وهي سُنَّةٌ. ووقتُها، وصِفتُها، وأحكَامُها، كصلاةِ العيدِ.
وإذا أرادَ الإمامُ الخُروجَ لَها وعَظَ الناس،
(بابُ صلاةِ الاستسقاءِ)
من إضافةِ المسببِ إلى سببِه. (وهي) صلاةُ الاستسقاءِ (سنةٌ) لفعلِه ﵇ (ووقتُها) أي: صلاةِ الاستسقاءِ، كعيدٍ، فتُسنُّ أوَّلَ النهارِ. وتجوزُ كلَّ وقتٍ، غيرَ وقتِ نهيٍّ.
(وصفتُها، وأحكامُها، كصلاةِ العيدِ) قال ابنُ عباسٍ: سنَّةُ الاستسقاءُ سنَّةُ العيدين (^١). فتُسنُّ قبلَ الخطبةِ بصحراءَ قريبةٍ عُرْفًا، بلا أذانٍ ولا إقامةٍ. ويقرأُ جهرًا في الأُولى بسبِّح، وفي الثانيةِ بالغاشية. ويُكبِّرُ في الأُولى ستًّا، زوائدَ، وفي الثانيةِ خمسًا قبلَ القراءةِ. قال ابن عباسٍ: صلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ -. ركعتين، كما يصلِّي في العيدين (^٢). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وروى الشافعيُّ (^٣) مُرسلًا: أنَّه، وأبا بكرٍ، وعمرَ، كانوا يصلُّون صلاةَ الاستسقاءِ، يكبِّرون فيها سبعًا وخمسًا. وعن ابنِ عباسٍ نحوه. وزادَ فيه: وقرأَ في الأُولى بسبِّح، وفي الثانيةِ بالغاشية (^٤).
(وإذا أرادَ الإمامُ الخروجَ لها (^٥)، وعظَ الناسرَ)، أي: ذكَّرَهم ما تلينُ به
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٥٨)، وحسنه الألباني.
(٣) أخرجه الشافعي في "مسنده" (١/ ٧٦) عن جعفر بن محمد.
(٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦).
(٥) في الأصل: "إليها".
[ ١ / ٤٩٢ ]
وأمرَهم بالتَّوبةِ، والخُروجِ من المظالِمِ، ويتنظَّفُ لها، ولا يتَطيَّبُ.
ويخرُجُ متواضِعًا، مُتخشِّعًا، مُتذلِّلًا، مُتضرِّعًا، ومعَه أهلُ الدِّينِ والصلاحِ، والشُّيوخُ.
ويُباحُ خروجُ الأطفالِ، والعجائِزِ والبهائِمِ، والتوسُّلُ بالصَّالحِينَ.
قلوبُهم، وخوَّفَهُم العواقبَ (وأمرهَم بالتوبةِ) أي: الرجوعِ عن المعاصي (والخروجِ من المظالمِ) بأنْ يردَّ مَنْ عنده مظلمةٌ إلى مستحقِّها، وذلك واجبٌ في كلِّ وقتٍ، ولأنَّ المعاصي سببُ القحطِ، والتقوى سببُ البركاتِ؛ يدلُّ لذلك قولُه ﷾: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية.
(ويتنظَّفُ لها) أي: لصلاةِ الاستسقاءِ بالغُسلِ، وتقليمِ الأظفارِ، وإزالةِ رائحةٍ كريهةٍ؛ لئلا يؤذيَ الناسَ (ولا يتطَّيبُ) لأنَّه يومُ استكانةٍ وخضوع
(ويخرجُ متواضعًا، متخشِّعًا) خاضعًا (متذلِّلًا) من الذُّلِّ، أي: الهوانِ (متضرِّعًا) مستكينًا؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: خرجَ النبيُّ - ﷺ - للاستسقاءِ متذلِّلًا، متواضعًا، متخشِّعًا، متضرَّعًا، حتى أتى المصلَّى (^١). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (ومعه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيوخُ) لسرعةِ إجابةِ في عوتِهم.
(ويُباحُ خروجُ الأطفالِ، والعجائزِ، والبهائمِ) لأنَّهم خلقُ اللهِ وعيالُه
(و) أُبيحَ (التوسُّلُ بالصَّالحين (^٢» رجاءَ الإجابةِ، واستسقى عمرُ بالعباسِ (^٣)،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١١٦٧)، والترمذي (٥٥٨)، وحسنه الألباني.
(٢) المراد بالتوسل بالصالحين: التوسل بدعاء الحي القادر الصالح، وهو أن يدعو اللَّه تعالى لهم، كما فعل عمر ﵁ مع العباس.
(٣) أخرجه البخاري (١٠١٠).
[ ١ / ٤٩٣ ]
فَيصُلِّي، ثمَّ يخطُبُ خُطبةً واحدةً، يفتتِحُهَا بالتَّكبيرِ كخُطبَةِ العِيدِ، ويكثرُ فيها الاستغفارَ، وقراءةَ آياتٍ فيها الأمرُ بهِ، ويَرفَعُ يديه وظُهورُهُما نحوَ السماءِ، فيدعو بدُعَاءِ النبيِّ - ﷺ -،
ومعاويةُ بيزيدَ بنِ الأسودِ (^١)، واستسقى به الضَّحاكُ بنُ قيسٍ مرةً أخرى. ذكرَه الموفقُ.
(فيصلي (^٢) ثمَّ يخطبُ خطبةً واحدةً) على المنبرِ، والناسُ جلوسٌ عندهُ؛ لأنَّه لمْ يُنقلْ غيرُه عنه ﵇ (يفتتحُها) أي: الخطبةَ (بالتكبير) تسعًا نَسَقًا (كخطبةِ العيدِ) لقولِ ابنِ عباسٍ: صنعَ النبيُّ - ﷺ - في الاستسقاءِ، كما صنعَ في العيدِ (^٣).
(ويكثرُ فيها الاستغفارَ) لقولِه تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (وقراءةَ آياتٍ، فيها الأمرُ به) أي: الاستغفارِ، كقولِه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
(ويرفعُ يديه) في دعائِه؛ لقولِ أنسٍ: كان النبيُّ - ﷺ - لا يرفعُ يديه في شيءٍ من دعائِه، إلا في الاستسقاءِ، فكان يرفعُ يديه حتى يُرى بياضُ إبطيه. متفقٌ عليه (^٤). (وظهورُهما نحوَ السماءِ) لحديثٍ رواه مسلمٌ (^٥). (فيدعو بدعاءِ النبيِّ - ﷺ -) لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فيقولُ: "اللهمَّ
_________________
(١) أخرجه أبو زرعة في "تاريخه" (١/ ٦٠٢).
(٢) سقطت: "فيصلي" من الأصل.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) أخرجه البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥).
(٥) أخرجه مسلم (٨٩٦) من حديث أنس بن مالك.
[ ١ / ٤٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اسقنا غيثًا مُغيثًا، هنيئًا مَريئًا، غدقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عامًّا (^١)، طَبَقًا دائمًا، اللهمَّ اسقنا الغيثَ ولا تجعلْنا من القانطين، اللهمَّ سُقْيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرقٍ، اللهمَّ إنَّ بالعبادِ والبلادِ من اللأواءِ، والجَهدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوه إلا إليك، اللهمَّ أنْبتْ لنا الزرعَ، وأدِرَّ لنا الضرعَ، واسقنا من بركاتِ السماءِ، وأنزلْ علينا من بركاتِك، اللهمَّ ارفعْ عنَّا الجَهدَ، والجوعَ، والعُزيَ، واكشف عنَّا من البلاءِ ما لا يكشفُه غيرُك. اللهمَّ إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسلِ السماءَ علينا مِدْرارًا" (^٢). ويكثرُ من الدُّعاءِ، ومن الصَّلاةَ على النبيِّ - ﷺ -.
قولُه: "اللهمَّ" أي: يا اللَّه. قوله: "اسقنا" بوصلِ الهمزةِ وقطعِها. قولُه: "غيثًا" هو مصدرٌ. والمرادُ به: المطرُ. ويُسمَّى الكلأُ: غيثًا. قولُه: "مُغِيثًا" هو المُنقذُ من الشِّدةِ، يقالُ: غَاثَه وأغَاثه، وغيثت الأرضُ، فهي مغيثةٌ ومغيوثةٌ. قولُه: "هنيئًا" بالمدِّ والهمزةِ، أي: حاصلًا بلا مشقَّةٍ. قولُه: "مريئًا" السهلُ النافعُ، المحمودُ العاقبةِ، وهو ممدودٌ مهموزٌ. قولُه: "غَدَقًا" بفتحِ الدَّالِ وكسرِها، والمغدق: الكثيرُ الماءِ والخيرِ. قولُه: "مُجَلِّلًا": السَّحابُ الذي يعمُّ العبادَ والبلادَ نفعُه. قولُه: "سَحًّا": الصبُّ، يقالُ: سحَّ الماءُ يَسُحُّ: إذا سالَ من فوقٍ إلى أسفلَ. وساحَ يسيحُ: إذا جرى على وجهِ الأرضِ. قولُه: "طَبَقًا" بفتحِ الطاءِ والباءِ الذي طبقَ البلادَ مطرُه. قولُه: "دائمًا" أي: متَّصلًا إلى أن يحصلَ الخِصْبُ. قولُه: "من القانطين" أي: الآيسينَ من الرَّحمةِ. قولُه: "من اللأواءِ" أي: الشِّدَّة. قولُه: "والجهدُ" بفتحِ الجيمِ،
_________________
(١) سقطت: "عامًّا" من الأصل.
(٢) أخرجه بنحوه أبو داود (١١٧١) من حديث جابر.
[ ١ / ٤٩٥ ]
ويؤمِّنُ المأمومُ.
ثمَّ يستَقِبلُ القبلَةَ في أثناءِ الخطبَةِ، فيقولُ سرًّا: اللَّهم إنَّكَ أمرتنا بدعائِكَ، ووعدَّتنا إجابتَك، وقد دعونَاك كَمَا أمرتنا، فاستجِبْ لنا كَمَا وعدَّتنا.
ثمَّ يحوِّل رداءَه فيجعَلُ الأيمنَ على الأيسَرِ، والأيسرَ على الأيمَنِ، وكذا النَّاسُ، ويترُكونَه حتَّى ينزِعُوهُ معَ ثيابِهم.
وضمِّها: الطَّاقةُ. قالَه الجوهريُّ. وقال ابنُ منجا: هما المشقَّةُ. قولُه: "الضَّنْكُ" أي: الضِّيقُ.
(ويؤمِّنُ المأمومُ) على دعاءِ إمامِه، كالقنوتِ.
(ثمَّ يستقبلُ) إمامٌ (القبلةَ) ندْبًا (في أثناءِ الخطبةِ) لأنَّه ﵇ حوَّلَ إلى الناسِ ظهرَه، واستقبلَ القبلةَ يدعو، ثمَّ حوَّلَ رداءَهُ. متفقٌ عليه (^١). (فيقولُ سرًّا: اللهمَّ إنَّكَ أمرْتَنا بدعائِك، ووعدَّتَنا إجا بتَك، وقدْ دعو ناك كما أمرْتَنا، فاستجبْ لنا كما وعدَّتَنا)، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وإنْ دعا بغيرِه، فلا بأسَ.
(ثمَّ يحوِّلُ رداءَه، فيجعلُ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ) نصًّا، لفعلِه ﵇. رواه أحمدُ وغيرُه (^٢) من حديثَ أبي هريرةَ. (ويتركونهُ) أي: الرداءَ محوَّلًا (حتى ينزِعُوه مع ثيابِهم) لأنَّه لثم يُنقلْ عنه ﵇، ولا عن أحدٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٢٥)، ومسلم (٨٩٤) من حديث عبد اللَّه بن زيد.
(٢) أخرجه أحمد (١٤/ ٧٣) (٨٣٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٨)، وضعفه الألباني.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فإنْ سُقُوا، وإلَّا عادُوا ثانيًا، وثالثًا.
ويُسَنُّ: الوقوفُ في أوَّلِ المَطَرِ، والوضوءُ والاغتسالُ مِنه، وإخراجُ رحلِهِ وثيابِه ليُصيبَها.
وإن كثُرَ المطرُ حتَّى خِيفَ منُه، سُنَّ قولُ: اللَّهم حَوَالَينا ولا علَينا، اللَّهم
من الصَّحابةِ، أنَّهم غيَّروا الأرْدَيةَ حتى عادوا
(فإنْ سُقُوا) في أوَّلِ مرةٍ، ففضلٌ من اللهِ ونعمةٌ (وإلا) بأن لم (^١) يُسقوا أوَّلَ مرةٍ (عادوا ثانيًا، وثالثًا) صفتانِ لمحذوفٍ، أي: عودًا ثانيًا، وعودًا ثالثًا؛ لأنَّه أبلغ في التضرُّعِ، ولحديثِ: "إنَّ اللهَ يحبُّ المُلحِّين في الدُّعاءِ". وظاهرُه: أنَّه لا يُسنُّ إعادتُه أكثرَ من ذلك.
ونقلَ الشيخُ منصورٌ في "شرحه" (^٢): قال أَصْبَغُ: استُسقي للنِّيلِ بمصرَ خمسةً وعشرين مرَّةً متواليةً، وحضرَه ابنُ وهبٍ، وابنُ القاسمِ، وجمعٌ
(ويُسنُّ: الوقوفُ في أوَّلِ المطرِ، والوضوءُ والاغتسالُ منه، وإخراجُ رَحْلِه) وما يستصحبُ من أثاثٍ (و) إخراجُ (ثيابه؛ لصيبَها) المطرُ؛ لحديثِ أنسٍ: أصابنا ونحن مع رسولِ اللَّه - ﷺ - مطرٌ، فحسرَ ثوبَه، حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: لمَ صنعتَ هذا؟ قال: "لأنَّه حديث عهدٍ بربِّه". رواه مسلمٌ (^٣).
(وإنْ كثُرَ المطرُ حتى خِيفَ منه، سُنَّ قولُه: اللهمَّ حَوَالَيْنا ولا علينا، اللهمَّ
_________________
(١) سقطت: "بأن لم" من الأصل.
(٢) "دقائق أولي النهى" (٢/ ٦٣).
(٣) أخرجه مسلم (٨٩٨).
[ ١ / ٤٩٧ ]
على الآَكامِ والظِّرابِ، وبُطُونِ الأوديةِ، ومَنابِتِ الشَّجر، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية.
على الآكامِ والظِّرابِ، وبطونِ الأوديةِ، ومنابتِ الشجرِ) لما في الصحيحِ (^١) أنَّه ﵇ كان يقولُه. ولا يُصلَّى له.
"والآكامُ": كآصالٍ، جمعُ: أُكُمِ، ككُتُبٍ. وكجبالٍ جمعُ: أكَم، كجبلٍ. واحدُها: أكَمَةٌ، وهي: ما علا من الأَرضِ، ولمْ يبلغْ أنْ يكونَ جبلًا، وكان أكثرَ ارتفاعًا مما حولَه. وقال مالكٌ: الجبالُ الصِّغارُ. "والظِّرابُ": جمعُ ظَرِب، بكسرِ الرَّاءِ، أي: الرابيةُ الصغيرةُ. وهو الشيءُ المرتفعُ من الأرضِ دونَ الأكمِ. "وبطونُ الأوديةِ": الأماكنُ المنخفضةُ. "ومنابتُ الشجرِ": أصولُها؛ لأنَّه أنفعُ لها.
(﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾) إلى آخر (الآيةَ). وهو منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ. أي: اقرأ الآيةَ؛ لأنَّها تناسبُ الحالَ. فاستُحبَّ قولُها كسائرِ الأقوالِ اللائقةِ بالحالِ.
قولُه تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: لا تكلِّفنا من الأعمالِ ما لا نطيقُ. وقيل: هو حديثُ النفسِ والوسوسةُ. وعن إبراهيمَ: هو الحبُّ. وعن محمد بنِ عبدِ الوهابِ: هو العشقُ. وقيل: هو شماتةُ الأعداءِ. وقيل: هو الفُرْقةُ والقطيعةُ. نعوذُ باللهِ منها. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي: تجاوزْ عنا ذنوبَنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: استُرْ علينا ذنوبَنا، ولا تفضحْنا، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ فإننا لا ننالُ العملَ بطاعتِكَ ولا تركِ معاصيكَ إلا برحمتِكَ ﴿نْتَ مَوْلَانَا﴾ ناصرُنا وحافظُنا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧) من حديث أنس.
[ ١ / ٤٩٨ ]
وسُنَّ قولُ: مُطِرنَا بفَضْلِ اللَّه ورحمتِه. ويحرُمُ: مُطِرنَا بنَوءِ كَذا. ويباح: في نَوءِ كَذا.
(وسُنَّ قولُ: مُطرْنا بفضلِ اللهِ ورحمتِه) لأنَّه اعترافٌ بنعمةِ اللهِ. (ويحرُمُ) قولُ: (مُطرْنا بنوءِ) أي: كوكبِ (كذا) لأنَّه كفرٌ لنعمةِ اللهِ.
قولُه: "ويحرُمُ بنوءِ كذا" قال القاضي: هل إذا استُعْمِلَتِ "الباء" بمعنى "في" مضى ذلك، أو لا؟ الظاهرُ: المنعُ؛ حسمًا للمادةِ.
والنوءُ: النجمُ مال للغروبِ. جمعُ: أنواء. إذا سقطَ النجمُ في المغربِ وطلوعُ الفجرِ مقابله. ويقالُ له: الطالعُ بالفجرِ. وله ثمانيةٌ وعشرون منزلةً. الطالعةُ بالفجرِ، ويقابلُه النوءُ. وعَدُّ ذلك: نوء المقدَّم، نوءُ الصرفةِ. نوء الموخَّر، نوءُ العواء، نوء الرشاء، نوءُ السماكِ، نوءُ الشرطين، نوءُ الغفر، بطين، نوءُ الزبانا (^١)، نوءُ الثرياء، نوء الإكليلِ، نوءُ الدبران، نوءُ القلبِ، نوءُ الهقعةِ، نوءُ الشولةِ (^٢)، هنعةٌ، نوءُ النعائمِ، ذراعٌ، نوء البلدةِ، نثرة، نوءُ الذابحِ، الطرف، نوءُ بلعٍ، نوءُ الجبهةِ، نوءُ السعودِ، خرثانُ، نوءُ الأخبيةِ (^٣). فهذه ثمانية وعشرون منزلةً للقمرِ، ومقابلُها النوءُ للغروبِ.
قال في "الإقناع": ولا يُكره قولُ: مُطرْنا في نوءِ كذا. ولو لمْ يقلْ: برحمةِ اللهِ (^٤). خلافًا للآمديِّ. وظاهرُ كلامِ صاحبِ "المنتهى": عدمُ الكراهةِ، فإنَّه قال: ويُباحُ في نوءِ كذا (^٥).
_________________
(١) في الأصل: "الرنانا".
(٢) في الأصل: "الشوكة".
(٣) تكررت أسماء المنازل في الأصل.
(٤) "الإقناع" (١/ ٣٢٣).
(٥) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٦٥).
[ ١ / ٤٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا إضافةُ المطرِ إلى النوءِ دون اللهِ اعتقادًا، فكفرٌ، إجماعًا. قالَهُ في "الإقناع" و"الفروع" وغيرِهما؛ لاعتقادِه خالقًا غيرَ اللهِ (^١).
قلتُ: العلَّةُ تقتضي الوقايةَ من غيرِ اعتقادِ ذلك لا يكفر (^٢)؛ لأنَّه لا يقتضي الإضافةَ للنوءِ.
ومَنْ رأى سحابًا، أوهبَّتْ ريحٌ، سألَ اللهَ خيرَه، وتعوَّذَ من شرِّه. ولا سألَ سائلٌ، ولا تعوَّذَ متعوِّذٌ بمثلِ المعوذتين. ولا يسبُّ الريحَ العاصفةَ.
وإذا سمِعَ الرعدَ، تركَ الحديثَ، وقال: سبحانَ مَنْ يسبِّحُ الرعدُ بحمدِه، والملائكةُ من خيفتِه. ولا يُتبعُ بصرَهُ البرقَ؛ للنهيِّ عنه.
ويقولُ إذا انقضَّ كوكبٌ: ما شاءَ اللهُ، لا قوةَ إلا باللهِ.
وإذا سمِعَ نهيقَ حمارٍ أو نُباحَ كلبٍ: استعاذَ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ. وإذا سمِعَ صياحَ الديكةِ، سألَ اللهَ من فضلِه.
وقوسُ قُزح أمانٌ لأهلِ الأرضِ من الغَرقِ، كما في الأثرِ (^٣)، وهو من آياتِ اللهِ (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٤٦٠)، "معونة أولي النهى" (٢/ ٥٤٤).
(٢) كذا في الأصل.
(٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٠٩) عن ابن عباس مرفوعًا: "لا تقولوا قوس قزح، فإن قزح شيطان، ولكن قولوا: قوس اللَّه ﷿، فهو أمان لأهل الأرض من الغرق ". قال الألباني في "الضعيفة" (٨٧٢): موضوع.
(٤) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٦٥).
[ ١ / ٥٠٠ ]