراهةٍ، على الصحيح من المذهبِ. وعنه: يُكره؛ لعمومِ قولِه ﵊: "جعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا" (^٢). ولما روى حربٌ، عن عمر بنِ الخطابِ رضي اللهُ تعالى عنه، أنَّه صلَّى في كنيسةٍ بالشامِ. ودعوى أنَّ في ذلك تعظيمًا لهما، لا تصحّ، بلْ لصلاتِنا فيها إلى قبلتِنا بصفةِ شرعنا تركٌ لتعظيمِهما.
"فائدةٌ ثالثةٌ": لو أسلمَ أهلُ بلدِ كفرٍ، جازَ أنْ يتخذوا متعبداتِهم مساجدَ. انتهى.
_________________
(١) "الإنصاف" (٣١٣١٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر.
[ ١ / ٢٧٠ ]
الثامن: استقبالُ القِبلَةِ
(الثامنُ) من شروطِ الصَّلاةِ: (استقبالُ القبلةِ) لقولِه تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤] قال عليٌّ: شطرُه قِبَلُه. ولقولِهِ ﵇: "إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ، فأسبغِ الوضوءَ، ثمَّ استقبلِ القبلةَ" (^١). ولحديثِ ابنِ عمرَ في أهلِ قُباءَ، لمَّا حُوِّلتِ القبلةُ. متفقٌ عليه (^٢): قال ابنُ عمرَ: بينما الناسُ بقُباءَ في صلاةِ الصبحِ، إذ جاءَهم آتٍ، فقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قدْ أُنزل عليه قرآنٌ، وقدْ أُمِرَ أنْ يستقبلَ القبلةَ، فاستقبلُوها. وكانت وجوههُم إلى الشامِ، فاستداروا إلى الكعبةِ.
قال الواحديُّ: القِبلةُ: الوجهةُ، وهي الفعلةُ من المقابلةِ، والعربُ تقولُ: ما له قِبلةٌ ولا دِبْرَةٌ. إذا لم يهتد لجهةِ أمرِه.
وأصلُ القبلةِ في اللغةِ: الحالةُ التي يقابلُ الشيءُ غيرَه عليها، كالجلسةِ، للحالة التي يجلسُ عليها، إلا أنَّها صارتْ كالعَلَمِ للجهةِ التي يستقبلُها المصلِّي.
وسُمِّيتْ قِبلَةً، لإقبالِ النَّاسِ عليها. أو لأنَّ (^٣) المصلِّيَ يقابلُها، وهي تقابلُه.
"فائدةٌ": صلَّى النبيُّ -ﷺ- إلى بيتِ المقدسِ، عشرَ سنين بمكةَ. جزمَ به القاضي في "شرح الخرقي الصغير" والسامريّ في " المستوعب ". وهي المدَّةُ التي أقامَها بمكَّةَ بعدَ البعثةِ، بناءً على حديثِ أنسٍ ﵁ قال: بعثَهُ اللهُ على رأسِ أربعين سنةً، فأقامَ بمكَّةَ عشرَ سنين، وبالمدينةِ عشر سنين (^٤) .. الحديث (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٥١)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦).
(٣) في الأصل: "ولأن".
(٤) في الأصل: "عشرين".
(٥) أخرجه البخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٢٣٤٧).
[ ١ / ٢٧١ ]
مَعَ القُدرةِ.
وما ذكروه من أنَّه كان يصلِّي بمكَّةَ قبل الهجرةِ إلى بيتِ المقدسِ، هو أحدُ أقوالٍ ثلاثةٍ.
قال الفخر الرازي في تفسيرِه (^١)، اختلفوا في صلاتِه إلى بيتِ المقدسِ:
فقال قومٌ: كان بمكَّةَ يصلِّي إلى الكعبةِ، فلمَّا صار إلى المدينةِ، أُمرَ بالتوجهِ إلى بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا.
وقال قومٌ: بل كان بمكةَ يصلِّي إلى بيتِ المقدسِ، إلا أنَّه يجعلُ الكعبة (^٢) بينه وبينها
وقال قومٌ: بلْ كان يصلِّي إلى بيتِ المقدسِ فقط بمكَّةَ، وبالمدينةِ أولًا سبعةَ عشرَ شهرًا، ثمَّ أمرَه اللهُ تعالى بالتوجهِ إلى الكعبةِ؛ لما فيه من الصَّلاحِ.
واختُلِفَ: هل كان شروعُ التوجهِ إلى بيتِ المقدسِ بالمدينةِ بالسُّنَّةِ، أو القرآنِ؟ على قولين، ذكرَهما القاضي. وذكرَ ابنُ الجوزيِّ، عن الحسنِ وأبي العاليةِ والربيعِ وعكرمةَ: أنَّه كان برأيه (^٣) واجتهادِه.
ومحلُّ كونِ استقبالِ القبلةِ شرطٌ للصلاةِ (مع القدرةِ) عليه، فإنْ عجزَ عنه، كالمربوطِ (^٤)، والمصلوبِ إلى غيرِ القبلةِ. والعاجزِ عن الالتفاتِ إلى القبلةِ لمرضٍ، أو منعِ مشركٍ ونحوِه عند التحامِ الحربِ، أو هروبٍ من عدوٍّ، أو سيلٍ، أو سبع، ونحوه، سقطَ الاستقبالُ، وصلَّى على حالِهِ، لحديثِ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه
_________________
(١) في الأصل: "تفسير". وانظر "تفسير الرازي" (٩٣١٤).
(٢) في الأصل: "القبلة".
(٣) في الأصل: "يريد".
(٤) في الأصل: "بالمربوط".
[ ١ / ٢٧٢ ]
فإن لم يجدْ مَنْ يُخبِرُه عنها بيقينٍ،
ما استطعْتُم" (^١).
ويُستثنى من حالةِ القدرةِ: ما أشارَ إليها صاحبُ الأصلِ بقولِهِ: "إلَّا في نفلِ مسافرٍ، ولو ماشيًا، سفرًا مباحًا، ولو قصيرًا". لكنْ إنْ كان ماشيًا، فعليه الاستقبالُ عند الإحرامِ فقط، إنْ أمكنَ بلا مشقَّةٍ.
قال في "الشرح الكبير" (^٢): ولا فرقَ بين النوافلِ المطلقةِ، والسنن الرواتبِ، وسجودِ التلاوةِ، وغيرِها؛ لأنَّه ﵇ كان يوترُ على بعيرِه. متفقٌ عليه (^٣).
وعُلِمَ بهذا: أنَّ استقبالَ (^٤) القبلةِ يُشترطُ للفرضِ مطلقًا، وللنافلةِ في الحضرِ، لأنَّه لم يُنقلْ عنه ﵊ الفرضُ في السفرِ وغيرِه، إلا إلى القبلةِ، إلا في صلاةِ الخوفِ، ولا صلاةُ النافلةِ (^٥) في الحضرِ إلى غيرِها.
(فإنْ لم يجدْ مَنْ يُخبرُه عنها) أي: عن القبلةِ. بإخبارِ مسلمٍ مكلَّفٍ عدلٍ ظاهرًا وباطنًا، حرًّا كان أو عبدًا، رجلًا أو امرأةً (بيقينٍ) مثلَ أن يقولَ: إنَّ الضمسَ تطلُعُ، أو تغربُ من جهةٍ عَيَّنَها، فيعلمُ أنَّ الجهةَ بينها وبين مقابلتِها، مثلًا. أو يخبرَه أنَّ النجمَ الذي تجاهَهُ الجديُ، فيعلمُ محلَّ القبلةِ منه ونحوِه، لزِمَه العملُ به، ولا يجتهدُ، كالحاكمِ يقبلُ النَّصَ من الثقةِ، ولا يجتهدُ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يُقبل خبرُ كافرٍ، ولا غيرِ مكلَّفٍ، ولا فاسقٍ، لكن يصحُّ التوجُّهُ
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) "الشرح الكبير" (٣٢٤١٣).
(٣) أخرجه البخاري (٩٩٩)، ومسلم (٧٠٠) من حديث ابن عمر.
(٤) في الأصل: "الاستقبال".
(٥) في الأصل: "للنافلة".
[ ١ / ٢٧٣ ]
صلَّى بالاجتهاد، فإن أخطأَ فلا إعادةَ.
إلى قبلتِهِ في بيتِهِ. ذكرَهُ في "الإشارات"، وجزمَ به في "المبدع". قال في "الرعاية الكبرى": قلتُ: وإن كانَ هو عملها، فهو كإخبارِه. انتهى (^١).
(صلَّى بالاجتهادِ) إنْ كانَ عارفًا بالأدلَّةِ، وإلا قلَّدَ.
ويُستحبُّ تعلمُ أدلَّةِ القبلةِ والوقتِ. وقال أبو المعالي: ويتوجَّه: وجوبُه. وقدَّمه في "المبدع" (^٢)، فقال: ويجبُ على مَنْ يريدُ السفرَ تعلُّمُ ذلك.
وكلُّ مَنْ صلَّى قبلَ فعلِ ما يجبُ من استخبارٍ، أو اجتهادٍ، أو تقليدٍ، أو تحرٍ، فعليه الإعادةُ، وإنْ أصابَ القبلةَ؛ لتفريطِه بتركِ ما وجبَ عليه
(فإنْ أخطأ فلا إعادةَ عليه) لأنَّه أتى بالواجبِ عليه على وجهِه، مع عدمِ تفريطِه، فسقطَ عنه. ولأنَّ خفاءَ القبلةِ في الأسفارِ يقعُ كثيرًا؛ لوجودِ الغيومِ وغيرِها من الموانعِ، فإيجابُ الإعادةِ مع ذلك فيه حرجٌ، وهو منتفٍ شرعًا.
والفرضُ في القبلةِ: إصابةُ الجهةِ بالاجتهادِ، ويُعفى عن الانحرافِ قليلًا يمنةً أو يسرةً، لمَنْ بَعُدَ عنها. أي: عن الكعبةِ. وهو مَنْ لمْ يقدرْ على المعاينةِ للكعبةِ، ولا على من يخبرُه عن علمٍ؛ لما روى أبو هريرةَ ﵁، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلةٌ". رواه ابنُ ماجه والترمذيُّ (^٣) وصحَّحه. ولأنَّ الإجماعَ انعقدَ على صحةِ صلاةِ الاثنين المتباعدين (^٤) يستقبلانِ قبلةً واحدةً. وعلى صحةِ
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٢٢٧).
(٢) "المبدع" (١/ ٤٠٦).
(٣) أخرجه ابنُ ماجه (١٠١١)، والترمذيُّ (٣٤٢)، وصححه الألباني.
(٤) في الأصل: "المتقاعدين".
[ ١ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلاةِ الصفِّ الطويلِ على خطِّ مستوٍ، لا يقالُ: مع البعدِ يتسعُ المحاذي؛ لأنَّه إنما يتسعُ مع التقوسِ، لا مع عدمِه.
سوى المشاهِدِ لمسجدِ النبيِّ - ﷺ -، والقريبِ منه، ففرضُه: إصابةُ العينِ؛ لأنَّ قبلتَه متيقَّنةُ الصَّحةِ؛ لأنَّه -ﷺ- لا يُقَرُّ على الخطأ. وقد روى أسامة بن زيد أن النبي -ﷺ- ركع ركعتين قِبلَ القبلةِ، وقال: "هذه القبلةُ" (^١).
لكنْ قال في "الشرح" (^٢): في قولِ الأصحابِ نظرٌ؛ لأنَّ صلاةَ الصفِّ المستطيلِ في (^٣) مسجدِ النبيِّ -ﷺ- صحيحةٌ مع خروجِ بعضِهم عن استقبالِ عين الكعبةِ، لكونِ الصفِّ أطولَ منها. وقولُهم: إنَّه ﵇ لا يُقَرُّ على الخطأ. صحيحٌ، لكنْ إنَّما الواجبُ عليه استقبالُ الجهةِ، وقدْ فعلَهُ. وهذا الجوابُ عن الحديثِ المذكورِ. انتهى.
وأجابَ ابنُ قندس (^٤): بأنَّ استقبالَ الجهةِ إنَّما يجبُ عند تعذرِ إصابةِ العينِ، وهو ﵇ متمكِّنٌ من ذلك بالوحي. بلْ ذكرَ القاضي عياضٌ في البابِ الثاني من "الشفاء": أنَّهُ رفعتْ له الكعبةُ، حين بنى مسجدَه - ﷺ -. انتهى.
لكنْ هذا الجوابُ لا يزيلُ النظرَ المذكورَ، اللهمَّ إلا أنْ يقالَ: مرادُ الأصحابِ بإلحاقِهم المذكورِ: أنَّ مَن بمسجدِه -ﷺ- كمَنْ بمكَّةَ، في أنَّه يضرُّ انحرافُه يمنةً
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣٣٠). وأخرجه البخاري (٣٩٨) عن ابن عباس.
(٢) "الشرح الكبير "٣/ ٣٣٠).
(٣) في الأصل: "من".
(٤) انظر "حاشية الفروع" (٢/ ١٢٢).
[ ١ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويسرةً عن محرابِه -ﷺ-، بخلافِ غيرِه ممَّن بَعُدَ، فلا يضرُّ انحرافُه. ذكرَهُ الشيخُ منصورٌ في "شرحِه" على "الإقناع" (^١).
وأصحُّ الأدلةِ في القبلةِ والوقتِ: النجومُ. والاستدلالُ على النجومِ بالآلاتِ الفلكيةِ، مثلُ ربعِ الدائرةِ المقنطراتِ والمجيبِ، ونصفِ دائرةِ المعدلِ، وبيتِ الإبرةِ، وغيرِ ذلك مما هو مشهورٌ عندَ علماءِ الوقتِ والهندسةِ، ومسطورٌ في كتبِهم.
قال في متنِ "المنتهى" و"الإقناع " (^٢): وأثبتُها: القطبُ الشمالي؛ لأنَّه لا يزولُ عن مكانِه، ويمكنُ كلَّ أحدٍ معرفتُه. ثمَّ الجديُ: نجمٌ نيِّرٌ. بينهما سبعُ درجٍ، حولَهُ أنجمٌ دائرةٌ، كفراشةِ الرَّحى، في أحدِ طرفيها الفرقدان، وفي الطرقِ الأخرى الجديُ. وهو من الثوابتِ يُستدلُ بها على أوقاتِ الليلِ (^٣) وساعاتِه. وقدْ عملتُ رسالةً في معرفةِ أوقاتِ الليلِ بالكواكبِ الثابتةِ وحركتِها إلى وقتِنا هذا، من " أصول زيج الغابيك" (^٤) ﵀. وعملتُ رسالةً أيضًا في وضعِ الأرباعِ، وهو ربعُ المقنطراتِ والمجيبِ، ورسالةً في معرفةِ العملِ بهم، وذكرتُ فيها فوائدَ جمَّةً، وقدْ حصلَ الانتفاعُ بهم، وللهِ الحمدُ. ولولا خوفُ الإطالةِ، لذكرتُ فوائدَ في معرفةِ الوقتِ والقبلةِ بالأمورِ الحسابيةِ، والأشكالِ الهندسيةِ، التي هي أصحُّ شيءٍ في ذلك، ويُعتمدُ عليها.
_________________
(١) "كشاف القناع" (٢/ ٢٢٧).
(٢) "منتهى الإرادات" (١٩١)، "الإقناع" (١/ ١٥٦)، وانظر "كشاف القناع" (٢/ ٢٣٠).
(٣) في الأصل: "الليل والنهار".
(٤) أظنه يريد: أصول زيج الغا بيلث السمرقندي العجمي.
[ ١ / ٢٧٦ ]
التاسعُ: النيَّةُ،
"فائدةٌ": لو صلَّى مَنْ فرضُه الاجتهادُ بغيرِ اجتهادٍ، ثمَّ بانَ مصيبًا، لزِمَه الإعادةُ، على الصحيحِ من المذهبِ. وقيل: لا يلزمُه. ذكرَهُ في "الإنصاف" (^١).
(التاسعُ) من شروطِ الصَّلاةِ: (النيةُ) النيةُ بالتشديد، وحُكِيَ فيها التخفيفُ.
وهي في اللغةِ: القصدُ. وهو عزمُ القلبِ على الشيءِ. يقالُ: نواكَ اللهُ بخيرٍ، أي: قصدَك به.
ومحلُّها: القلبُ، والتلفظُ بها ليس بشرطٍ، إذ (^٢) الغرضُ جعلُ العبادةِ للهِ تعالى.
وتقدَّمَ في الوضوءِ بعضُ ما يتعلَّقُ بها، وحكمُ التلفظِ بها. ولا يضم سبقُ لسانِه بغيرِ قصدِه. وتلفُّظُه بما نواه تأكيدٌ.
وشرعًا: العزمُ على فعلِ الشيءِ، من عبادةٍ وغيرِها. ويزادُ: في عبادةٍ، تقربًا إلى اللهِ تعالى، بأنْ يقصدَ بعملِه اللهَ تعالى، دونَ شيءٍ آخرَ من تصنعٍ لمخلوقٍ، أو اكتسابِ محمدةٍ عند النَّاس، أو محبةِ مدحٍ منهم، أو نحوِه. وهذا هو الإخلاصُ.
وقال بعضُهم: هو تصفيةُ الفعل عن ملاحظةِ المخلوقين.
وقال آخر: هو التوقِّي عن ملاحظةِ الأشخاصِ. وهو قريبٌ من الذي قبلَه.
وقال آخر: هو أنْ يأتيَ بالفعلِ، لداعيةٍ واحدةٍ، ولا يكونُ لغيرِها من الدَّواعي تأثيز في الدُّعاءِ إلى ذلك الفعلِ. وفي الخبرِ: "الإخلاصُ سرٌّ من سرِّي، استودعتُه قلبَ من أحببتُه من عبادي" (^٣).
ودرجاتُ الإخلاصِ ثلاثةٌ:
_________________
(١) "الإنصاف" (٣/ ٣٥٨).
(٢) في الأصل: "إذا".
(٣) ذكره الغزالي في "الإحياء" (٤/ ٣٧٦) عن الحسن مرسلًا. قال الحافظ العراقي في تخريجه:=
[ ١ / ٢٧٧ ]
ولا تسقُطُ بحالٍ.
عليا: وهي: أن يعملَ العبدُ للهِ وحدَهُ، امتثالًا لأمرِه، وقيامًا بحقِّ عبوديتِه.
ووسطى: وهي (^١) أنْ يعملَ لثوابِ الآخرةِ.
ودنيا: وهي: أنْ يعملَ للإكرامِ في الدنيا، والسَّلامةِ من آفاتِها.
وما عدا الثلاثِ من الرياءِ، وإن تفاوتتْ أفرادُه. ولهذا قالَ أهلُ السنَّةِ (^٢): العبادةُ ما وجبتْ لكونِها مفضيةً إلى ثوابِ الجنَّةِ، أو إلى البعدِ من عقابِ النَّارِ، بلْ لأجلِ أنَّك عبدٌ، وهو ربٌّ. هذا ملخصُ كلامِ الشمسِ العلقميِّ في "حاشية الجامع الصغير".
(و) هي شرطٌ (لا تسقُطُ بحالٍ) لقولِه ﷾: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيّنَة: ٥] ولقولِ النبيِّ ﵇: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" متفقٌ عليه (^٣). ولأنَّها قربةٌ محضةٌ، فاشترطَ لها النية، كالصومِ. وعنه: أنَّها فرضٌ. وقيلَ: هي ركنٌ.
_________________
(١) = رويناه في جزء من "مسلسلات القزويني" مسلسلًا، يقول كل واحد من رواته: سألتُ فلانًا عن الإخلاص؟. فقال: وهو من رواية أحمد بن عطاء الهجيمي، عن عبد الواحد بن زيد عن الحسن عن حذيفة عن النبي -ﷺ-، عن جبريل، عن اللَّه تعالى. وأحمد بن عطاء وعبد الواحد كلاهما متروك. وهما من الزهاد. ورواه أبو القاسم القشيري في "الرسالة" من حديث علي بن ألي طالب بسند ضعيف. انتهى. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (٦٣٠).
(٢) سقطت: "وهي" من الأصل.
(٣) في نسبة هذا القول لأهل السنة نظر! وقد قال اللَّه تعالى عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وانظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١٠/ ٦٩٩)، و"مدارج السالكين" (٢/ ٧٧).
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ومحلُّها القلبُ. وحقيقتُها: العزئم على فِعلِ الشيء.
(ومحلُّها القلبُ) وجوبًا، واللِّسانُ استجابًا (^١)، على ما تقدَّمَ.
وزمنُها: مع أوَّلِ واجبِ، أو قبلَه بيسيرٍ.
وكيفيتُها: الاعتقادُ في القلبِ. قالَ في "الاختياراتِ" (^٢): النيةُ تتبعُ العلمِ، فمَنْ علِمَ ما يريدُ فعلَه، قصدَه ضرورةً. ويحرُمُ خروجُه؛ لشكِّه في النيةِ، لعلمِه أنَّه ما دخلَ إلا بالنيةِ.
(وحقيقتُها: العزمُ على فعلِ الشيءِ) ويجبُ استصحابُ حكمِها إلى آخرِ الصَّلاةِ، دونَ ذكرِها. فلو ذهلَ عنها، أو عزَبَتْ عنه في أثناءِ الصَّلاةِ، لم تبطُلْ؛ لأنَّ التحرُّزَ من هذا غيرُ ممكنٌ، وقياسًا على الصومِ وغيرِه.
وقدْ روى مالكٌ في "الموطأ" (^٣): أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ، أدبرَ الشيطانُ وله حُصاصٌ (^٤)، فإذا قُضي التثويبُ، أقبلَ حتى يخطرَ بين المرءِ ونفسِه، يقول: اذكرْ كذا، اذكرْ كذا (^٥)، حتى يظلَّ أحدُكم إنْ يدري كمْ صلَّى". وإنْ أمكنَهُ استصحابُ ذكرِها، فهي أفضلُ.
وتبطُلُ النيةُ بفسخٍ في أثناءِ الصَّلاةِ. وتبطل النية أيضًا بتردد فيه، أي: في الفسخ في أثناء الصلاة؛ لأنَّ استدامةَ النيةِ شرطٌ لصحتِها، ومع التردُّدِ تبطُلُ الاستدامةُ.
_________________
(١) تكررت: "ومحلُّها القلبُ وجوبًا، واللسانُ استحبابًا" في الأصل بعد أربعة أسطر.
(٢) "الاختياراتِ" ص (٤٩).
(٣) أخرجه مالك (١/ ٦٩)، وأخرجه البخاري (٦٠٨)، ومسلم (٣٨٩) من حديث أبي هريرة.
(٤) الحُصاص: شدة العَدْوِ وحِدَّتُه. وقيل: هو أن يَمْصَع بذَنَبه ويَصُرَّ بأُذُنَيْه ويَعْدُو. وقيل هو الضُّراط. "النهاية" (٣٩٦١١).
(٥) سقطت: "اذكرْ كذا" من الأصل.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وشرطُها: الإسلامُ، والعقلُ، والتَّمييزُ.
وزمنُها: أوَّلُ العبادةِ، أو قُبيلَهَا بيَسيرٍ،
وتبطُلُ أيضًا بعزمٍ على فسخِها؛ لأنَّ النيةَ عزمٌ جازمٌ، ومع العزمِ على فسخِها لا جزمَ، فلانيةَ.
ولا تبطُلُ النيةُ بالعزمِ على فعلِ محظورٍ في الصَّلاةِ، كما لو عزمَ على أنْ يتكلَّمَ في الصَّلاةِ، ولم يتكلمْ، أو فِعْلِ مبطلٍ لها من حدثٍ وغيرِه، ولم يفعلْ، لعدمِ منافاةِ الجزمِ المتقدِّمِ؛ لأنَّه قد يفعلُ المحظورَ الذي نواه، وقدْ لا يفعلُه، ولا مناقضَ في الحالِ للنيةِ المتقدِّمةِ، فتستمرُ إلى أنْ يوجدَ مناقضٌ.
وتبطلُ نيةُ الصَّلاةِ بشكِّه: هلْ نوى الصَّلاةَ أو لا؟ أو هلْ عيَّن ظهرًا أو عصرًا؟ أو هلْ عيَّن مغربًا أو عشاءً؟ فعمِلَ معه -أي: معَ الشكِّ- عملًا من أعمالِ الصَّلاةِ، كركوعٍ أو سجودٍ، أو رفعٍ منهما، ثمَّ ذكرَ أنَّه فعلَ ما شكَّ في وجودِه. ووجهُ بطلانِ نيتِه، لخلوِّ ما عملَه عن نيةٍ جازمةٍ. وهذا قولُ القاضي، وجزمَ به في "الكافي"، وهو ظاهرُ ما قدَّمَه في "شرح المقنع الكبير".
(وشرطُها) أي: النيةُ: (الإسلامُ) فلا تصحُّ من كافرٍ. (والعقلُ) فلا تصحُّ من مجنونٍ. (والتمييزُ) فلا تصح ممَّن دونَ التمييزِ.
(وزمنُها) أي: محلُّها: (أوَّلُ العبادةِ) التي يريدُ فعلَها (أو قبيلَها (^١) بـ) زمنٍ (يسيرٍ) أمَّا كونُ النيةِ تصحُّ مع تقدُّمِها بالزمنِ اليسيرِ، فلأنَّ تقدُّمَ نيةِ الفعلِ عليه، لا يخرجُه عن كونِه منويًا، ولا يخرجُ الفاعلَ عن كونِه ناويًا مخلصًا، كالصومِ. ولأنَّ النيةَ من شروطِ الصَّلاةِ، فجازَ تقدُّمُها، كبقيةِ الشروطِ. ولأنَّ في اعتبارِ المقارنةِ مشقَّةً وحرجًا، فوجبَ
_________________
(١) في الأصل: "قبلها".
[ ١ / ٢٨٠ ]
والأفضلُ قرنُهَا بالتكبير.
سقوطُ ذلك؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨].
"تنبيهٌ ": اشترطَ الخرقيٌّ -وتبِعَه في "المنتهى" و"الإقناع"- في (^١) التقديم: أنْ يكونَ بعد دخولِ الوقتِ في أداءٍ وراتبةٍ، ولم يفسخْها، مع بقاءِ إسلامِه؛ بأنْ لم يرتدَّ، صحَّتْ صلاته. وعليه شرَحَ ابنُ الزاغونيٌّ وغيرُه. وقالَهُ القاضي أبو يعلى، وولدُه أبو الحسينِ، وصاحبُ "المذهب" و"المستوعب" و"الرعايتين" و"الحاويين" وغيرهم. وجزمَ به في "الوجيز" وغيرِه.
وأكثرُ الأصحابِ لا يشترطون ذلك، وهو ظاهرُ كلامِ المصِّنف -أي: صاحبِ "المقنع"- هنا وغيرِه. قال الزركشيُّ: إمَّا لإمهالِهم له، أو اعتمادًا على الغالبِ. وظاهرُ ما قدَّمه في "الفروع ": لا يُشترطُ ذلك. قاله في "الفائق" بعدَ حكايةِ الخلافِ. قال القاضي: وقبلَ الوقتِ، لا يجوزُ. انتهى.
قلتُ: المسألةُ تحتملُ وجهين، اختارَ القاضي وغيرُه: عدمَ الجوازِ. وظاهرُ كلامِ غيرِهم: الجوازُ. لكنْ لمْ أرَ بالجوازِ تصريحًا. قالَهُ في "الإنصاف" (^٢).
(والأفضلُ قرنُها بالتكبيرِ) أي: تكبيرةِ الإحرامِ؛ لتكونَ النيةُ مقارنةً للعبادةِ، ولأنَّ في ذلك خروجًا من الخلافِ. وليستِ المقارنةُ بشرطٍ، على المذهبِ.
"تتمةٌ": لا يشترطُ في النيةِ إضافةُ الفعلِ إلى اللهِ تعالى؛ بأنْ يقولَ: للهِ. أو فريضةً للَّه، ونحوه؛ لأنَّ العباداتِ لا تكونُ إلا للهِ تعالى.
ولا عددُ الركعاتِ؛ بأنْ يقولَ: أصلِّي الفجرَ ركعتين، أو الظهرَ أربعًا. لكنْ لو
_________________
(١) سقطت: (في) من الأصل.
(٢) "الإنصاف" (٣/ ٣٦٥، ٣٦٦).
[ ١ / ٢٨١ ]
وشُرِطَ -مع نيَّةِ الصلاة- تعيينُ ما يُصلِّيهِ من ظُهرٍ، أو عَصرٍ، أو وترٍ، أو راتبةٍ، وإلَّا أجزأته نيَّةُ الصَّلاةِ.
ولا يُشتَرطُ تَعيينُ كَونِ الصَّلاةِ حاضِرَةً، أو قَضاءً، أو فرضًا.
نوى الظهرَ مثلًا ثلاثًا، أو خمسًا، لم تصحَّ؛ لأنَّه متلاعبٌ.
ولا أنْ يضيفَ إلى نيةِ الصَّلاةِ، نيةَ الاستقبالِ؛ بأنْ يقولَ: أصلِّي كذا مستقبلًا.
(وشُرِطَ -مع نيةِ الصَّلاةِ- تعيينُ ما يصلِّيه من ظهرٍ، أو عصرٍ، أو وترٍ، أو راتبةٍ) وتراويحَ، وضحى، واستخارةٍ، وتحيةِ مسجدٍ، فلابدَّ من التعيينِ في هذا كلِّه، لتتميَّزَ تلك الصَّلاةُ عن غيرِها، ولأنَّه لو كانتْ عليه صلواتٌ، فصلَّى أربعًا ينويها ممَّا عليه، فإنَّه لا يجزئُه إجماعًا. فلولا اشتراطُ التعيين لأجزأهُ
(وإلا) أي: وإنْ لم تكنْ الصَّلاةُ معينةً، كالنفلِ المطلقِ (أجزأتْه نيةُ الصَّلاةِ) لعدمِ التعيينِ فيها.
(ولا يشترطُ تعيينُ كونِ الصَّلاةِ حاضرةً، أو قضاءً، أو فرضًا) لأنَّه لا يختلف المذهبُ أنَّه لو صلَّاها ينويها أداءً، فبانَ وقتُها قدْ خرجَ، أنَّ صلاتَه صحيحةٌ، وتقعُ قضاءً. وكذلك لو نواها قضاءً، فبانَ فعلُها في وقتِها، وقعتْ أداءً. قالَهُ في "الشرح" (^١).
ولا يُشترطُ نيةُ قضاءٍ في صلاةٍ فائتةٍ. فلو قال مَنْ عليه الظهرُ قضاءً: أصلِّي الظهرَ فقط. كفَاهُ ذلك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُستعملُ بمعنى الآخرِ. يقالُ: قضيتُ الدَّينَ وأدَّيتُه. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٠٠] أي: أدَّيتمُوها. ولأنَّ أصلَ (^٢) إيجابِ ذلك يرجعُ إلى تعيين الوقتِ، وهو غيرُ معتبرٍ، بدليلِ أنَّه لا يلزمُ
_________________
(١) "الشرح" (٣/ ٣٦٢)، وانظر "كشاف القناع" (٢/ ٢٤٤).
(٢) في الأصل: "الأصل".
[ ١ / ٢٨٢ ]
وتُشترط نيةُ الإمامَةِ للإمامِ، والائتمامِ للمأمُومِ.
وتصِحُّ نيَّةُ المُفارَقةِ لكلٍّ مِنهُما لعُذرٍ يبيحُ تركَ
مَنْ عليه فائتةٌ تعيينُ يومِها، بلْ يكفيه: السابقةُ، والحاضرةُ.
ولا يُشترطُ نيةُ فرضيةٍ في فرضٍ، فلا يُعتبرُ أنْ يقولَ: أصلِّي الظهرَ فرضًا. ولا معاداةٍ فيما إذا كانتْ معادةً.
ويصحُّ قضاءٌ بنيةِ أداءٍ إذا بان (^١) خلافُ ظنِّه. ويصحُّ عكسُه (^٢) إذا بانَ خلافُ ظنِّه. ولا يصحُّ ذلك مع العلمِ، لتلاعبِه.
(وتُشترطُ نيةُ الإمامةِ للإمامِ) فرضًا كانتْ أو نفلًا. وإنَّما يتميزُ الإمامُ عن المأمومِ بالنيةِ، فكانتْ شرطًا لانعقادِ الجماعةِ.
(و) يُشترطُ نيةُ (الائتمامِ للمأموم) فرضًا كانتْ أو نفلًا. فينوي المأمومُ الائتمامَ، لقولِهِ ﵇: "وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (^٣). لأنَّ الجماعةَ تتعلَّقُ بها أحكامُ وجوبِ الاتباعِ، وسقوطِ السهوِ عن المأمومِ، وفسادِ صلاتِه بفساد صلاةِ إمامِه.
" تنبيهٌ ": فإن اعتقدَ كلٌّ من مصلِّيَيْنِ أنَّه إمامُ الآخرِ، أو اعتقدَ كلُّ منهما أنَّه مأمومُه، لم تصحَّ لهما. نصًّا؛ لأنَّه أمَّ مَنْ لمْ يأتمَّ به في الأولى، وائتمَّ بمنْ ليس بإمامٍ في الثانيةِ. وكذا إنْ عيَّن إمامًا أو مأمومًا، فأخطأ، لا إنْ ظنَّ.
(وتصحُّ نيةُ المُفارقةِ لكلٍّ منهما) أي: الإمامِ والمأمومِ (لعذرٍ يبيحُ تركَ
_________________
(١) في الأصل: "كان ".
(٢) أي: الأداء بنية القضاء.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٨٣ ]
الجَماعَةِ، ويقرأ مأمومٌ فارقَ في قيامٍ، أو يُكمِلُ، وبعدَ الفاتحةِ له الركوعُ في الحالِ.
ومن أحرَم بفرضٍ تمَّ قلَبه نفلًا، صحَّ
الجماعةِ) كتطويلِ إمامٍ، ومرضٍ، وغلبةِ نعاسٍ، وغلبةِ شيءٍ يفسدُ صلاتَهُ، كمدافعةِ أحدِ الأخبثينِ، أو خوفٍ على أهلٍ أو مالٍ، أو فوتِ رُفقةٍ، أو خرجَ من الصفِّ مغلوبًا لشدَّةِ زحامٍ، ولم يجدْ مَنْ يقفُ معه، ونحوه، صحَّ انفرادُه، فيتمُّ صلاتَه منفردًا؛ لحديث جابرٍ قالَ: صلَّى معاذٌ بقومِه، فقرأ سورةَ البقرةِ، فتأخرَ رجلٌ، فصلَّى وحدَهُ، فقيلَ له: نافقتَ. قال: ما نافقتُ، ولكنْ لآتينَّ رسولَ اللهِ -ﷺ-، فأخبرُه. فأتى النبيَّ -ﷺ-، فذكرَ له ذلك، فقال: "أفتانٌ أنتَ يا معاذُ". مرتين. متفقٌ عليه (^١). وكذا لو نوى الإمامُ الانفرادَ لعذرٍ.
فإنْ زالَ عذرُ مأمومٍ فارقَ إمامَه، فلَهُ الدخولُ معه. وفي "الفصول": يلزمُه، لزوالِ الرخصةِ.
(ويقرأُ مأمومٌ فارقَ) إمامَه (في قيامٍ) قبل أنْ يقرأَ، ليأتي بالقراءةِ المطلوبةِ (أو يُكمِلُ) على قراءةِ إمامِه، إنْ كان قرأَ البعضَ
(وبعدَ الفاتحةِ له) أي: المأمومِ المفارقِ (الركوعُ في الحالِ) لأنَّ قراءةَ إمامِه قراءة له.
(ومَنْ أحرمَ بفرضٍ) كظهرٍ أو عصرٍ (ثمَّ قلَبَه نفلًا) بأنْ فسخَ نيةَ الفرضيةِ، دونَ نيةِ الصَّلاةِ (صحَّ) مطلقًا. أي: سواءٌ كان صلَّى الأكثرَ منها، أو الأقلَّ، وسواءٌ كان لغرضٍ صحيحٍ، أو لا؛ لأنَّ النفلَ يدخلُ في نيةِ الفرضِ، أشبَهَ ما لو أحرمَ بفرضٍ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥).
[ ١ / ٢٨٤ ]
إن اتَّسعَ الوقتُ، وإلَّا لم يَصِحَّ، وبطَلَ فرضُه.
فبانَ قبلَ وقتِه. وكما لو قلَبَهُ لغرضٍ صحيحٍ. وإنْ ضاقَ الوقتُ، لزِمَه استئنافُ فرضِه.
وكُرِه قلبُه نفلًا لغيرِ غرضٍ صحيحٍ. قال العلامةُ الشيخُ مرعي (^١): ويتجهُ: ولو بوقتِ نهيٍّ.
وعن أحمدَ فيمَنْ صلَّى ركعةً من فرضٍ منفردًا، ثمَّ أُقيمتِ الصَّلاةُ جماعةً: أعجبُ إليَّ أن (^٢) يقطعَه ويدخلَ معهم. وعلى هذا: فقطعُ النفلِ أَوْلى.
ومحلُّ ذلك: (إن اتسعَ الوقتُ) للصَّلاةِ التي يقلبُها، ولصلاةِ الفرضِ.
وظاهرُهُ: أنَّه لو لم يتسعِ الوقتُ لذلك، أنَّه لا يصحُّ قلبُه نفلًا، فإنْ فعلَ بطلتْ صلاتُه. وإليه أشارَ بقولِه: (وإلا) بأنْ لم يتسعِ الوقتُ (لم يصحَّ) قلبُه نفلًا (وبطلَ فرضُه) الذي انتقلَ إليه. فإنْ قيلَ: ما المرادُ بالوقتِ المتسعِ: الوقتُ المختارُ، أو الوقتُ الذي يدركُها فيه كلَّها أداءً؟ فتأمَّلْ.
* * *
_________________
(١) "غاية المنتهى" (١/ ١٦٠).
(٢) سقطت: "أن" من الأصل.
[ ١ / ٢٨٥ ]