يلزمُ المريضَ أن يصلِّيَ المكتوبةَ قائمًا ولو مُستنِدًا، فإن لم يستطعْ فقاعدًا، فإن لم يستطِعْ فعلى جنبِه، والأيمنُ أفضلُ، ويُومِئُ بالرُّكوع وبالسجود ويجعلُهُ أخفَضَ،
(بابُ صلاةِ أهلِ الأعذارِ)
جمعُ عُذرٍ. وهم: المريضُ، والمسافرُ، والخائفُ، ونحوُهم.
(يلزمُ المريضَ أنْ يصلِّيَ المكتوبةَ قائمًا) إنْ قدِرَ عليه (ولو) كان (مُستَندًا) إلى شيءٍ
(فإنْ لمْ يستطعْ) المريضُ القيامَ (فقاعدًا) مُتربِّعًا، وفاقًا لمالكٍ، نَدْبًا. وقيل: وجوبًا.
(فإنْ لمْ يستطعْ) القعودَ (^١)، أو شقَّ عليه القعودُ (فعَلَى جنبِه) أي: بحيثُ يكونُ وجهُه وبطنُه إلى القِبلةِ (و) الجنبُ (الأيمنُ أفضلُ) لحديث عليٍّ (^٢)
(ويُومِئُ بالركوعِ وبالسجودِ (^٣» عاجزٌ عنهما ما أمكنَه، نصًّا؛ لقولِه -ﷺ-: "وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُمْ" (^٤). (ويجعلُه أخفضَ) من ركوعِه؛ ليحصلَ الفرقُ بين الإيمائين.
_________________
(١) في الأصل: "عن القعود".
(٢) يشير إلى حديث عليَّ مرفوعًا: ".
(٣) في الأصل: "والسجود".
(٤) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٤٣١ ]
فإن عَجَزَ أومأَ بطرفِه واستحضَر الفِعلَ بقلبه، وكذا القولَ إن عَجَزَ عنه بلسانِه.
ولا تسقُط ما دامَ عقلُه ثابِتًا.
(فإنْ عجَزَ أومأَ بطَرفِه) أي: بعينِه (واستحضرَ الفعلَ) عند إيمائِه له، وهو الركوعُ والسجودُ (بقلبِه) متعلِّقٌ بـ"مستحضر" أي: يستحضرُ الفعلَ عند إيمائِه (وكذا) يستحضرُ (القولَ إنْ عجزَ عنه بلسانِه) لقولِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨].
(ولا تسقطُ) الصَّلاةُ (ما دامَ عقلُه ثابتًا) حينئذٍ عن (^١) المكلَّفِ، بالمرضِ، ما دامَ عقلُه حاضرًا.
فعلى هذا: لو عجزَ عن الإيماءِ بطرفِه، وأمكنَه أنْ ينويَ، ويستحضِرَ أفعالَ الصَّلاةِ وأقوالَها بقلبِه، لزِمَه ذلك، كما في "شرح الهداية"، وأشارَ إليه في "النكت" (^٢).
أمَّا إن غابَ عقلُه، فإنَّها تسقطُ. أي: إنْ ماتَ. ولهذا قال في "شرح الهداية": فإنْ غلَبه المرضُ حتى غابَ عقلُه، فإنَّ الصَّلاةَ تبقَى في ذمَّتِه إلى أن يفيقَ، فيقضيها؛ لأنَّ الإغماءَ لا يُسقطُ فرضَ الصَّلاةِ، وهو ظاهرُ.
ولا ينقصُ أجرَ المريضِ عجز عن قيامٍ أو قعودٍ، إذا صلَّى على ما يُطيقُه؛ لخبر أي موسى مرفوعًا: "إذا مرضَ العبدُ، أو سافرَ، كُتبَ له ما كان يعملُ مقيمًا صحيحًا" (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "من".
(٢) "النكت على مشكل المحرر" (١/ ٢٠٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٩٦).
[ ١ / ٤٣٢ ]
ومَنْ قَدَرَ على القيَامِ أو القُعودِ في أتنائِها، انتقلَ إليه. ومن قَدَرَ أن يقومَ منفرِدًا أو يجلِسَ في الجماعِة، خُيِّر.
وتَصِحُّ على الراحِلَةِ لمَنْ يتأذَّى بنحو مطرٍ، ووحَلٍ، أو يَخَافُ على نفسِه من نُزولِه، وعليه الاستقبالُ، وما يَقِدرُ عليه.
(ومَنْ قدرَ على القيامِ، أو) قدرَ مُصلٍّ على (القعودِ، في أثنائِها) أي: الصَّلاةِ (انتقلَ إليه) أي: إلى ما قَدِرَ عليه بعدَ أنْ كان عاجزًا عنه. وأتمَّها به
(ومَنْ قدرَ أنْ يقومَ) في الصَّلاةِ (منفردًا، أو) قدرَ أنْ (يجلسَ في الجماعةِ خُيِّرَ) بين الصَّلاةِ قائمًا منفردًا، وبين الصَّلاةِ جالسًا في جماعةٍ. قال في "الشرح": لأنَّه يفعلُ في كلٍّ منهما واجبًا، ويتركُ واجبًا. وقيل: يلزمُه أنْ يصلِّيَ قائمًا منفردًا؛ لأنَّ القيامَ ركنٌ؛ بخلافِ الجماعةٍ. وصوَّبه في "الإنصاف" (^١)
(وتصحُّ) الصَّلاةُ (على الرَّاحلةِ) واقفةً أو سائرةً (لمَنْ يتأذَّى بنحوِ مطرٍ ووحَلٍ) ونحوِه، كثلج أو برَدٍ (أو يخافُ على نفسِه من نزوله) من عدؤ ونحوه، كسيل وسبُعٍ. وكذا عجزُه إنْ نزلَ عن ركوبٍ. فإنْ قدِرَ ولو بأُجرةٍ يَقدِرُ عليها، نزَلَ. والمرأةُ إن خافت تبرزًا وهي خَفِرَةٌ (^٢)، صلَّت على الراحلة (^٣). وكذا مَنْ خافَ حصولَ ضررٍ بالمشيء ذكرَهما في "الاختيارات".
(وعليه) أي: المصلِّي على الراحلةِ المكتوبةَ لعذرٍ (الاستقبالُ، وما يقدرُ عليه) من ركوعٍ وسجودٍ، أو إيماءٍ وطمأنينةٍ
_________________
(١) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٩٥).
(٢) خفرة: بفتح الخاء المعجمة، وكسر الفاء: الشديدةُ الحياءِ. "المطلع" ص (٣٤٧).
(٣) سقطت: "والمرأةُ إن خافت تبرزًا وهي خَفِرَةٌ، صلَّت على الراحلة" من الأصل. وانظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٩٧)، "الاختيارات" ص (٧٤).
[ ١ / ٤٣٣ ]
ويومِئُ مَنْ بالمَاءِ والطِّينِ.
(ويُومِئُ مَنْ بالماءِ والطينِ) بركوعٍ وسجودٍ، كمصلوبٍ ومربوطٍ. ويسجدُ الغريقُ على متنِ الماءِ، أي: ظهرِه.
تنبيهٌ: يُعتبرُ المَقَرّ لأعضاءِ السجودِ؛ لحديثِ: "أُمرتُ أنْ أسجدَ على سبعةِ أعظمٍ" (^١). فلو وضَعَ جبهتَهُ على قُطنٍ مَنفوشٍ ونحوِه، ممَّا لا تَستقرُّ عليه الأعضاءُ، لمْ يصحَّ. أو صلَّى معلَّقًا، أو في أُرجُوحةٍ، ولا ضرورةَ تمنعُه أنْ يصلِّيَ بالأرضِ، لمْ تصحَّ صلاتُه؛ لعدمِ تمكّنِه عُرفًا، وعدمِ ما يَستقرُّ عليه. وتصحُّ الصَّلاةُ أيضًا على حائلِ صوفٍ ونحوِه، كشعرٍ ووَبَرٍ من حيوانٍ طاهرٍ، ولا كراهةَ؛ لحديثِ: أنَّه -ﷺ- صلَّى على فَروةٍ مدبوغةٍ (^٢). وتصحُّ أيضًا على ما منعَ صلابةَ الأرضِ، كفِراشٍ محشوٍّ بنحوِ قُطنٍ. وتصحُّ على ما تُنبتُه الأرضُ؛ لاستقرارِ أعضاءِ السجودِ عليه (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠) من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه أحمد (٣٠/ ١٦٥) (١٨٢٢٧)، وأبو داود (٦٥٩)، وضعفه الألباني.
(٣) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٩٨).
[ ١ / ٤٣٤ ]