(بابُ صَلاةِ الجُمُعةِ)
بضمِّ الميمِ، وإسكانِها، وفتحِها. ذكرَهُ الكرمانيُّ. سُمِّيتْ بذلك لجمعِها الجماعاتِ، أو لجمعِ طينِ آدمَ فيها. وقيل: لأنَّ آدمَ جُمِعَ فيها خلقُه. رواه أحمدُ (^١) من حديثِ أبي هريرةَ. وقيل: لأنَّه جُمِعَ مع حواءَ في الأرضِ فيها. وقيل: لما جُمِعَ فيها من الخيرِ.
قيل: أوَّلُ مَنْ سمَّاه يومَ الجمعةِ: كعبُ بنُ لؤيِّ. واسمُه القديمُ: يومُ العروبةِ.
قيل: سُمِّي بذلك؛ لأنَّ العربَ كانتْ تُعظِّمُه.
والأصلُ في مشروعيتِها: قولُه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، الآية. وعن أبي جعدٍ الضمريِّ - وكانتْ له صحبةٌ - أنَّ النبيَّ - ﷺ -. قال: "مَنْ تركَ ثلاثَ جُمَعٍ تهاونًا، طبعَ اللهُ على قلبِه". رواه الخمسةُ (^٢). وفي "الموطأ" (^٣) عن ابنِ مسعودٍ - قال مالكٌ: لا أدري أعنِ النبيِّ - ﷺ - أم لا- نحوُه. وعن الحكمِ بنِ مينا أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وأبا هريرةَ حدَّثاه: أنَّهما سمِعا رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ على منبرِه: "لينتهينَّ أقوامٌ عن ودَعِهِمُ الجُمَعاتِ، أو
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٣/ ٤٦٦) (٨١٠٢)، وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٤٣٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤/ ٢٥٥) (١٥٤٩٨)، وأبو داود (١٠٥٤)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي (١٣٦٩)، وابن ماجه (١١٢٥) قال الألباني: حسن صحيح.
(٣) أخرجه مالك (١/ ١١١) عن صفوان بن سليم، ليس عن ابن مسعود.
[ ١ / ٤٥٩ ]
تجِبُ على كلِّ ذكرٍ مُسلِمٍ مُكلَّفٍ حُرِّ، لا عُذرَ لهُ.
وكذا على مُسافرٍ لا يُباحُ له القَصرُ
ليختمنَّ اللَّهُ على قلوبهم، ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين". وعن صفوانَ بنِ سُليمٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لقومٍ يتخلَّفون عن الجمعةِ: "لقدْ هممتُ أنْ آمُرَ رجلًا يصلِّي بالنَّاسِ، ثمَّ أحرِّقَ على رجالٍ يتخلَّفون عن الجُمعةِ بيوتَهم". رواهما مسلمٌ (^١).
وفُرِضتْ بمكَّةَ، ولم يتمكن المسلمون من فعلها، وهو أفضلُ أيامِ الأسبوعِ. قالَهُ في "المبدع" (^٢).
(تجبُ) الجُمعةُ وجوبَ عينٍ (على كلِّ ذكرٍ) حكَاهُ ابنُ المنذرِ إجماعًا. (مسلمِ مكلَّفٍ) لأنَّ الإسلامَ والعقلَ شرطانِ للتكليفِ وصحةِ العبادةِ، فلا تجبُ علىَ مجنونٍ إجماعًا، ولا على صبيٍّ، في الصحيح من المذهبِ، لما روى طارقُ بنُ شهابٍ مرفوعًا: "الجُمعة حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ، إلا أربعةً: عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ". رواه أبو داود (^٣)، وقال: طارقٌ قدْ رأى النبيَّ - ﷺ -، ولمْ يسمعْ منه شيئًا، وإسنادُه ثقاتٌ. قالَهُ في "المبدع" (^٤). (حرٍّ) لأنَّ العبدَ مملوكُ المنفعةِ، محبوسٌ على سيدِه، أشبَهَ المحبوسَ بالدَّينِ (لا عذرَ له) من نحوِ مرضٍ وغيرِه.
(وكذا) تجبُ (على مسافرٍ) دونَ فرسخٍ (لا يُباحُ له القصرُ) فيه، كالسفرِ
_________________
(١) الأول أخرجه مسلم (٨٦٥)، والثاني أخرجه مسلم (٦٥٢) من حديث ابن مسعود، لا صفوان بن سليم.
(٢) "المبدع" (٢/ ١٤٠).
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٦٩)، وصححه الألباني.
(٤) "المبدع" (٢/ ١٤١).
[ ١ / ٤٦٠ ]
وعلى مُقيمٍ خارجَ البلَدِ، إذا كانَ بينهُما وبينَ الجُمُعةِ - وقتَ فِعلِهَا - فرسَخٌ فأَقلُ.
ولا تجِبُ على من يُباحُ له القصرُ، ولا عَلى عبدٍ، ومُبعَّضٍ، وامرأةٍ.
ومن حضَرَهَا منهم أجزأتهُ، ولم يُحسَب هُوَ ولا مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ البلَدِ من الأربَعِينَ. ولا تصِحُّ إمامتُهُم فيهَا.
القريبِ، وكالعاصي بسفرِه.
(و) تجبُ (على مقيمٍ خارجَ البلدِ إذا كان بينهما) أي: المسافرِ والمقيمِ (وبين الجُمعةِ وقتَ فعلِها، فرسخٌ فأقلُّ) فتجبُ عليهما
(ولا تجبُ) الجُمعةُ (على مَنْ يُباحُ له القصرُ) أي: فوقَ فرسخٍ، وليس بعاصٍ، (ولا) تجبُ (على عبدٍ، ومبعَّضٍ، وامرأةٍ. ومَنْ حضرَها) أي: حضرَ الجمعةَ (منهم) أي: من المسافرِ، والعبدِ، والمبعَّضِ، والمرأةِ، والخنثى (أجزأتْه) عن (^١) صلاةِ الظهرِ (ولمْ يحسبْ هو ولا مَنْ ليس من أهلِ البلدِ من الأربعين) لأنَّهم ليسوا من أهلِ الوجوبِ، وإنما تصحُّ منهم الجمعةُ تبعًا لمَنْ انعقدتْ به (ولا تصحُّ إمامتُهم فيها) أي: في الجمعةِ؛ لئلا يصيرَ التابعُ متبوعًا.
فائدةٌ: ومَنْ سقطتْ عنه الجمعةُ لعذرٍ، كمرضٍ، وخوفٍ، ومطرٍ. وكذا خوفٌ على نفسِه أو مالِه، إذا حضرَها، وجبتْ عليه، وانعقدتْ به، وأمَّ فيها، فلو حضرَها ولمْ يصلِّها، كان عاصيًا؛ لتركِه ما وجبَ عليه (^٢).
_________________
(١) في الأصل: "على".
(٢) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣٢٧).
[ ١ / ٤٦١ ]
وشُرِطَ لصحَّةِ الجُمُعةِ أربعةُ شُروطٍ:
أحدُهما: الوَقْتُ، وهو: مِنْ أوَّلِ وقتِ العيدِ إلى آخِرِ وقتِ الظُّهرِ.
(وشُرِطَ لصحةِ الجمعةِ: أربعةُ شروطٍ):
(أحدُها): أي: شروطِ الجمعةِ: (الوقتُ) لأنَّها مفروضةٌ، فاعتُبِرَ لها الوقتُ، كبقيةِ المفروضاتِ (^١)
(وهو) أي: وقتُ الجمعةِ: (من أوَّلِ وقتِ العيدِ) نصَّ عليه؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ سيدان السلميِّ، قال: شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكرٍ، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه قبلَ نصفِ النهارِ، ثمَّ شهدتُها مع عمرَ، فكانتْ خطبتُه وصلاتُه إلى أنْ أقولَ: قدْ انتصفَ النهارُ. ثمَّ شهدتُها مع عثمانَ، فكانتْ صلاتُه وخطبتُه إلى أنْ أقولَ: زالَ النهارُ. فما رأيتُ أحدًا عابَ ذلك ولا أنكرَهُ. رواه الدارقطنيُّ، وأحمدُ (^٢) واحتجَّ به. قال: وكذلك رُوي عن ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ، وسعيدٍ، ومعاويةَ (^٣)، أنَّهم صلَّوْا قبلَ الزوالِ، ولمْ يُنكرْ، فكان إجماعًا. (إلى آخرِ وقت الظهر (^٤» إلحاقًا لها بها، لوقوعِها موضعها.
_________________
(١) في الأصل: "المفرضات".
(٢) أخرجه الدارقطنيُّ (٢/ ١٧)، ولم أقف عليه في مسند أحمد. وضعفه الألباني في "الإرواء" (٥٩٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤٤، ٤٤٥) عن ابن مسعود، ومعاوية. وأخرجه مسلم (٨٥٨) عن جابر يرفعه: "كنا نصلي مع رسول اللَّه - ﷺ - ثم نرجع فنريح نواضحنا. قال حسن: فقلت لجعفر: في أيِّ ساعة تلك؟ قال زوال الشمس". وأما عن سعيد فلم أقف عليه.
(٤) سقطت: "الظهر" من الأصل.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وتجِبُ بالزَّوالِ، وبعدَهُ أفضَلُ.
(وتجبُ) الجمعةُ (بالزوالِ)؛ لأنَّ ما قبلَه وقتُ جوازٍ (وبعدَهُ) أي: وفعلُها بعدَهُ (أفضلُ) خروجًا من الخلافِ، ولأنَّه الوقتُ الذي كان - ﷺ - يصلِّيها فيه في أكثرِ أوقاتِه (^١). والأَوْلى فعلُها عقبَ الزوالِ، صيفًا وشتاءً.
وذكرَ ابنُ عقيل في "عُمَد الأدلة"، و"مفرداته" عن قومٍ من أصحابِنا: يجوزُ بعدَ طلوعِ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ (^٢).
وآخره: آخرُ وقتِ الظهرِ، لا الغروبُ. قالَهُ في "الفروع" (^٣).
فإنْ خرجَ وقتُها قبلَ الشروعِ في فعلِها، امتنعتْ الجمعةُ وصلَّوْا ظهرًا. وإنْ خرجَ وقتُ الجمعةِ وقدْ صلَّوْا ركعةً، أتمُّوا جمعةً. وإنْ خرجَ قبلَ أنْ يصلُّوا ركعةً بعدَ التحريمةِ، استأنَفوا ظهرًا. والمذهبُ: يتمُّونُها جُمعةً. ذكرَهُ في "الرعاية" نصًّا.
فلو بقيَ من الوقتِ قدرُ الخطبتينِ والتحريمةِ، لزِمَهم فعلها؛ لأنَّها فرضُ الوقتِ، وقدْ تمكَّنوا منها. أو شكُّوا في خروجِ الوقتِ، لزِمَهم فعلُها؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤهُ (^٤).
ولا يُكره لمَنْ فاتتْه الجمعةُ، أو لمن (^٥) لمْ يكنْ من أهلِ وجوبِها، صلاةُ الظهرِ جماعةً. قال ابنُ تميمٍ وابنُ حمدان في "الرعاية الكبرى": بأذانٍ وإقامةٍ. وهل يُكره
_________________
(١) أخرج البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠) من حديث سلمة بن الأكوع، قال: "كنا نصلِّي الجمعةَ مع النبيِّ - ﷺ - إذا زالَت الشمس".
(٢) "الإنصاف" (٥/ ١٨٨).
(٣) "الفروع" (٣/ ١٤٧).
(٤) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣٣٤).
(٥) سقطت: "لمن" من الأصل.
[ ١ / ٤٦٣ ]
الثَّاني: أن تكونَ بقريةٍ، ولو من قَصَبٍ، يستوطِنُهَا أربعونَ، استيطانَ إقامةٍ، لا يَظعنُونَ صَيفًا ولا شِتَاءً. وتصِحُّ فيما قاربَ البُنيانَ من الصَّحراء.
الثالثُ: حضورُ أربعينَ، فإن نقَصُوا قَبلَ إتمامِهَا، استأنَفُوا ظُهرًا.
في موضعٍ صُلِّيتْ فيه الجمعةُ؟ فيه وجهانِ. قال في "تصحيح الفروع" (^١): أحدُهما: يُكره، وهو الصحيحُ. قال: والوجهُ الثاني: لا يُكره، وهو ظاهرُ كلامِه في "الرعاية الصغرى" و"الحاوي" وجماعةٍ، وجزمَ به في "مجمع البحرين".
الشرطُ (الثاني) من شروط صحة الجُمعةِ: (أنْ تكونَ بقريةٍ) مبنيةٍ بما جرتْ العادةُ به من حَجَرٍ، أوآجُرٍّ، أو لَبِنٍ، أو خشبٍ، أو غيرِها. مقيمين بها صيفًا وشتاء.
وعُلِمَ منه: أنَّه ليس من شروطِها المِصرُ. وأنَّها لا تصحُّ بغيرِ بناء، كبيوتِ الشعرِ والخيامِ. زاد في "المستوعب" وغيرِه: ولو اتخذَها أوطانًا؛ لأنَّ استيطانَهم في غيرِ بنيانٍ (^٢).
(ولو من قصبٍ) أو شجرٍ (يستوطنُها أربعون) رجلًا، ولو بالإمامِ، من أهلِ وجوبها (استيطانَ إقامةٍ، لا يظعنون) أي: يرحلون (صيفًا ولا شتاءً. وتصحُّ) الجمعةُ (فيما قاربَ البنيانِ من الصحراءِ) فلا يشترطُ لها البنيانُ.
الشرطُ (الثالثُ) من شروطِ صحةِ الجمعةِ: (حضورُ أربعين) رجلًا، من أهلِ وجوبها (فإنْ نقصوا قبل إتمامِها) أي: الجمعةِ (استأنَفوا ظهرًا) نصًّا؛ لأنَّ العددَ شرطٌ، فاعتبرَ في جميعِها، كالطَّهارةِ. والمسبوقُ إنَّما صحَّتْ منه تبعًا لصحتِها ممَّنْ لمْ يحضر الخطبة تبعًا لمن حضرها.
_________________
(١) "تصحيح الفروع" (٣/ ١٤٣، ١٤٤).
(٢) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣٣٦).
[ ١ / ٤٦٤ ]
الرابعُ: تَقدَّم خُطبتَين.
مِن شَرطِ صِحَّتِهمَا خمسةُ أشياء:
الوقتُ، والنَّيةُ، ووقوعُهُما حَضَرًا، وحضورُ الأربعين، وأن يكونا ممَّن تصحُّ إمامتُهُ فيهَا.
وأركانُهُما سِتَّةٌ:
الشرط (الرابعُ) من شروطِ صحةِ الجمعةِ: (تقدُّمُ خُطبتين) أي: خطبتانِ متقدِّمتانِ
(من شرطِ (^١) صحتِهما) أي: الخطبتين: (خمسةُ أشياءَ: الوقتُ) أي: وقتُ الجمعةِ؛ لأنَّهما بدلٌ من ركعتين، والصَّلاةُ لا تصحُّ قبلَ دخولِ وقتِها.
(و) الثاني: (النيةُ) لقولِه ﵊: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ".
(و) الشرطُ الثالثُ: (وقوعُهما حضرًا) لا سفرًا.
(و) الرابعُ: (حضورُ الأربعين) فلو نقصَ العددُ، لم تصحَّ.
(و) الشرطُ الخامسُ: (أنْ يكونَا ممَّنْ تصحُّ إمامتُه فيها) أي: في الجمعةِ. فلا تصحُّ خطبةُ مَنْ لا تجبُ عليه بنفسِه، كعبدٍ ومسافرٍ، ولو أقامَ لعِلمٍ أو شغل بلا استيطانٍ؛ لما تقدَّم.
(وأركانُهما) أي: الخطبتين (ستةٌ):
أحدُها: (حمدُ اللهِ) تعالى. أي: قولُ: الحمدُ للهِ. لحديثِ ابنِ مسعودٍ: كان النبيُّ - ﷺ - إذا تشهدَ قال: "الحمدُ للهِ". رواه أبو داودَ (^٢). وله (^٣) أيضًا:
_________________
(١) في الأصل: "شروط".
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٩٩)، وضعفه الألباني.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٨٤٢) من حديث أبي هريرة. وضعفه الألباني.
[ ١ / ٤٦٥ ]
حمدُ الله، والصلاةُ على رسولِ الله، وقراءةُ آيةٍ مِنْ كتابِ اللَّهِ، والوصيَّةُ بتقوى اللَّه،
"كلُّ (^١) كلامُ لا يُبدأُ فيه بالحمد للهِ، فهو أجذمُ".
(و) الركنُ الثاني: (الصَّلاةُ على رسولِ اللهِ) ﵊؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ افتقرتْ إلى ذكرِ اللهِ، افتقرتْ (^٢) إلى ذكرِ نبيهِ ﵇، كالأذانِ. ويتعيَّنُ لفظُ الصَّلاةِ لا السَّلامِ.
(و) الركنُ الثالثُ: (قراءةُ آيةٍ من كتابِ اللهِ) كاملةٍ؛ لحديثِ جابرِ بنِ سمرةَ: كان النبيُّ - ﷺ - يقرأُ الآياتِ، ويُذكِّرُ الناسَ. رواه مسلمٌ (^٣). ولأنَّ الخطبتين أقيمتا مقامَ ركعتين، فوجبتْ فيهما القراءةُ، كالصَّلاةِ. ولا تُجزِئُ آيةٌ لا تستقلُّ بمعنًى أو حكمٍ، نحو: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١]، أو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]. ذكرَهُ أبو المعالي وغيرُه.
ولا تجزئُ القراءةُ بغيرِ العربيةِ. وهلْ يحتاجُ إلى إبدالِها عند العجزِ عنها بذكرٍ؟ فيه وجهان. قالَهُ ابنُ نصرِ اللهِ. قال في "تصحيح الفروع" (^٤): وهل يحتاجُ إلى إبدالِها عند العجزِ عنها؟ فيه وجهانِ. وأطلقَهُما في "الرعاية الكبرى"، وهما احتمالانِ مطلقانِ في "شرح الزركشي": أحدُهما: يجبُ. قلتُ: وهو الصَّوابُ، كالقراءةِ في الصَّلاةِ، فإنَّها أيضًا مشتملةٌ على ذكرٍ. والوجهُ الثاني: لا تجبُ.
_________________
(١) سقطت: "كل" من الأصل.
(٢) تكررت: "افتقرتْ" في الأصل.
(٣) أخرجه مسلم (٨٦٢).
(٤) "تصحيح الفروع" (٣/ ١٧٠).
[ ١ / ٤٦٦ ]
وموالاتُهُما مع الصَّلاةِ، والجهرُ بحيثُ يُسمِعُ العدَدَ المعتبَر، حيثُ لا مانعَ.
وسُنَنُهُما:
الطهارةُ،
والوجهُ الأولُ اعتمَدَهُ أيضًا في "الإقناع"، ومشى عليه.
ولا يصحُّ إبدالُها بغيرِ العربيةِ مع القدرةِ على العربيةِ. وتصحُّ مع العجزِ عن القراءةِ، فيجبُ مع العجزِ الذكرُ بدلها. انتهى.
(و) الركنُ الرابعُ: (الوصيةُ بتقوى اللهِ) تعالى؛ لأنَّها المقصودةُ من الخطبةِ. فلو قرأَ من القرآنِ ما يتضمنُ الحمدَ والموعظةَ، وصلَّى عليه، ﵇، في كلِّ خطبةٍ، كفى. قال في "التلخيص": لا يتعينُ لفظُها. أي: الوصيةِ، وأقلُّها: اتقوا اللَّه. أطيعوا اللَّه. ونحوُه.
(و) الركنُ الخامسُ: (موالاتُهما) أي: الخُطبتين (مع الصَّلاةِ) فتُشترطُ الموالاةُ بين أجزاءِ الخطبتين، وبينهما وبين الصَّلاةِ؛ لأنَّه لمْ يُنقلْ عنه ﵇ خلافُه، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
(و) الركنُ السادسُ: (الجهرُ بحيثُ يُسْمِعُ العددَ المعتبرَ) للجمعةِ (حيثُ لا مانِعَ) لهم من سماعِه، كنومٍ، أو غفلةٍ، أو صَمَمِ بعضِهم. فإنْ لمْ يسمعوا لخفضِ صوتِه، أو بُعْدِهم عنه، ونحوِه، لمْ تصحَّ؛ لعدمِ حصولِ المقصودِ
(وسُننُهما) أي: الخطبتين:
(الطَّهارةُ) أي: من الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ، فتجزئُ خطبةُ محدثٍ وجنبٍ (^١)، كأذانِه. وتحريمُ لبثِه بالمسجدِ لا تَعلُّقَ له بواجبِ العبادةِ، كصلاةِ مَنْ
_________________
(١) في الأصل: "وجبت".
[ ١ / ٤٦٧ ]
وسترُ العورةِ، وإزالةُ النَّجاسةِ، والدعاءُ للمسلمين، وأن يتولَّاهُما مع الصَّلاةِ واحدٌ، ورفعُ الصَّوتِ بهمَا حسَبَ الطَّاقةِ، وأن يخطُبَ [قائمًا على مُرتَفَعٍ،
معه درهمٌ غَصْبٌ
(وسترُ العورةِ، وإزالةُ النجاسةِ، والدُّعاءُ للمسلمين، وأنْ يتولَّاهما (^١) واحدٌ) أي: الصَّلاةَ والخطبةَ (ورفعُ الصوتِ بهما (^٢) حسَبَ الطَّاقةِ) لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ.
(و) يُسنُّ (أنْ يخطبَ قائمًا) نصًّا؛ لما سبقَ. ولمْ يجِبْ، كالأذانِ، والاستقبالِ (على مُرْتَفَعِ) أي: موضعٍ عالٍ، إنْ لمْ يكن منبرٌ؛ لأنَّه في معناه؛ لاشتراكِهما في الإعلامِ. ويَكونُ الموضعُ المرتفعُ، أو المنبرُ، عن يمينِ مستقبلِ القبلةِ بالمحرابِ؛ لأنَّ منبَره - ﷺ - كذا كان. وكان يقفُ على الدرجةِ الثالثةِ التي تلي مكانَ الاستراحةِ، ثمَّ وقفَ أبو بكرٍ على الثانيةِ، ثمَّ عمرُ على الأُولى؛ تأدُّبًا، ثمَّ وقفَ عثمانُ مكانَ أبي بكرٍ ثمَّ على موقفِ النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ زمن معاويةَ قلَعَه (^٣) مروانُ.، وزادَ فيه ستَّ درجٍ، فكان الخلفاءُ يرتقون ستًّا؛ يقفون مكانَ عمرَ، أي: على السابعةِ، ولا يتجاوزون (^٤) ذلك؛ تأدبًا.
وكان اتخاذُه في سنةِ سبعٍ من الهجرةِ. وقيل: سنةَ ثمانٍ. وسُمِّيَ منبرًا؛ لارتفاعِه من النَّبرِ- وهو الارتفاعُ - واتخاذُه مجمعٌ عليه (^٥). قالَهُ في "شرح مسلم".
_________________
(١) في الأصل: "يتولهما".
(٢) سقطت: "بهما" من الأصل.
(٣) في الأصل: "فعله".
(٤) في الأصل: "عليها".
(٥) في الأصل: "قوسًا".
[ ١ / ٤٦٨ ]
معتمدًا على سيفِ أو عصًا، وأن يجلِسَ بينهُما قليلًا. فإن أبَى، أو خَطَبَ] جالسًا فصَلَ بينهُمَا بسكتَةٍ.
(معتمدًا على سيفٍ أو عصا) أو قوسٍ. قالَ (^١) في "الإقناع": بإحدى يديه.
قال في "الفروع": ويتوجهُ باليسرى. ويعتمدُ بالأخرى على حرفِ المنبرِ، أو يرسِلُها؛ لما روى الحكمُ بنُ حزنٍ قال: وفدتُ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، فشهدْنا معه الجمعةَ، فقامَ متوكئًا على سيفٍ أو قوسٍ أو عصا. رواه أبو داودَ (^٢). ولأنَّه أمكن له، وإشارةً إلى أنَّ هذا الدِّينَ فُتِحَ به (^٣).
(وأنْ يجلسَ بينهما قليلًا) أي: جِلسةً خفيفةً جدًّا؛ لما روى ابنُ عمرَ قال: كان النبيُّ - ﷺ - يخطبُ خطبتين وهو قائمٌ، يفصلُ بينهما بجلوسٍ. متفقٌ عليه (^٤). قال في "التلخيص": بقدرِ سورةِ الإخلاصِ (^٥) (فإنْ أبى) أن يجلسَ بينهما، فصلَ بسكتةٍ (أو خطبَ جالسًا) لعذرٍ وغيرِه (فصلَ بينهما) أي: بين الخطبتين (بسكتةٍ)؛ ليحصلَ التمييزُ.
وعُلِمَ منه: أنَّ الجلوسَ بينهما غيرُ واجبٍ؛ لأنَّ جماعةً من الصَّحابةِ، منهم سيدُنا عليٌّ، سَرَدَ الخطبتين من غيرِ جلوسٍ (^٦)
_________________
(١) في الأصل: "قاله".
(٢) أخرجه أبو داودَ (١٠٩٨)، وحسنه الألباني.
(٣) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣٥٤).
(٤) أخرجه البخاري (٩٢٨)، ومسلم (٨٦١).
(٥) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٢١).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٨٩، ١٩٠).
[ ١ / ٤٦٩ ]
وسُنَّ قصرُهُما، والثانيةُ أقصَرُ.
ولا بأسَ أن يخطُبَ من صَحيفةٍ.
(وسُنَّ قصرُهما) أي: الخطبتين. (والثانيةُ أقصرُ) أي: سُنَّ كونُ الثانيةِ أقصرُ من الأُولى؛ لحديثِ: "إنَّ طولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرَ خطبتِه من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاةَ، واقْصُرُوا الخطبةَ" (^١).
(ولا بأسَ أنْ يخطبَ من صحيفةٍ) كقراءةٍ في الصَّلاةِ من مصحفٍ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٦٩).
[ ١ / ٤٧٠ ]