وهي أفضل تطوُّعِ البدَنِ بعدَ الجِهادِ والعِلمِ.
(بابُ صلاةٍ التطوعِ)
وما يتعلَّقُ بها
التطوُّعُ في الأصلِ: فعلُ الطَّاعةِ.
وشرعًا: طاعةٌ غيرُ واجبةٍ. والنفلُ، والنافلةُ: الزيادةُ. والتنفُّلُ: التطوعُ.
قال في "الاختيارات" (^١): التطُّوعُ تكملُ به صلاةُ الفرضِ يومَ القيامةِ، إنْ لمْ يكنْ المصلِّي أتمَّها، وفيه حديثٌ مرفوعٌ، رواه أحمدُ في "المسند". وكذلك الزكاةُ وبقيةُ الأعمالِ. انتهى.
(و) صلاةُ التطوعِ (هي أفضلُ تطوعِ البدنِ بعدَ الجهادِ) وهو قتالُ الكفارِ (والعلمِ) فأفضلُ تطوعاتِ البدنِ: الجهادُ؛ لقولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥] والنفقةُ فيه أفضلُ. ونقلَ جماعةٌ: الصدقةُ على قريبِه المحتاجِ أفضلُ مع عدمِ حاجةٍ إليه. ذكَرَهُ الخلَّالُ وغيرُه. وعن خُرَيمِ (^٢) بن فاتلب مرفوعًا: "من أنفقَ نفقةً في سبيلِ اللهِ، كتبتْ بسبعمائةِ ضعفٍ". رواه أحمدُ والنسائيُّ، والترمذي وحسنَه، وابنُ حبانَ في "صحيحه" (^٣)، وترجمَ
_________________
(١) "الاختيارات" ص (٦٢).
(٢) في الأصل: "خزيم".
(٣) أخرجه أحمدُ (٣١/ ٣٨٤) (١٩٠٣٦)، والنسائى (٣١٨٦)، والترمذيُّ (١٦٢٥)، وابن حبانَ (٤٦٤٧)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه: ذكرُ تضعيفِ النفقةِ في سبيلِ اللهِ على غيرِه من الطاعاتِ.
ولأحمدَ وغيرِه (^١): "مَنْ عمِلَ حسنةً كانتْ بعشرِ أمثالِها، ومَنْ أنفقَ نفقةً في سبيلِ اللهِ، كانتْ له بسبعمائةِ ضعفٍ". انتهى (^٢).
وقيل: رباطٌ أفضلُ من جهادٍ.
ثمَّ يلي التطوعَ بالجهادِ: تعلُّم العلمِ وتعليمُه. نقل مهنا: طلبُ العلمِ أفضلُ الأعمالِ لمَنْ صحَّتْ نيتُه. قيلَ له: فأيُّ شيءٍ تصحيحُ النيةِ؟ قال: ينوي يتواضعُ فيه، وينفي عنه الجهلَ. والأشهرُ عنه: الاعتناءُ بالحديثِ والفقهِ، والتحريضُ على ذلك. وقال: ليسَ قومٌ خيرًا من أهلِ الحديثِ. وعابَ على محدِّثٍ لا يتفقَّه. وفي "آداب عيون المسائل": العلمُ أفضلُ الأعمالِ، وأقربُ العلماءِ إلى اللهِ، وأوْلاهم به: أكثرُهم له (^٣) خشيةً.
قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: قال أحمدُ: معرفةُ الحديثِ والفقهِ فيه أعجبُ إليَّ من حفظِه.
وقال ابنُ الجوزيُّ في خطبةِ "المذهبِ": بضاعةُ الفقهِ أربحُ البضائعِ، والفقهاءُ يفهمون مرادَ الشارعِ، ويفهمون الحكمةَ في كلِّ واقعٍ، وفتاويهم تميِّزُ العاصيَ من الطائعِ. وقال في كتابِ "العلم" له: الفقهُ عمدةُ العلومِ. وقال في "صيد الخاطرِ" الفقهُ عليه مدارُ العلومِ، فإن اتسعَ الزمانُ للتزيدِ من العلمِ، فليكنْ في التفقُّهِ (^٤)، فإنَّه
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣١/ ٣٨٣) (١٩٠٣٥)، والطبراني (٤١٥٣) من حديث خريم بن فاتك.
(٢) انظر "الفروع" (٢/ ٣٣٧).
(٣) سقطت: "له" من الأصل.
(٤) في الأصل: "الفقه".
[ ١ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأنفعُ. وفيه المهمُّ من كلِّ علمٍ هو المهمُّ (^١).
قال أبو الدرداءِ: العالمُ والمتعلِّمُ في الأجرِ سواءٌ، وسائرُ الناسِ همجٌ لا خيرَ فيهم (^٢). ونقلَ ابنُ منصورٍ: إنَّ تذاكرَ بعضِ ليلةٍ أحبُّ إلى أحمدَ من إحيائِها. وأنَّه العلمُ الذي ينتفعُ به النَّاسُ في أمرِ دينهم. قلتُ: الصَّلاةُ، والصومُ، والحجُّ، والطلاقُ، ونحوُ هذا؟ قال: نعم.
وليحذرِ العالمُ ويجتهدْ، فإنَّ ذنبَه أشدُّ. نقلَ المرُّوذيُّ: العالمُ يقتدي به، ليس العالمُ مثلَ الجاهلِ. وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ: يُغفرُ لسبعين جاهلًا قبل أنْ يُغفرَ لعالمٍ واحدٍ. وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ: أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ: عالمٌ لم ينفعْه اللهُ بعلمِه. فذنبُه من جنسِ ذنبِ اليهودِ. واللهُ أعلمُ (^٣).
واعلم أنَّ الصَّلاةَ -بعدَ الجهادِ والعلمِ- أفضلُ التطوعاتِ، على الصحيحِ من المذهبِ، وعليه الجمهورُ.
وقيل: الصَّومُ أفضلُ من الصَّلاةِ. قال الإمامُ أحمدُ: لا يدخلُه رياءٌ. قال بعضُهم: وهذا يدلُّ على فضيلته (^٤) على غيرِه. قال ابنُ شهابٍ: أفضلُ ما تعبَّدَ به المتعبِّدُ: الصَّومُ.
وقيلَ: ما تعدَّى نفعُه أفضلُ. اختارَه المجدُ، وصاحبُ "الحاوي الكبير" و"مجمع البحرين".
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٤/ ١٠٤).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٨٤).
(٣) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٨).
(٤) في الأصل: "أن أفضليته".
[ ١ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونقلَ مهنا: الفكرُ أفضلُ من الصَّلاةِ والصَّومِ. قال في "الفروع": فقدْ يتوجَّه أنَّ عملَ القلبِ أفضلُ من عملِ الجوارحِ. ويكونُ مرادُ الأصحابِ عملَ الجوارحِ. ولهذا ذكرَ في "الفنون" روايةَ مهنَّا (^١)، فقال: يعني: الفكرةَ في آلائهِ، ودلائلِ صنعِه، والوعدِ والوعيدِ؛ لأنَّه الأصلُ الذي ينتج (^٢) أفعالَ الخيرِ، وما أثمرَ الشيءَ فهو خيرٌ من ثمرتِه.
وهذا ظاهرُ "المنهاج" لابنِ الجوزيِّ، فإنَّه قال. فيه: مَنْ انفتحَ له طريقُ عملٍ بقلبِه بدوامِ ذكرٍ أو فكرٍ، فذلك الذي لا يُعدَلُ به البتَّةَ.
قال في "الفروع": وظاهرُه: أنَّ العالمَ باللهِ وبصفاتِه أفضلُ من العالمِ بالأحكامِ الشرعيةِ؛ لأنَّ العلمَ يشرُفُ بشرفِ معلومِه وبثمراتِه. وقال ابنُ عقيلٍ في خُطبةِ "كفايته": إنما تشرفُ العلومُ بحسبِ مؤدياتِها، ولا أعظمَ من الباري، فيكونُ العلمُ المؤدِّي إلى معرفتِه، ومَا يجبُ له، وما يجوزُ، أجلَّ العلومِ. واختارَ الشيخُ تقيِّ الدينِ: أنَّ كلَّ أحدٍ بحسبِه، وأنَّ الذكرَ بالقلبِ أفضلُ من القراءةِ بلا قلبٍ. وهو معنى كلامِ ابنِ الجوزيِّ، فإنه قال: أصوبُ الأمورِ أنْ ينظرَ إلى ما يطهِّرُ القلبَ ويصفِّيه للذكرِ والأنسِ، فيلازمُه. وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ في الردِّ على الرافضيِّ، بعدَ أنْ ذكرَ تفضيلَ أحمدَ للجهادِ، والشافعيِّ للصَّلاةِ، وأبي حنيفةَ ومالكٍ للذِّكْرِ: والتحقيقُ: لا بدَّ لكلِّ من الْآخرين، وقد يكونُ كلُّ واحدٍ أفضلَ في حالٍ. انتهى (^٣).
فالصَّلاةُ بعد الجهادِ والعلمِ أفضلُ؛ لقولِهِ ﵇: "واعلموا أنَّ خيرَ
_________________
(١) سقطت: "مهنا" من الأصل.
(٢) في الأصل: "يفتح".
(٣) انظر "الإنصاف" (٤/ ١٠٣).
[ ١ / ٣٦٢ ]
وأفضَلها: ما سُنَّ جَماعةً. وآكدها: الكسوفُ، فالاستِسقاءُ، فالتراويحُ، فالوِتُر، وأقلُّه: ركعةٌ،
أعمالِكم الصَّلاةُ ". رواه ابنُ ماجه، وابنُ حبانَ في "صحيحه" (^١). ولأنَّ فرضَها آكدُ الفروضِ، فتطوُّعُها آكدُ التطوعاتِ، ولأنَّها تجمعُ أنواعًا من العبادةِ: الإخلاصِ، والذِّكرِ، والركوعِ، والسجودِ، ومناجاةِ الربِّ، والتوجُّه إلى القبلةِ، والتسبيحِ، والتكبيرِ، والصَّلاةِ على النبيِّ -ﷺ-.
(وأفضلُها) أي: صلاةٍ التطوعِ: (ما سُنَّ) أنْ يصلَّى (جماعةً) لأنَّه أشبَهُ بالفرائضِ. ثمَّ الرواتِبُ.
(وآكدُها) أي: آكدُ ما سُنَّ جماعةً: (الكسوفُ) لأنَّه ﵇ فعلَها وأمرَ بها في حديثِ أبي (^٢) مسعودٍ المتفقِ عليه (^٣).
(فالاستسقاءُ) لأنَّه ﵇ كان يستسقي تارةً، ويترُكُ أخرى، بخلافِ الكسوفِ، فلمْ يتركْ صلاتَه عندَه، فيما نُقِلَ عنه.
(فالتراويحُ) لأنَّها تُسنُّ لها الجماعةُ.
(فالوترُ) لأنَّه تشرعُ له الجماعةُ بعد التراويحِ، وهو سنَّة مؤكَّدةٌ. رُوي عن أحمدَ: مَنْ تركَ الوترَ عمدًا، فهو رجلُ سوءٍ، لا ينبغي أنْ تُقبلَ له شهادةٌ.
(وأقلُّه) أي: الوترِ (ركعةٌ) لحديثِ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ مرفوعًا: "الوتر ركعةٌ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان (١٠٣٧) من حديث ثوبان. وصححه الألباني.
(٢) في الأصل "ابن" والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٥٧)، ومسلم (٩١١) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وأكثرُه: إحدَى عشرَةَ، وأدنَى الكمالِ: ثلاثٌ بسلامَينِ، ويجوزُ بواحدٍ سَردًا.
ووقتُه: ما بينَ صلاةٍ العِشاءِ وطلُوع الفَجر.
من آخِرِ الليلِ". رواه مسلمٌ (^١).
(وأكثرُه) أي: الوترِ: (إحدى عشرةَ) ركعةً. (وأدنى الكمالِ) في الوترِ: (ثلاثُ) ركعاتٍ (بسلامين) بأنْ يصلِّي ثنتين ويسلِّمُ، ثمَّ ركعةً ويسلِّم؛ لأنَّه أكثرُ عملًا. وكان ابنُ عمرَ يسلِّمُ من ركعتين، حتى يأمرَ ببعض حاجتِه (^٢). (ويجوزُ) أنْ يصلِّيَ الثلاثَ (بـ) سلامٍ (واحدٍ) قال أحمدُ: إنْ أوترَ بثلاثٍ لم يسلِّم فيهنَّ، لم يُضيَّق عليه عندي. (سردًا) من غير جلوسٍ عقبَ الثانيةِ، لتخالف المغربَ. واختارَ في "المستوعب": أنْ يصلِّيَها كالمغربِ. وعلى الأوَّلِ: لو صلَّاها بتشهدين، ففي بطلانِ وترِه وجهانِ، صحَّحَ القاضي في "شرحه الصغير": البطلانَ، وقطعَ في "الإقناع" بالصِّحةِ (^٣).
(ووقتُه) أي: الوترِ: (ما بين صلاةٍ العشاءِ) ولو مع كونِ العشاء جُمِعتْ مع مغربٍ، جمعَ تقديمٍ في وقتِ المغربِ، (وطلوعِ الفجرِ) لحديثِ معاذٍ: سمعت رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: "زادني ربِّي صلاةً؛ وهي الوترُ، وقتُها: ما بين العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ". رواه أحمدُ (^٤). وحديثِ: "إنَّ اللهَ قدْ أمدَّكم بصلاةٍ، وهي خيرٌ لكم من حمرِ النَّعمِ؛ وهي الوترُ، فصلُّوها فيما بين العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ". رواه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٥٣).
(٢) أخرجه البخاري (٩٩١) معلقًا.
(٣) انظر "دقائق أولي النهى" (٤٨٩، ٤٩٠).
(٤) أخرجه أحمد (٣٦/ ٤١٤) (٢٢٠٩٥)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٥٦٦).
[ ١ / ٣٦٤ ]
ويقنُتُ فيه بعدَ الرُّكُوعِ ندبًا، فلو كبَّر ورفَع يديه، ثمَّ قنتَ قبلَ الركوعِ، جاز.
أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه، والحاكمُ (^١) وصحَّحه.
(ويقْنُتُ فيه) أي: في الركعةِ الأخيرةِ من وترِه (بعدَ الركوعِ، ندْبًا) لأنَّه صحَّ عنه ﵇ من روايةِ أبي هريرةَ (^٢)، وأنصرٍ (^٣)، وابنِ عباسٍ (^٤). وعن عمرَ وعليٍّ: أنَّهما كانا يقنُتانِ بعدَ الركوعِ. رواه أحمدُ (^٥)، والأثرمُ. قال أبو بكرٍ الخطيبُ: الأحاديث التي جاءَ فيها القنوتُ قبلَ الركوعِ، كلُّها معلولةٌ (^٦). ثمَّ إنَّ أكثرَ الصَّحابةِ عمِلوا بما قلناه. وحيثُ تقرَّرَ أنَّه بعدَ الركوعِ، نُدِبَ (^٧)
(فلو كبَّرَ ورفعَ يديه) بعد القراءةِ (ثمَّ قنتَ قبلَ الركوعِ، جازَ) لحديث أبيِّ بنِ كعبٍ مرفوعًا: "كان يقنتُ في الوترِ قبلَ الركوعِ". رواه أبو داودَ (^٨).
وروى الأثرمُ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يقنتُ في الوترِ، وكان إذا فرغَ من القراءةِ، كبَّرَ، ورفعَ يديه، ثمَّ قنتَ (^٩).
_________________
(١) أخرجه أبو داودَ (١٤٢٠)، والترمذيُّ (٤٥٢)، وابنُ ماجه (١١٦٨)، والحاكمُ في "المستدرك" (١/ ٤٤٨) من حديث خارجة بن حذافة العدوي. قال الألباني: صحيح، دون قوله: "هي خير لكم من حمر النعم".
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٠٠١)، ومسلم (٦٧٧).
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٤٣)، وحسنه الألباني.
(٥) أخرجه أحمد (٢٠/ ١٢٦) (١٢٦٩٨) عن عمر. والبيهقي (٢/ ٢٠٨) عن علي.
(٦) في الأصل: "معلومة".
(٧) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٤٩٢).
(٨) أخرجه أبو داود عقب (١٤٢٧). وصححه الألباني في "الإرواء" (٤٢٦).
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٠).
[ ١ / ٣٦٥ ]
ولا بأسَ أن يدعُو في قنوتِه بما شاء، وممَّا وردَ: اللهم اهدِنا فيمَن هَديتَ، وعافِنا فيِمن عافَيتَ، وتولَّنا فيمَن تولَّيت،
(ولا بأسَ أنْ يدعوَ في قنوتِهِ بما شاءَ) من الأدعيةِ المأثورةِ. (و) الأفضلُ (ممَّا وردَ) وكيفيةُ ذلك: هو أنْ يرفعَ يديه إلى صدرِه حالَ قنوتِه، يبسطُهما، وبطونُهما نحوَ السماءِ، ولا ينظر إليهما، ولو كان مأمومًا؛ لحديثِ سلمانَ مرفوعًا: "إنَّ اللَّه يستحي أنْ يبسُطَ العبدُ يدَيه، يسألُه فيهما خيرًا، فيردَّهما خائبتين". رواه الخمسةُ (^١) إلا النسائيَّ. وعن مالكِ بنِ يسارٍ مرفوعًا: "إذا سألْتُم اللهَ فاسألوه ببطونِ أكفِّكم، ولا تسألوه بظهورِها". رواه أبو داودَ (^٢). وقالَ أحمدُ: كان ابنُ مسعودٍ يرفعُ يديه في القنوتِ إلى صدرِه، بطونُهما ممَّا يلي السماءَ.
وهو: أنْ يقولَ جهرًا: (اللهمَّ اهْدِنا فيمَنْ هديتَ) أي: ثبِّتنا على الهدايةِ، أو زدْنا منها، وهي: الدلالةُ والبيانُ. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشّورى: ٥٢]. وأما قولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فهي من اللهِ: التوفيقُ والإرشادُ.
(وعافنا فيمن عافَيتَ) من الأسقامِ والبلايا. والمعافاةُ: أنْ يعافيك اللهُ من النَّاسِ، ويعافيهم منكَ.
(وتولَّنا فيمَنْ تولَّيتَ) الوليُّ: ضدُّ العدوِ. مِن تولَّيتُ الشيءَ: إذا اعتنيتَ به، كما ينظُرُ الوليُّ في مالِ (^٣) اليتيمِ؛ لأنَّ اللهَ ينظرُ في أمرِ وليِّهِ بالعنايةِ. ويجوزُ أنْ يكونَ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٩/ ١١٩) (٢٣٧١٤)، وأبو داود (١٤٩٠)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وصححه الألباني.
(٢) أخرج أبو داود (١٤٨٨)، وصححه الألباني.
(٣) في الأصل: "حال".
[ ١ / ٣٦٦ ]
وباركْ لَنا فيِمَا أعطَيتَ، وقِنا شرَّ ما قضيتَ، إنَّك تقضِى ولا يُقضَى عليك، إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ، ولا يَعِزُّ من عادَيتَ، تباركتَ ربَّنا وتعالَيت، اللَّهمَّ إنَّا نعوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِك، ويعفوِك مِنْ عُقُوبتِكَ، وبكَ منكَ،
من: وليتُ الشيءَ، إذا لم يكنْ بينك وبينه واسطةٌ، بمعنى: أنَّ الوفيَ يقطعُ الوسائطَ بينه وبين اللهِ، حتى يصيرَ في مقامِ المراقبةِ والمشاهدةِ، وهو مقامُ الإحسانِ.
(وباركْ لنا فيما أعطيتَ) البركةُ: الزيادةُ، أو حلولُ الخيرِ الإلهيِّ في الشيءِ. وقولُه "فيما أعطيتَ" أي: أنعمتَ به. والعطيةُ: الهبةُ.
(وقنا شرَّ ما قضيتَ، إنَّك تقضي ولا يُقضى عليكَ) لا رادَّ لأمرِه، ولا معقِّبَ لحكمِه (إنَّه لا يذلُّ مَنْ واليتَ، ولا يَعِزُّ مَنْ عاديتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ) رواه أحمدُ، ولفظُه له، وتكلَّمَ فيه أبو داودَ، ورواه الترمذيُّ (^١) وحسَّنَه من حديثِ الحسنِ بنِ عليٍّ قال: علَّمني النبىُّ -ﷺ- كلماتٍ أقولُهنَّ في قنوتِ الوترِ: "اللهمَّ اهْدِني". إلى: "تعالَيْتَ". وليس فيه: "ولا يعز مَنْ عادَيْتَ". ورواه البيهقيُّ (^٢) وأثبتَها فيه، وجَمَعَ، والروايةُ بالإفرادِ؛ ليشاركَ الإمامُ والمأمومُ في الدُّعاءِ
(اللهمَّ إنا نعوذُ برضاك من سخطِكَ، وبعفوِك من عقوبتِك، وبكَ منكَ) قالَ الخطابي: في هذا معنًى لطيفٌ؛ وذلك أنَّه سألَ اللهَ ﷾ أنْ يجيرَه برضاه من سخطِه، وهما ضدَّانِ ومتقابلانِ، وكذلك المعافاةُ والمؤاخذةُ بالعقوبةِ، لجأَ إلى ما لا ضدَّ له، وهو اللهُ ﷾، أظهرَ العجزَ والانقطاعَ، وفزعَ منه إليه،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٤٥) (١٧١٨)، وأبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٤٦٤). وصححه الألباني في "الإرواء" (٤٢٦).
(٢) أخرجه البيهقي (٢/ ٢٠٩).
[ ١ / ٣٦٧ ]
لا نُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِكَ.
ثمَّ يُصلِّي على النَّبي -ﷺ-،
فاستعاذَ به منه (^١).
(لا نحصي ثناءً عليك) أي: لا نطيقُه (أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ) اعترافٌ (^٢) بالعجزِ عن الثناءِ، وردٌّ إلى المحيطِ علمُه بكلِّ شيءٍ؛ جملة وتفصيلًا. فكما أنَّه تعالى لا نهايةَ لسلطانِه وعظمتِه، لا نهايةَ للثناءِ عليه؛ لأنَّ الثناءَ تابعٌ للمُثنى عليه. رُوي عن عليٍّ أنَّ النبىّ -ﷺ- كان يقولُ في آخرِ وترِه: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ برضاكَ من سخطِكَ، وبمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منْكَ، لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ". رواه الخمسةُ (^٣)، ورواتُه ثقاتٌ. وقال الترمذيُّ: لا نعرفُ عن النبىِّ -ﷺ- في القنوتِ شيئًا أحسنَ من هذا. وله أنْ يزيدَ على هذا الدُّعاءِ ما شاءَ مما يجوزُ الدُّعاءُ به في الصَّلاةِ. قال المجدُ: صحَّ عن عمرَ أنَّه كان يقنُتُ بقدرِ مائةِ آيةٍ (^٤).
(ثمَّ يصلِّي على النبيِّ -ﷺ) لحديثِ الحسنِ بنِ عليٍّ السابقِ، وفي آخرِه: وصلَّى اللهُ على محمدٍ. رواه النسائيُّ (^٥). وعن عمرَ: الدُّعاءُ موقوفٌ بين السماءِ والأرضِ،
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣٦).
(٢) في الأصل: "اعترف".
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٤٧) (٧٥١)، وأبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦)، وابن ماجه (١١٧٩)، والنسائي (١٧٤٧). وصححه الألباني في "الإرواء" (٤٣٠)، وفي "صحيح أبي داود" (١٢٨٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠١).
(٥) أخرجه النَّسَائِيّ (١٧٤٦)، وضعفه الألباني.
[ ١ / ٣٦٨ ]
ويؤمِّنُ المأمُومُ، ثم يمسحُ وجهَهُ بيديه هنا، وخارجَ الصلاةِ.
وكرِهَ القُنوت في غيرِ الوِترِ.
لا يصعدُ منه شيءٌ، حتى تصلِّيَ على نبيِّكَ. رواه الترمذيُّ (^١).
(ويؤمِّنُ المأمومُ) على قنوتِ إمامِه إنْ سمِعَه؛ بأنْ يقولَ: آمين. وعنه: يقنتُ معه. ويجهز به. والظاهر: أنَّ المرادَ: يؤمِّنُ عندَ الدّعاءِ، ويسكتُ عند الثناءِ؛ لأنَّ التأمينَ على غيرِ الدعاءِ لا ثمرةَ له.
قال في "النكت" (^٢): وظاهرُ كلامِ صاحبِ "المحرر": أنَّ الخلافَ سواءٌ جهرَ الإمامُ، أم لا. وكذا ظاهرُ كلامِ غيرِه. وقطعَ بعضُ الأصحابِ أنَّ الخلافَ: إنْ كانَ يسمعُ دعاءَ الإمامِ، وإنْ لم يسمعْ دعا. نصَّ عليه الإمامُ.
(ثمَّ يمسحُ وجهَه بيديه) استحبابًا (هنا) أي: عقبَ القنوتِ (وخارجَ الصَّلاةِ) إذا دعا؛ لعمومِ حديث عمرَ: كان رسولُ اللهِ -ﷺ- إذا رفعَ يديه في الدُّعاءِ، لم يحطَّهما حتى يمسحَ بهما وجهَه. رواه الترمذي (^٣). ولقولِه ﵇ في حديثِ ابنِ عباسٍ: "فإذا فرغتَ، فامسحْ بهما وجهَكَ". رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (^٤).
(وكُرِه القنوتُ في غيرِ الوتر (^٥» أي: كالفجرِ، وسائرِ المكتوباتِ، والنوافلِ، والجنازةِ، والعيدين، إلا أنْ تنزلَ بالمسلمين نازلةٌ. وهلْ يقنُتُ بالدُّعاءِ المعروفِ في
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤٨٦). وضعفه الألباني في "الإرواء" (٤٣٢).
(٢) "النكت والفوائد السنية" (١/ ١٥٩).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٣٨٦). وضعفه الألباني.
(٤) أخرجه أبو داودَ (١٤٨٥)، وابنُ ماجه (١١٨١)، وضعفه الألباني.
(٥) في الأصل: "وتر".
[ ١ / ٣٦٩ ]
وأفضَلُ الرَّواتبِ: سُنَّةُ الفَجرِ، ثمَّ المغرِبِ، ثمَّ سواءٌ.
تلك النازلةِ؟ قال ابنُ قندس (^١): وظاهرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّه يقنُتُ بالدُّعاءِ المعروفِ. وفي "الاختيارات" (^٢): أنَّه يقنُتُ بما يناسبُ تلك النازلةَ. انتهى. فيسنُّ.
(وأفضلُ الرواتبِ: سنةُ الفجرِ) لقولِ عائشةَ: لم يكنِ النبيُّ -ﷺ- على شيءٍ من النوافلِ، أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجرِ. متفقٌ عليه (^٣). وقال ﵇: "صلُّوا ركعتي الفجرِ، ولو طردتْكُمُ الخيلُ". رواه أحمدُ وأبو داودَ (^٤).
وسُنَّ تخفيفُها، وأنْ يقرأَ فيها بعدَ الفاتحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. وفي الثانيةِ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية.
وسُنَّ اضطجاعٌ بعدَها على الجنْبِ الأيمن، قبلَ صلاةٍ الفرضِ، نصًّا.
(ثمَّ) يلي الفجرَ في الفضيلةِ: (المغربُ) لحديثِ عبيدٍ مولى النبيِّ -ﷺ- نصًّا: أكانَ رسولُ اللهِ -ﷺ- يأمرُ بصلاةٍ بعد المكتوبةِ سوى المكتوبة؟ فقال: نعم، بين المغربِ والعشاءِ. ويقرأُ فيهما بعدَ الفاتحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٥).
(ثمَّ) باقي الرواتب (سواءٌ) في الفضيلةِ
_________________
(١) "حاشية الفروع" (٢/ ٣٣٦).
(٢) "الاختيارات" ص (٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (١١٦٩)، ومسلم (٧٢٤).
(٤) أخرجه أحمدُ (١٥/ ١٤٣) (٩٢٥٣)، وأبو داودَ (١٢٦٠) من حديث أبي هريرة. وضعفه الألباني.
(٥) أخرجه أحمد (٣٩/ ٥٩) (٢٣٦٥٢).
[ ١ / ٣٧٠ ]